بيان الكتب: ثييري دومونبريال، مؤلف هذا الكتاب، هو مؤسس المعهد الفرنسي للعلاقات الخارجية ويتولى ادارته منذ تأسيسه عام 1978. وكان قد عمل كأول مدير لمركز التحليل والتوقعات الاستراتيجية التابع لوزارة الخارجية الفرنسية خلال سنوات «1973 ـ 1979». ويعمل ايضا استاذاً في مدرسة «البوليتيكنيك» الشهيرة في فرنسا حيث كان مديراً لقسم العلوم الاقتصادية منذ عام 1974 وحتى عام 1992، ولايزال يقوم حتى الان بتدريس مادة «استراتيجية العلاقات الدولية». ويعمل منذ عام 1995 استاذاً لمادة «الاقتصاد التطبيقي والعلاقات الدولية» في المعهد الوطني الفرنسي للفنون والحرف. و«ثييري دومونبريال» هو ايضا عضو في «معهد فرنسا».. ومعهد فرنسا هو مؤسسة تأتي في الأهمية الشرفية بعد الاكاديمية الفرنسية.. ويضم المعهد خمس اكاديميات حيث ان المؤلف عضو في اكاديمية العلوم الاخلاقية والسياسية. قدّم المؤلف اكثر من عشرة كتب من بينها «ثأر التاريخ» و«مذكرات الزمن الحاضر» و«من اجل محاربة الفكر الوحيد ـ احادية الفكر».. ومن أهم الاعمال التي قدمها بالاشتراك مع «جان كلاين» عمل موسوعي حمل عنوان: «القاموس الاستراتيجي» الذي تم نشره عام 2000. تجدر الاشارة ايضاً الى ان المؤلف قد نشر بالوقت نفسه مع الكتاب الحالي كتاباً اخر يحمل عنوان: «فرنسا في القرن الجديد». لعلّ هذا التقديم المسهب للمؤلف يشكل مؤشراً على الخلفية الاكاديمية والمعرفية والاستراتيجية التي يقدم على اساسها تحليلاته حول «الفعل ومنظومة العالم». ان مفهوم «الفعل» الذي يقصده في عنوان هذا الكتاب مأخوذ في الواقع من القاموس الماركسي حيث يعني «التطبيق العملي»، اي الخروج من التنظير الى «الفعل» اي ما يعادل في الفلسفة الماركسية محاولات تغيير العالم وبخاصة تغيير وسائل الانتاج التي تقوم عليها البنى الاجتماعية. ان «ثييري دومونبريال» يحاول في هذا الكتاب ان يرسي في الواقع اسس ما يسميه بـ «علم الفعل». وذلك ما يعني عامة المحاولات الفردية احياناً، وربما الجماعية غالباً، والتي يتم الشروع بها في منظور صياغة بل وتحقيق مشروع يرمي الى تغيير العالم، او على الأقل جزء من العالم. بل ويرى مؤلف هذا الكتاب بان هذه المحاولات، وان كانت لا تشغل سوى حيّزاً ما من حياة البشر، فإنها تساهم الى حد كبير في صياغة مسار التاريخ... ثم ان هذه المحاولات ومشاريع تغيير العالم تستجيب في اغلب الاحيان لمواجهة «ضرورات موضوعية» او ما يمكن ان يبدو بالنسبة لاصحاب تلك المحاولات بمثابة «ضرورات موضوعية». لكنها بكل الحالات تمثل «احلاماً» او «تطلعات» لدى المعنيين بها. واذا كان مؤلف هذا الكتاب يعتبر بان «علم الفعل» يمكن تطبيقه على مختلف مشارب الحياة وعلى مختلف الاوضاع، فانه يولي اهتمامه بشكل خاص الى تطبيقاته بالنسبة لميدانين محددين يشكلان الاهتمامين الرئيسيين للمؤلف، اي الاقتصاد والعلاقات الدولية. بل انه يوليه اهتمامه اكثر للعلاقات الدولية في عالم تسود فيه وحدات سياسية متفرقة ومتنازعة غالباً فيما بينها. وبشكل عام يقوم المؤلف بدراسة العلاقات الدولية بصورة معمّقة على الصعيدين النظري وعبر تفحص المنظومة الدولية كما هي موجودة في الواقع في منعطف القرن. يبدأ المؤلف اولاً بدراسة مفهوم «القوة» ومصادرها وعناصرها والتي في مقدمتها «رأس المال الانساني» وحيث ان كل مجموعة انسانية منظمة تمتلك بعداً «ديموغرافياً».. ولكنه بعد تختلف اهميته من دولة الى اخرى، ومن مجموعة الى اخرى. اذ انه بالنسبة لدولة مثل الصين تكتسب المعطيات الخاصة بالولادات والوفيات اهمية كبيرة، بينما ان المعطيات الخاصة بالهجرة هي هامشية. ثم ان رأس المال الانساني كان باستمرار عنصراً في الحروب فـ «قدرة أية دولة في ان تشكّل الجيوش بسرعة وان تعوّض الخسائر، انما تشكل عنصراً حاسماً في قوتها العسكرية وبالتالي بقوتها بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى». ولكن مع وصول التكنولوجيات المتقدمة ومنظومات التسلح الحديثة تضاءلت اهمية العامل الديموغرافي و«فقد امتياز العدد تفوقه في ميزان القوى العسكري لصالح فعالية منظومات التسلح ومنظومات الاقتصاد». ويرى المؤلف بان «الموارد الاخلاقية عامة» تشكل ايضا احد مصادر القوة. وذلك بالمعنى المزدوج للاخلاق اي بالمعنى الذي يخص «اخلاقيات مجموعة بشرية» والمعنى الاخر الخاص «بالاستعدادات الجماعية لدعم اهداف حددتها قيادة ما، ولتجاوز العقبات من اجل تحقيق هذه الاهداف». وعلى هذا الاساس يرى المؤلف بان «الموارد الاخلاقية» هي التي تؤسس للاحساس بالانتماء الى المجموعة وبالتالي هي التي تحدد درجة تلاحم هذه المجموعة ومدى قدرتها على مقاومة الصدمات الخارجية والداخلية. ان المثال الاول الذي يقدمه المؤلف على قوة «التلاحم» التي تؤمنها «الموارد الاخلاقية» يتمثل في الولايات المتحدة الامريكية التي تشكل بـ «ملايينها الـ 274 ـ عام 1998 ـ مجموعة ـ امة ـ تتمتع بدرجة عالية من التلاحم في مواجهة الخارج ولكن ايضا في مواجهة التوترات الداخلية». ومقابل هذا يؤكد المؤلف على وجود اشكال هشاشة مختلفة في العديد من البلدان الاوروبية، فبلجيكا تعاني من التعارض بين «الفالون» و«الفلاماند»، وبريطانيا تواجه المصاعب في ايرلندا الشمالية واسبانيا في حرب منذ سنوات طويلة مع «الباسك» وفرنسا تواجه المشكلة الكورسيكية... الخ. ويعتبر المؤلف ايضا في السياق نفسه بان «الثقافة والايديولوجيا تشكلان ايضا موارد اخلاقية تساهم في قولبة التلاحم الاجتماعي للمجموعة، كما تساهم ايضا في نشر اشعاعات هذه المجموعة وبالتالي تأثيرها على الخارج». ومن هنا ايضاً تأتي اهمية «الصورة» التي يستقبلها العالم عن هذه المجموعة او تلك. هكذا تحرص فرنسا مثلاً على المحافظة على الصورة الشائعة عنها باعتبارها «بلاد حقوق الانسان» او «نصيرة التنمية في العالم الثالث». ويشير المؤلف في هذا السياق الى ان الاتحاد السوفييتي ـ السابق ـ كان يتمتع بصورة مليئة بالتناقض من حيث وجهة نظر اولئك الذين يصدرون احكامهم، اذ كان لا يستحق سوى «الشجب» بالنسبة للبعض، بينما كان يمتلك صورة «ممتازة» بالنسبة لاخرين. ولكن الثقافة والايديولوجيا بمثابة العناصر الاكثر ثباتاً في الموارد الاخلاقية. التي تحدد بعمق ردود الافعال التي يمكن ان تصدر عن المجموعات البشرية المعظمة ـ دولة او غيرها، في مختلف الاوضاع التي يمر فيها تاريخها انها هي التي تحدد «الانفعالات الجماعية». ويربط المؤلف في تحليلاته بين عنصرين اساسيين للقوة وقدرة الفعل هما «التوازن» و«الاستقرار».. وهذا ما شرحه على مدى فصل كامل تحت عنوان «استقرار منظومات الوحدات النشيطة». ويرى ان «مفهوم التوازن لا يمكن فصله عن مفهوم الاستقرار اذ عندما يتوصل اي عنصر مشوش لتحقيق غاياته، فان التوازن يكون قد انتهى بالتعريف».. وفي كل الحالات تعتمد المحافظة على التوازن على ارادة قوة محددة بعينها تمتلك من وسائل القوة ما يسمح لها بان تلعب دور مهندس التوازن، او بتعبير اخر دور الشرطي، وكانت بريطانيا قد لعبت مثل هذا الدور في اوروبا منذ القرن الثامن عشر وحتى بدايات القرن العشرين، اما في نهاية هذا القرن ـ العشرين ـ فان مهندس التوازن الكبير في اوروبا والشرق الاوسط وآسيا هو بالطبع الولايات المتحدة الامريكية. لكن المؤلف يميز في هذا الاطار بين «المحافظة على الاستقرار» وبين «الهيمنة» اضف الى هذا ضرورة الانتباه باستمرار الى ان واقع «التوازن» لا يمثل حالة دائمة، ذلك ان «بنية المنظومة الدولية تتغير باستمرار تبعاً للمحيط التكنولوجي او الاقتصادي او الاجتماعي، وليس فقط اثر نشوب حرب ترمي الى انهاء حالة اضطراب وتشوش ما». ويبين المؤلف ضمن هذا النهج من التحليل بانه في حالة تعرض بنية المنظومة الدولية للتحول، فان قيام توازن جديد، مختلف عن السابق، لا يمكن ان يتم ويتعزز الا بعد فترة طويلة الى هذا المدى او ذاك واحياناً مشوبة بالفوضى او ربما الا اذا اتفقت الاطراف كلها على معطيات التوازن الجديد او اخيرا في ظل وجود مركز قوي يفرض حالة الاستقرار.. وبكل الحالات يرى المؤلف بانه «ينبغي على الأكثر قوة عدم استغلال الظروف لصالحهم». وتبدو الاشارة هنا واضحة للدور الراهن الذي تلعبه الولايات المتحدة الامريكية في ظل ما يعرف بـ «النظام العالمي الجديد» ان احد الشروط الاساسية لتحقيق مبدأ التوازن في العلاقات الدولية يتمثل في وجود نوع من «التناسق» بين مجموعة من الوحدات السياسية تتفق كلها على اعطاء الاولوية لنوع من «الاستقرار البنيوي». ان مبدأ «التوازن» و«الاستقرار» يحيل بالضرورة الى الوجه الاخر للميدالية، الى حالة «النزاعات» بين المجموعات النشيطة «مجموعات الفعل»، من دول وغيرها.. ويحدد المؤلف اربع صيغ لفض هذه النزاعات تتمثل في «اللجوء الى التحكيم» او «المفاوضات» او «العدالة» او «المواجهة» اي الحرب التي تجد مبرراتها في منطق الدول المعاصرة في حالة خدمة «قضية عادلة». وبالطبع يمكن استغلال هذا المقياس بوجوه عديدة اذ ان كل طرف يقيس «عدالة القضية» حسب معاييره الخاصة وتبعاً لوجهة نظره. هذا مع تفريق المؤلف بين ما يسميه بـ «القضايا الاساسية ـ الجوهرية» وبين «الاسباب المباشرة لنشوب النزاعات».. وعلى الاساس نفسه يتم التمييز ايضاً بين النزاعات الحدودية وغيرها المرتبطة برهانات جيواستراتيجية وحيث تتضاعف هذه الرهانات الاستراتيجية احياناً بتناقضات على خلفية اثنية وعقائدية مثل النزاع بين الهند والباكستان على منطقة كشمير وجزئياً النزاع بين العراق وايران. ويبحث المؤلف في احد فصول هذا الكتاب ما يسميه «جدل الغايات والوسائل».. او ما يتناظر بصورة ما في التحليلات المقدّمة بين «الاستراتيجيات» و«التطبيق العملي» لها بين «الخطة» و«الفعل». وبكل الحالات يعتبر بانه في ميدان الاستراتيجيا لابد من تصور الوسائل والغايات بصورة عقلانية. وكان منظّر الحرب الكبير «كلاوز فتس» قد ركّز على القول بانه «لا يمكن تصور الوسائل بمعزل عن الغايات».. وعلى الأقل ينبغي ان تكون هذه الرابطة قائمة «نظرياً». وتبقى نقطة الانطلاق لكل استراتيجية، ومهما كان ميدانها، هي تحديد هدف من المطلوب تحقيقه، وحيث ينبغي بالضرورة ان يتم تحديد الهدف المطلوب على اساس العلاقة مع الموارد والامكانيات المتوفرة: وكان «كلاوز فتس» ايضا قد أشار الى ان «الهدف العسكري» لحرب ما لا يتطابق بالضرورة مع «هدفها السياسي».. هذا مع التأكيد على ان تعبير «الاستراتيجيا» يعود تاريخياً الى اليونان حيث كان يعني بدقة «قيادة الجيش». او «فن الحرب» كما كان يقال سابقاً. وتعود اولى الكتابات الاستراتيجية الى اليونان او الى الصين «اعمال صن تسي الاستراتيجي الصيني المعروف. لكن ومنذ منتصف الخمسينيات في القرن الماضي. توسع اطار الفكر الاستراتيجي مع بروز دور الاسلحة النووية وغيرها من اسلحة الدمار الشامل واصبحت هناك ايضا استراتيجيات عسكرية واستراتيجيات اقتصادية. وساد الى حد كبير مفهوم استراتيجي جديد هو الردع». ان المؤلف يتعرض في الواقع الى العديد من المفاهيم والتعريفات المتداولة ويحاول ان يحلل اليات تشكلها وعملها ومداها لكن يبقى حقل «العلاقات الدولية» هو الذي يحظى باهتمامه الرئيسي.. لاسيما في سياق «العولمة» و«النظام الدولي الجديد».. او «المنظومة الدولية» كما يفضل ان يستخدم والتي يرى بانها تعاني من مجموعة من المشاكل ولعلها بحاجة قبل اي شيء اخر لعملية «الضبط» في عالم تتداخل مكوناته ودوله اكثر فأكثر، اذ وطيلة القرن العشرين لم تتوقف المنظومة الدولية عن ان تصبح اكثر تعقيداً. ان «العولمة» وسيادة «اقتصاد السوق» السائدتين تطرحان احد أهم الاشكاليات على القانون الدولي.. وهي الاشكالية الخاصة بمفهوم السيادة والذي يمثل «روح» هذا القانون. كتاب عن حالة العالم اليوم... وعن افكار البشر الذين يحكمونه.