بيان الكتب: عمل ت. ه. برين لسنوات عديدة استاذا للتاريخ الامريكي في جامعة فورثويسترت كما عمل في جامعتي كمبردج واكسفورد. منذ البداية، يبنغي الاشارة الى ان كتاب زراعة التبغ لا علاقة له بمادة التبغ وما تمثله من اضرار على الصحة .. وانما هو كتاب في التاريخ الامريكي عامة وفي تاريخ الثورة الامريكية بشكل خاص. الفكرة الاساسية التي يطرحها مؤلف هذا الكتاب تقول إن زارعي التبغ في شواطيء فرجينيا ـ منطقة مياه المد والجزر ـ انما عانوا في صميم الثورة الامريكية بل انهم كانوا العامل الرئيسي في قيامها وكان دورهم هذا قد بدأ في اواسط القرن الثامن عشر وحيث شكل عملهم احد المعطيات الاجتماعية والثقافية في التاريخ الامريكي لتلك الفترة . كما اسس نشاطهم لتاريخ امريكا اللاحق. لقد كان زارعو التبغ كما يقدمهم مؤلف هذا الكتاب يمثلون «نخبة» المجتمع الذي يعيشون فيه وقد كانوا يوظفون في مزارعهم عشرات الالاف من العمال وخاصة من ذوي الاصول الافريقية، وكان زارعو التبغ هؤلاء قد بحثوا عن اسواق خارجية لتعريف انتاجهم حيث توجهت انظارهم بشكل خاص نحو بريطانيا وايرلندا بسبب الاصول التاريخية. باختصار كانت هناك دورة اقتصادية شبه متكاملة حول زراعة التبغ وانتاجه، ان المؤلف يحلل آليات الانتقال من زراعة التبغ، الى الاهتمام بـ «حقل السياسة» هذا وقد سادت في الفترة نفسها مجموعة من القيم في مقدمتها التأكيد على الاستقلال الشخصي وايضا التأكيد على اهمية الشرف، ويرى المؤلف بان الجذور القديمة للنزعات الطهورية السائدة اليوم ان تجد نفسها في قيم حقبة زارعي التبغ، وهي الحقبة التي يتمثل بعض رموزها في شخصيات سياسية احتلت مقدمة المسرح السياسي الامريكي في عصرها بل وفي التاريخ الامريكي كله مثل «جورج واشنطن» وتوماس جيفرسون. ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو ان اصحاب مزارع التبغ الكبرى في فرجينيا أقاموا دورة علاقات مع العاملين معهم ومع احتياجات السوق والتسويق والتطلع نحو انشاء شبكة سياسية تحمي مصالحهم وتجد الاطار الشرعي والقانوني لملكيتهم للمزارع التي يستثمرونها .. ثم انهم بعملهم هذا وضعوا الاسس الاولى لـ «هوية اجتماعية» ولكن اذا كان المؤلف يؤكد على اهمية زراعة التبغ في ارساء الاسس الاولى للصيغة المجتمعية التي انبثقت عنها الثورة الامريكية فانه مع ذلك لايتردد في التأكيد على نسبة تأثير هذا العامل، اذ يقول: بالتأكيد لم يكن انتاج التبغ هو وحده مصدر تشكل الهوية ولكن من الأكيد ايضا بان زراعة التبغ اقامت سلما للتراتبية الاجتماعية التي تميز بين الاسياد البيض، والخدم السود والرجال والنساء والكاثوليكيين والامريكيين من اصول انجليزية وغيرهم من اصول متنوعة اخرى، وبرزت في الفترة نفسها شريحة جديدة تمثلت في شريحة التجار اذ ومنذ اواسط القرن الثامن عشر كانت المنتوجات الفرجينية قد عرفت عملية التصدير نحو اسواق بعيدة، واشتهرت بعض الاسواق على انها مراكز لبيع منتوجات زراعة التبغ مثل لندن وجلاسكو وليفربول. ان المؤلف يتعرض لدراسة تاريخ فرجينيا في الفترة التي عرفت فجر الثورة الامريكية من خلال دراسة العلاقة بين تجربة العمل والقيم الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك وكما بدت هذه العلاقة في حياة العديد من الرجال والنساء العاديين ومن هنا يزخر هذا الكتاب بالحديث عن الكثير من الاشخاص الذين كان لهم دورهم في التحضير لـ «الثورة الامريكية» ورفض ان تكون امريكا مجرد «احدى محافظات الامبراطورية البريطانية» التي كان التاج البريطاني يطمح الى تأسيسها وارساء نقاط ارتكازها في مختلف اصقاع المعمورة وكان اصحاب مزارع التبغ يريدون ان يجعلوا من مزارعهم نوعا من الكيانات المستقلة التي تخدم مصالحهم وليس مصالح التجار البريطانيين الكبار .. وبالتالي مثل ذلك نوعا من الحالة الجنينية لنزعة السيادة الامريكية، ويرى المؤلف بان زراعة التبغ في امريكا كانت لها خصوصياتها الكبيرة اذ انها اكدت نوعا من الديناميكية التي ادت الى تبني ايديولوجية سياسية بينما لم تلعب مثل هذا الدور في المناطق الاخرى من العالم، ومن الملفت للانتباه ان اصحاب المزارع الامريكيين كانوا قد استأثروا لانفسهم بالساحات التي جعلوها مزارع لهم بعد ان استولوا عليها، ثم اصبغت الادارات الامريكية لاحقا الشرعية القانوية على ملكيتهم لها. ومن خلال التعرض لمسألة «زراعة التبغ» في فرجينيا وما ترتب عليها وتداخل النشاطات المتعلقة بها بين الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية يقدم مؤلف هذا الكتاب رؤية تاريخية لما يمكن تسميته بـ «التاريخ الامبريالي» البريطاني وللتاريخ الانجليزي الامريكي المتداخل في العصر الحديث لكن هذا الهدف العريض يتم التطرق له عبر تحليل البنية الذهنية العقلية للنخب التي شكلها اصحاب مزارع التبغ في فرجينيا في فترة بدايات الثورة الامريكية اي في اواسط القرن الثامن عشر والذين شكلوا آنذاك طبقة من الاغنياء والنخبة، يجدر التذكير هنا بان المؤلف لايقدم دراسة اكاديمية حول الافكار السياسية والفلسفية لهذه النخبة وانما يركز بالاحرى على دراسة السياق الاجتماعي او بالاحرى الواقع الاجتماعي الذي ترتب على نشاطاتهم، ان عقليتهم قد تطورت بحيث ان البعض منهم قد تبنوا في فترة فجر الثورة الامريكية ايديولوجية سياسية راديكالية وهذا ما يسميه المؤلف بـ «السياق الزراعي للافكار الراديكالية» كما جاء في عنوان احد فصول هذا الكتاب وهذا يعني بان المؤلف يقدم قراءة تاريخية، اخرى غير تلك التي قدمها المؤرخون الاكاديميون منذ القرن التاسع عشر واستمروا بالتأكيد عليها في القسم الاكبر من القرن العشرين والذين اعتبروا بشكل عام بان الثورة الامريكية كانت بمثابة نقطة الوصول الحتمية لمسيرة الحرية المتقدمة واكد مؤرخون آخرون تقدميون على تنامي «التقاليد الوطنية» الامريكية وقدم مؤرخون آخرون من ذوي التوجهات الماركسية قراءة اقتصادية للسياق الذي ادى الى الثورة، ان مؤلف هذا الكتاب يخالف بصورة شبه جذرية الثورة الماركسية التي تؤكد بان مالكي الارض والفلاحين هم ابعد مايكون عن اي توجه ثوري. مايؤكده المؤلف هو أن العديد من اصحاب مزارع التبغ في فرجينيا تبنوا افكارا راديكالية ولم يكونوا بعيدين عن النواة الاولى التي انتجت فيما بعد الثورة الامريكية. تجدر الاشارة ايضا الى ان التحليلات التي يقدمها مؤلف هذاالكتاب تتماشي مع نمط من الدراسات التاريخية التي يطلقون عليه في فرنسا «تاريخ العقليات» وهذا مايفعل المؤلف عبر تركيزه على دراسة احد اهم مظاهر الحياة اليومية في فرجينيا اثناء الحقبة الاستعمارية انه يخص انتاج وتسويق التبغ وحيث يشبه الدور الذي لعبته زراعة التبغ في فرجينيا خلال القرن الثامن عشر بالدور الذي يلعبه السكر والقهوة في بلدان حوض الكاريبي اليوم، واذا كان هناك في الحالتين سعي حثيث من اجل جني اكبر قدر ممكن من المردودية، الا ان زراعة التبغ في فرجينيا فرضت عددا من الواجبات الاجتماعية والاخلاقية بالنسبة لاصحاب مزارع التبغ الكبرى، ومما لعب دور الايديولوجيا السياسية اذ كان هناك انتقال من التبغ الى السياسة ومن التجربة الزراعية الى الاحتجاج السياسي. ان المؤلف يركز في تحليلاته على فترة عقد الستينيات من القرن الثامن عشر والذي يعتبره بمثابة الفترة التي شهدت «الخميرة الاولى» للثورة الامريكية في فرجينيا ثم جاءت فترة الكساد الاقتصادي والتدهور السريع لشروط انتاج التبغ بعد عام 1772 لتعرف اسواق التبغ انحسارا جديدا ووجد اصحاب مزارع التبغ الكبار انفسهم غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهم. ولم يفعل التجار الانجليز ما يمكن ان يساعد الاصدقاء الامريكيين لكن رياح الاستقلال كانت قد هبت و الثورة الامريكية على الابواب وحيث كانت بذورها الاولى في مزارع التبغ في فرجينيا هذا مايقوله لنا مؤلف هذا الكتاب