بيان الكتب: ايغياسيو رامونيه هو احد اهم المحللين الفرنسيين المعاصرين .. عمل في العديد من الصحف والدوريات وترأس مجلة «لوموند ديبلوماتيك» الشهرية الشهيرة، له العديد من المؤلفات من بينها: «جيوسياسية الفوضى» و «استبداد وسائل الاتصال»، و«الدعايات الصامتة» و«ماركوس»، «الكرامة المتمردة»، و «سلطات جديدة»، و«اسياد جدد للعالم»، والمؤلف اسباني الاصل. «حروب القرن الحادي والعشرين» او «اشكال الخوف والتهديدات الجديدة» هذا هو موضوع الكتاب الذي نقدمه ماهي السمات الرئيسية الجيوسياسية للعالم في مطلع القرن الحادي والعشرين وبعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001 وحرب افغانستان؟ بهذا السؤال يفتتح المؤلف كتابه .. ويقدم في الجملة التالية مباشرة الذهنية التي حكمت منطق التحليلات التي يقدمها تقول هذه الجملة: «ان الولايات المتحدة الامريكية تسيطر على العالم كما لم تفعل اية امبراطورية اخرى». على صعيد العالم تتبدى قوتها وشموليتها عبر تغطيتها للميادين الاساسية الخمسة التقليدية للقوة اي الميادين السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والثقافية، وينقل المؤلف عن احد صحفيي الـ «هيرالد تريبيون» مانصه في مقال نشره بتاريخ 7 يناير 2002 وجاء فيه: «ان الولايات المتحدة تمتلك القوة التي تؤهلها لزعامة نمط حديث من الامبراطوريات الكونية، يونيفرسال، انها امبراطورية عفوية يقبل التابعون لها الخضوع لسلطتها طواعية، وفي الواقع هذه هي المرة الاولى في تاريخ الانسانية التي تسيطر فيها قوة عظمى وحيدة ويرى المؤلف بان هذه القوة العظمى حرصت بكل وعي وتصميم على استعراض قوتها في افغانستان قبل فترة وجيزة من الزمن وذلك عبر ابراز قوتها العسكرية في العمليات الحربية وعبر جمع تحالف دولي كبير لدعم خططها بما في ذلك من قبل الصين وروسيا؟ الى جانب عدم تولية اي اهتمام كبير للامم المتحدة. وفي المحصلة يرى المؤلف بانه ورغم مظاهر القوة العسكرية والدبلوماسية فان هناك الكثير من الخداع في حقيقة هذه القوة اذ ان الولايات المتحدة الامريكية قد لايكون بمقدورها ان تحتل افغانستان عسكريا، كما كانت بريطانيا قد عجزت عن ذلك في القرن التاسع والعشرين والاتحاد السوفييتي السابق في القرن العشرين: هذا مع ان الولايات المتحدة تمتلك الوسائل التقنية لاحتلال افغانستان عسكريا ودون اية مصاعب اين العقبة اذن؟ انها تكمن، كما يرى المؤلف، في واقع ان التفوق العسكري لم تعد تتم ترجمته عبر الاحتلال حسبما كانت الحالة خلال القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن العشرين، ان الاحتلال قد غدا صعب التسيير سياسيا على المدى الطويل، بالاضافة الى كلفته المالية الباهظة وما يترتب عليه من اذى اعلامي كبير هذا ويركز مؤلف هذا الكتاب كثيرا على الدور المتنامي الذي تلعبه وسائل الاعلام حيث اصبحت «عاملا استراتيجيا من الطراز الاول الى درجة ان وزيرة الخارجية الامريكية السابقة مادلين اولبرايت قالت ذات مرة بان «شبكة الـ «سي. ان. ان» التلفزيونية قد اصبحت العضو السادس عشر في مجلس الامن الدولي». ومن سمات وجه العالم الجديد انجذاب جميع الدول الى ديناميكية العولمة حيث يبدو الامر وكأنه يتعلق بثورة رأسمالية ثانية بمعنى ما فالعولمة الاقتصادية قد وصلت الى جميع زوايا الارض، هذا الى جانب «مركزة رأس المال والسلطة» وبايقاع متسارع جدا خلال العقدين الاخيرين تحت تأثير الثورات التكنولوجية، وتحديدا تكنولوجيات الاعلام، لكن العولمة لا ترمي الى «الاستيلاء» على البلدان وانما بالاحرى على الاسواق؟ الامر الذي ترافق في بعض الاحيان مع عمليات تدميرية، هائلة كما اظهرت حالة مثل الارجنتين، في شهر ديسمبر من عام 2001، هذا على الرغم من ان صندوق النقد الدولي كان يقدمها على اساس انها النموذج الكوني وكان يحاول تصدير هذا النموذج الى العالم اجمع. من جهة اخرى ادت عملية اعتبار كل شيء كسلعة الى تزايد خطير في العالم لظاهرة عدم المساواة اذ في الوقت الذي يمثل فيه الانتاج العالمي للمواد الغذائية الاساسية اكثرمن 110% من الاحتياجات العالمية فان هناك 30 مليون شخص يموتون من الجوع كل سنة، اضف الى هذا وعلى صعيد آخر انه في الوقت الذي تبدو فيه الديمقراطية وكأنها منتصرة بعد التخلص من اعتى الانظمة التسلطية نجد ان الرقابة واشكال التلاعب المختلفة تعود بقوة لكن اجمالا يرى مؤلف هذاالكتاب بان مختلف التغيرات البنيوية والمفاهيمية التي تتعزز اكثر فأكثر منذ عشر سنوات انما قد ادت الى تشظي العالم وحيث ان عددا من المفاهيم الجيوسياسية قد غيرت من دلالاتها الى هذه الدرجة او تلك وكمثال على هذه المفاهيم يسوق المؤلف الدولة والسلطة والسيادة والاستقلال والديمقراطية والحدود .. الخ. ومن جهة اخرى، ادت هذه التغيرات السريعة والحادة الى اهتزاز قناعات القادة السياسيين ذلك ان اغلبيتهم الساحقة يخالجهم الاحساس بان العولمة قد تجاوزتهم لاسيما وانها قد غيرت قواعد اللعبة الدولية ذاتها. وبدلا من ارساء قواعد النظام الدولي الجديد يرى المؤلف بان هناك حالة من «الفوضى المعممة» وهي حالة يتوسع اطارها اكثر فأكثر ومنذ سقوط جدار برلين عام 1989 وانتهاء الحرب الباردة شهد العالم اكثر من 60 نزاعا مسلحا في العالم وترتب عليها سقوط مئات الالاف من القتلى واكثر من 17 مليون لاجيء وفي مواجهة هذا الوضع برزت الحاجة الماسة الى سلطات مضادة تتجاوز الصيغ التقليدية المتمثلة في الاحزاب السياسية والنقابات اثبتت عدم جدارتها لمواجهة العولمة الليبرالية بقدر كاف من الفعالية كما ان دعامتين اساستين كانت ترتكز عليهما الديمقراطيات الحديثة وتتمثلان في التقدم والتلاحم الاجتماعي قد اخلتا المكان لدعامتين جديدتين هما وسائل الاتصال والسوق. اما ملامح صورة مستقبل الانسانية فانها قاتمة الى حد كبير بما تنبيء عنه من كوارث بيئية «ايكولوجية و شح للمياه الصالحة للشرب» وانحسار ـ بل موت ـ الغابات .. وفي المحصلة يقول المؤلف: من المحتمل ان تلعب ديناميكيتان متناقضتان دورا حاسما بالنسبة للعالم خلال السنوات العشر المقبلة فمن جهة هناك مصالح الشركات الكبرى العالمية التي تحركها اهتماماتها المالية التي تستخدم التكنولوجيات العلمية المتقدمة بدافع الربح فقط. ومن جهة اخرى هناك نزوع نحو الاخلاق والمسئولية ونحو تنمية اكثر عدالة وتأخذ البيئة في حساباتها . وفي معرض الحديث عن 11 سبتمبر 2001 يتحدث المؤلف اولا عن 11 سبتمبر آخر عن 11 سبتمبر 1973 في سانتياجو عاصمة تشيلي في ذلك التاريخ وبـ «التواطؤ مع الولايات المتحدة» قام الجنرال بينوشيه بانقلاب ضد الرئيس سلفادور الليندي وحيث قصف سلاح الطيران القصر الرئاسي لقد سقط عشرات القتلى وبدأ نظام من الرعب استمر خمسة عشر عاما، وانطلاقا من هذا الفعل وبعد ابداء التعاطف مع ضحايا اعتداءات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك يتساءل المؤلف كيف لايمكن القبول بان الولايات المتحدة الامريكية هي ليست اكثر من الآخرين ـ بلدا بريئا؟ ثم الم تشارك في اعمال عنف سياسي غير شرعية وسرية غالبا في امريكا اللاتينية وافريقيا والشرق الاوسط وآسيا؟ ويضيف: ان موقف قادة الغرب ووسائل اعلامه ومزاوداتهم في الولاء لامريكا بمناسبة الاعتداءات التي شهدها 11 سبتمبر 2001 ينبغي ان لا يحجب عنا عن الحقيقة القاسية، وهذه الحقيقة القاسية هي ان من يزرع الريح يحصد العاصفة، كما يقال. ان المؤلف يعود بهذا الصدد الى ما يسميه بـ «الكتاب الاسود لفترة الحرب الباردة» ثم « تهميش » واشنطن لمنظمة الامم المتحدة اعتبارا من عام 1991، مع الوعد باقامة «نظام دولي» اكثر عدالة .هذا و «باسم هذا المشروع قادت الولايات المتحدة حرب الخليج ضد العراق وانتصرت فيها». وفي عداد حروب القرن الحادي والعشرين يكرس مؤلف هذا الكتاب فصلا كاملا لـ «الشرق الاوسط: حرب المئة عام الجديدة»، ان المؤلف يشير في البداية الى ان «الانتفاضة الثانية» قد عرفت سقوط اكثر من الف قتيل حتى شهر فبراير 2002، من بينهم 915 شهيدا فلسطينيا و 260 اسرائيليا، بالاضافة الى اكثر من عشرة الاف جريح، ويعود المؤلف ضمن هذا السياق الى الحديث عن حقيقة المذابح التي اقترفها الجنود الاسرائيليون عام 1948 بهدف اثارة الرعب لدى الفلسطينيين ودفعهم الى الهرب، ويوجد اليوم حوالي مليون فلسطيني في المناطق التي احتلتها اسرائيل عام 1948 يعانون كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب، من جميع اشكال التمييز ويعتبر المؤلف بان احد اكثر الملفات صعوبة في الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي يتمثل في ملف لاجئي عام 1948 ثم لاجئي عام 1967، وفي هذا الملف ايضا يقف القانون الدولي الى جانب اللاجئين حسب القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة الصادر بتاريخ 11 ديسمبر 1948 والذي ينص على حق العودة بالنسبة للاجئين لكن مثل هذه العودة تطرح افق ان يصبح اليهود اقلية اثنية. ولا يتردد المؤلف في هذا السياق عن تحميل الولايات المتحدة الامريكية مسئولية كبيرة في التطور الذي عرفته الاوضاع في فلسطين اذ «بدلا من لعب دور الوسيط، اظهرت تحيزا واضحا لصالح اسرائيل» لكن المسألة تغدو اكثر خطورة في ظل غياب اية استراتيجية شاملة بالنسبة للشرق الاوسط، ذلك باستثناء الدعم المستمر لاسرائيل، اما ارسال الموفد الامريكي الاخير للمنطقة انتوني زيني فان المؤلف لايرى به من «اجراء دبلوماسي صغير» يرمي الى تنشيط المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين، لكن السلطات الامريكية لم تبد في اي يوم من الايام حزمها في مواجهة التشدد الاسرائيلي وعدم ايلاء اي اهتمام حقيقي حيال عدالة القضية الفلسطينية. وحرب اخرى من «حروب القرن الحادي والعشرين» يجدها المؤلف في «الحرب الاجتماعية الكونية» والتي يتجابه فيها «انصار العولمة» مع «مناهضيها» هذا وكل حقبة من الحقب تنتج احداثها تبعا لسلسلة كاملة من العوامل والمؤثرات وهكذا مثلا نرى بان الآلة البخارية التي تم اختراعها في القرن الثامن عشر قد شكلت احدى المعطيات الاساسية للثورة الصناعية انما قد غيرت وجه العالم من خلال ازدهار الرأسمالية وظهور الطبقة العاملة وولادة الاشتراكية والتوسع الاستعماري لكن اذا كانت هذه الآلة التجارية قد حلت عمليا مكان العضلات فان الحاسوب يرمى من جهته الى ان يحل محل الدماغ مع مايترتب على هذا من تبدلات وتحولات. لكن «المعركة» الاقتصادية الكبرى بالنسبة للمستقبل فانها قد تتمثل في المواجهات بين المؤسسات الامريكية والاوروبية واليابانية من اجل السيطرة على شبكات الانفورماتيك وعلى اسواق الصورة والصوت والالعاب الالكترونية الخ ان مثل هذا المنطق سيؤدي في نهاية المطاف الى قيام شركات عملاقة ودول قزمة مع ما يمكن ان يرافق هذا من تعميم لعدم الاستقرار. ثم ان العولمة المالية قد خلقت دولتها التي تتمثل مؤسساتها الرئيسية في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. وفي مواجهة هذا كله يرى المؤلف بان الافق ينفتح عن «صيغة جنينية» لـ «مجتمع مدني دولي» هو بصدد التحقق عبر اجتماع العشرات من المنظمات غير الحكومية والجمعيات والنقابات. ومن اجل صياغة وجه جديد للعالم