هذا أحد الكتب المراجع التي تنشرها جامعة «يال» في الفترة الأخيرة، وقد خصت به نمط الحياة الأسرية التي شهدتها أوروبا بشكل خاص خلال الفترة 1500 ـ 1789. ومن الواضح ان اختيار هذين التاريخين يخضع لاعتبارات تاريخية لها دلالتها، ذلك ان عام 1500 أي بداية القرن التاسع عشر كان بمثابة نقطة انعطاف مهمة في التاريخ الاوروبي، إذ ان تلك الفترة قد شهدت الملامح الأولى للثورة الصناعية الكبري بعد عصر النهضة الذي كانت ايطاليا هي مهده الأول بشكل خاص، أما عام 1789 فإنه يخص قيام الثورة الفرنسية الكبرى المعروفة بالثورة «البورجوازية» التي كان لها آثارها ليس على مستوى فرنسا وإنما ايضا على صعيد القارة الاوروبية كلها، بل وعلى صعيد العالم. وكان لهذه الثورة آثارها الكبرى ايضا على صعيد نمط العلاقات الاجتماعية السائدة، وبالتالي الحياة الأسرية، ولذلك توقف المساهمون في هذا الكتاب عند هذه النقطة المنعطف. هذا الكتاب هو الجزء الأول من ثلاثة أجزاء قررت جامعة يال تقديمها حول «الحياة الأسرية» فيما أطلقت عليه عنوانا عريضا يخص «موسوعة الأسرة الاوروبية». وقد ركز الباحثون في هذا الجزء الأول على مناقشة تأثير المعتقدات الدينية والفلسفية خلال الفترة المدروسة على الأسرة ونمط العلاقات السائد فيها. هذا مع التأكيد على ان دور هذه المعتقدات ارتبط باستمرار بالمتغيرات الديموغرافية والثقافية والفسيولوجية. وهذا ما يبدو بوضوح في فصل كتبه الباحث «جيفري واتس» عمّا أسماه بـ «الاصلاح» و«الاصلاح المضاد». هذا ولم يقتصر المساهمون في هذا الاطار على دراسة التأثير «المسيحي» المهيمن، وإنما تعرض بعضهم للدور الذي لعبته المعتقدات الاسلامية في عددد من بلدان أوروبا الوسطى، وخاصة في منطقة البلقان، وكذلك التأثير الذي مارسته اليهودية في مختلف المناطق عبر آليات متنوعة، ولكن تم التركيز أكثر على دور الكنيسة المسيحية بفرعيها الكاثوليكي والبروتستانتي حيث يتم استخدام الكثير من الآراء اللوثرية ـ نسبة الى مارتن لوثر ـ في ميدان تحرير المرأة، وبالتالي خلق «موازين قوى» جديدة داخل الأسرة. وتعرض مساهمات أخرى لدور «المنزل» باعتباره «القاعدة المادية» التي تحدد الى درجة كبيرة نمط العلاقات بين الافراد الذين يقطنونه هذا مع العلم بأن دور المنزل، قد عرف تغيرات عبر الانتقال من نمط الانتاج الاقطاعي الى نمط الانتاج الرأسمالي منذ بداياته وقد تم في هذا الاطار معالجة المسألة من وجهتي نظر تاريخية وسوسيولوجية مع اللجوء كثيرا الى المقارنات بين عدد من النماذج الاوروبية تجدر الاشارة هنا الى ان فريدريك انجلز كان قد الف كتابا اصبح في عداد الاعمال الكلاسيكية في ميدانه وهو تحت عنوان «اصل الاسرة والملكية الخاصة والدولة». ومن المواضيع الاساسية التي يتم التطرق لها في هذا الكتاب مسألة الزواج باعتباره يعبر عن عقد بناء الاسرة ويضم الكتاب في هذا الاطار دراسة مقارنة موثقة للزواج في اوروبا الغربية والشرقية ثم ان الحديث عن الزواج يستدعي بالضرورة الحديث عن قضية تحديد النسل وحيث يبدو ان الفصل ليس جغرافيا فقط.