بيان الكتب: ولدت الكسندرا فولر عام 1969 في مدينة «بركشير» البريطانية. وفي عام 1971 ذهبت مع والديها الى زمبابوي بأفريقيا ثم الى زامبيا. وهي تعيش الان في بريطانيا مع زوجها وطفليهما. هذا الكتاب يروي ذكريات الطفولة الافريقية، التي عاشتها المؤلفة الكسندرا فولر، وهي تقدم نفسها لقرائها باعتبارها طفلة افريقية، او ابنة افريقيا. لكن هذا الكتاب هو في الواقع اكثر من هذا بكثير، اذ انه يروي تاريخ صفحة من اكثر الصفحات تشوشاً في علاقة بريطانيا باحدى مستعمراتها الافريقية السابقة، روديسيا، التي اصبحت تدعى الان زمبابوي، والتي كانت بمثابة بؤرة لممارسة ابشع انواع التمييز العنصري. لقد امضت المؤلفة طفولتها وسنوات شبابها الاولى في مزارع «زمبابوي» و«زامبيا» خلال سنوات السبعينيات من القرن الماضي وجزء من سنوات الثمانينيات، اي خلال الفترة التي شهدت فيها تلك المنطقة من العالم حرباً اهلية طاحنة ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من الاشخاص. لقد كانت المؤلفة تنتمي الى الاقلية البيضاء، وقد ناضلت مثلي ضد اهلها من اجل الاحتفاظ بالبلاد بيد المستوطنين البيض، ومن هذه الزاوية تقدم مؤلفة الكتاب، ومن خلال سيرة حياتها الخاصة وتفاصيل الحياة اليومية التي عاشتها تاريخ الحرب الاهلية والمجابهة بين البيض، والاوروبيين والانجليز تحديداً، والسود ابناء البلاد. انها تقدم قراءة للاحداث من الطرف الاخر للمرآة.. وحيث نؤكد بأن اسرتها والاسر البيضاء الاخرى، وهي شخصياً، قد عاشوا جميعهم مأساة قاسية جداً، بحكم الانتماء الى مجموعة اصحاب المزارع البيض ذوي النزعة الانفصالية وسط الجموع الكبيرة من الافارقة السود. ان القسم الاكبر من هذا الكتاب يتركز على ذكريات السنوات الاولى التي امضتها المؤلفة في زمبابوي، التي كانت تعيش حرباً اهلية خاصة، انها تسترجع الكثير من الحكايات التي كانت تملأ مخيلتها آنذاك وتعبر بنفس الوقت عن الحكم الاستعماري، الذي كان يدغدغ مخيلة اولئك الذين عاشوا كأسياد في افريقيا الى جانب كم كبير من العبيد، الافارقة، ولم يكن اولئك البيض، كما تقدمهم المؤلفة.. مرتزقة مستعدين للهرب عند اول تهديد، وانما كانوا يعيشون في الواقع احاسيس اصحاب الارض، اذ كانوا قد استصلحوها وزرعوها بحيث انها اصبحت تشكل نوعاً من الرابطة بالنسبة لهم في المنطقة التي يعيشون فيها. وتروي المؤلفة انها قد كبرت في مزرعة ابيها، لكن هذا الاب كان غائباً اغلبية الليالي لأنه كان يحارب ضد الارهابيين. انها احاسيس سكان المستعمرات حيال ابناء البلاد الاصلية.. وهذا الدرس يتكرر بقسوة اكبر هذه الايام في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وتؤكد المؤلفة ضمن هذا السياق ايضاً ان الاولوية كانت بالنسبة لابناء اصحاب المزارع من الاوروبيين البيض تذهب بالاحرى نحو معرفة استخدام السلاح اكثر مما هي نحو الدراسة والتعليم.. والبندقية، كانت وسيلة البقاء اما وسائل العيش فقد كانت مؤقتة دون اي عناء او اية حاجة للعمل في وظيفة تتطلب مؤهلات علمية. ومن الجوانب الاساسية في هذا الكتاب وصف المؤلفة لعلاقتها التي كانت مشدودة ومتوترة باستمرار مع اهلها، وخاصة مع ابيها ذلك المدخن الكبير، والذي كان قد دخل في قالب عقلية المستوطنين الذين يعتبرون بأنهم لا يفعلون شيئاً سوى ممارسة حقوقهم الطبيعية، ايضاً علاقتها مع اختها الكبرى الساحرة فانيسا، ولكن وقبل الجميع مع الشخصية الرئيسية ذات الصفات الشخصية الاستثنائية اي امها، والى جانب هؤلاء جميعاً كان هناك الكلاب التي لعبت في حياة اصحاب المزارع البيض، وليس في روديسيا وحدها وانما في عموم القارة الافريقية، دور الحراسة قبل كل شيء وحيث كان اصحابها لا يتلكأون في اطلاقها للانقضاض على فرائسها من السود بالطبع. ان التاريخ الشخصي لاسرة فولر يتداخل الى حد كبير مع تاريخ افريقيا في سنوات الصراع الافريقي، الابيض من اجل البقاء، وتبدو اسقاطات المناخ العام الذي كان سائداً آنذاك على القرارات غير المنطقية احياناً، التي كان البيض يتخذونها والتي كان بعضه يقارب حالة الهذيان، وذلك مثل قرار التخلي عن المزرعة في زمبابوي التي كانت تمزقها الحرب الاهلية والمجاعة وسوء التغذية عامة الى زامبيا، التي تصفها المؤلفة ب«الجميلة والخصبة» وذلك بعد تجربة اقامة قصيرة في مالاوي. ويشكل هذا الكتاب ايضاً في احد وجوهه وثيقة عن حياة البيض الذين كانوا قد اقاموا في افريقيا السوداء ضمن اطار المشروع الاستعماري البريطاني الذي كان يرمي الى اقامة امبراطورية شاسعة تابعة للتاج في لندن وتمتد من الهند الى افريقيا بل والى العالم الجديد (القارة الامريكية). هكذا تروي الكسندرا فولر، سنوات دراستها الابتدائية في مدارس لم يكن مسموحاً الا للبيض بدخولها. وكانت مدارس البيض ـ الاوروبيين تسمّى مدارس عليا تتمتع بافضل المدرسين وبالكثير من التسهيلات. اما الاطفال السود فإنهم كانوا يذهبون الى مدارس كانت تصنّف بالفئة الثالثة. اما الاطفال «بين ـ بين» او ما يمكن تسميتهم «بالخلساء» مثل الهنود، او نتاج تقاطع عرقين» فإنهم كانوا يذهبون الى مدارس الفئة الثانية، اي كانوا بمثابة مرتبة، بين المرتبتين العليا البيضاء والدنيا السوداء، لكن المؤلفة تشير في هذا السياق الى ان شمس افريقيا الحارقة، قد جعلت لون بشرتها اقرب الى السواد، لقد اصبحت افريقية بيضاء، انها كانت بتعبير اخر جنساً متفرداً، تقول اعرف انني افريقية، ولكنني لست سوداء، كنت قد وصلت الى افريقيا روديسيا عندما كان عمري عامين فقط قادمة من دربشاير بانجلترا، انها تركز في حديثها عن طفولتها وسنوات شبابها الاولى بعلاقتها مع حيوانات المزرعة وخاصة الخيول والكلاب والتي كانت تأخذ حيّزاً كبيراً من اهتمام اصحاب المزارع البيض واطفالهم لتغطية اوقات الفراغ بصحبتها، بسبب النقص الكبير في الاطفال الذين يمكن التسلية معهم، اما الاذاعة التي كان المعنيون يستطيعون الاستماع اليها، او بالاحرى يريدون الاستماع اليها فقد كان المذيعون يعلنون عنها بالقول «هنا صوت افريقيا». وكان «صوت افريقيا هذا» صادراً عن البيض ويعبر عن مصالحهم بصورة اساسية، ان قراءة مثل هذا الكتاب تعيد الى الاذهان حقبة من الزمن كان العالم فيها يعيش حالة من المجابهة بين شعوب تسعى الى نيل تحررها الوطني وبين مشاريع استعمارية قد وصلت الى سن الشيخوخة. كان الصراع قد بدأ كما تتذكر المؤلفة اليوم بين ما تسميه الزمن الانجليزي و«الزمن الافريقي، وكان الاثنان يتجاوران ويتجابهان بنفس الوقت. الملفت للانتباه هو ان المؤلفة لا تراعي في سردها لذكرياتها وفي واقع تحليلاتها التسلسل الزمني للاحداث اذ تتحدث في الفصل الاول عن تجربتها في زمبابوي عام 1987 لتنتقل مباشرة في الفصل الثاني الى سنوات حياتها في زامبيا حتى عام 1999، زامبيا التي تصفها بانها الارض المؤهلة لجذب الاستثمارات الخارجية، لاسيما وانها تتمتع الان بقدر من الديمقراطية. ولكن وسط مختلف التجارب التي عاشتها المؤلفة عرفت حالة من التأرجح المستمر بين التفاؤل، واليأس، انها الثنائية من جديد، بل والثنائية باستمرار بين الحلم، والواقع، باختصار انها ثنائية حياة جميع الافارقة البيض. وفي فصل من هذا الكتاب يحمل عنوان البدايات، وهي تتحدث عن بدايات تواجد اهلها في زمبابوي اعتباراً من عام 1966 وضمن اطار مشروع اعلان سميث استقلال روديسيا البيضاء عن بريطانيا والاستقلال من جانب واحد لكنها تتحدث ايضاً عن بدايات التواجد البريطاني في زمبابوي خاصة وفي القارة الافريقية عامة منذ نهايات القرن التاسع عشر، ولقد كانت روديسيا، الى جانب جنوب افريقيا بمثابة نموذجين استثنائيين لمحاولة زرع كيانات بيضاء اوروبية في قلب هذه القارة السوداء. لكن الجسد الافريقي الاسود رفض عملية التطعيم هذه ب«قوة التاريخ».. ولعله درس تاريخي يستحق القراءة جيداً حيال كيانات غريبة، اخرى، وفي سياقات اخرى. هذا الكتاب يعلن ولادة عمل كلاسيكي.. انه شهادة على احد اهم احداث القرن الماضي، هكذا وصف احد المعلقين عمل الكسندرا فولر، وهي شهادة يمكن قراءتها في الواقع كرواية