بيان الكتب: انه المفكر الذي عرف ان يقول «لا» وان يلتزم بهؤلاء الأكثر بؤسا ودون الالتزام بأية ايديولوجية، بل باتخاذ موقف فوق كل الايديولوجيات والتزامه الوحيد كان بقناعاته وكانت قناعاته تضعه باستمرار في معسكر المظلومين، أو على الأقل الذين يراهم كذلك. في الأيام الأخيرة من حياته وعندما أحس بيير بورديو بأن شبح الموت يقترب عكف على كتابة ذكريات طفولته المتمردة، كان ولدا شقيا وطالبا شقيا ومفكرا شقيا.. كان باستمرار من معسكر الـ «لا» في موجهة ما هو قائم، واذا كانت أولى معاركه الفكرية قد بدأت في الجزائر حيث كان يدرس خلال عامي 1958 ـ 1960، أي في عز حرب التحرير الجزائرية فإن آخر معاركه كانت ضد «العولمة» المنتشية بالظفر، العولمة الجامحة. لقد أعلن بيير بورديو باستمرار الحرب ضد بربرية السوق، وكان له باستمرار ايضا دور من اجل النضال لدفع الدول الغنية الى التنازل عن ديونها المترتبة على العالم الثالث. لقد كان بورديو مثال المثقف الملتزم بكل النضالات الاجتماعية، ولذلك كان يصر باستمرار على التأكيد بأنه باحث اجتماعي وليس فيلسوفا.. لم تكن المسألة مجرد فرق في التسميات ولكن كان فرقا في السلوكية والنهج، وهذا ما تشهد عليه جميع كتاباته، التي اهتم فيها بأشياء العالم العادية «كل شيء هو اجتماعي» كان يقول ويردد. لكن ومهما كانت «بساطة الاشياء التي يهتم بها فلاشك بأن ملايين القراء في العالم وآلاف الباحثين يعتمدون على المفاهيم التي صاغها من أجل فهم الواقع المحيط بهم والعمل على تغييره. ولم يكن عبثا قول الكثيرين، ومن بينهم رئيس الجمهورية الفرنسية نفسه، بأن «بورديو» هو أشهر مثقف فرنسي في أيامنا على الصعيد العالمي، ولاشك بأنه سيبقى حاضرا بفكره وبدلالات نضالاته لعقود كثيرة مقبلة. ان الطيف الواسع الذي تتميز به اهتماماته من أبسط قضايا الافراد مثل الزواج أو البطالة عن العمل وحتى أكثرها تعقيدا كمسائل الدولة والكنيسة ومرورا بقضايا التعليم والأخلاق والسياسة والعلم والفن والرياضة والإعلام وتداخلات العلاقات الاجتماعية على أساس اثني أو طبقي... الخ يجعل، أي الطيف، منه أحد اكثر مفكري عصره قربا من الناس الذين حمل قضاياهم باستمرار ولم يكتف ببعض المواقف الظرفية العابرة كما فعل «فلاسفة» من أمثال جان بول سارتر وريمون آروف وميشيل فوكو وغيرهم. ولعل الامتياز الأساسي لبيير بورديو يتمثل في جمعه بين صرامة الباحث العلمي وابداع الفنان وحماس المناضل وهكذا كله على قاعدة معرفة نظرية استثنائية في اتساعها وشموليتها، وكان هو نفسه يميل الى إعطاء حياته أكثر من منحى وذات مرة كان يقوم بزيارة الى صالة الملاكمة في أحد احياء السود في شيكاغو، فقال معلقا وكأنه يحس بشيء من الحسرة: «ربما كان من الجيد ان أتعلم الملاكمة مثل (دي.دي) أحد رموز رياضة الملاكمة الامريكيين من السود». وكان يبدي قصته بشكل خاص ضد نمط الحياة الاكاديمية الجامعية. ويروي عنه صديق امريكي أسود كان بصحبته في حفلة استقبال كانت مقامة على شرفه رأى بورديو فطلب منه ان ينسلاّ معا من الحفل للعشاء في مطعم مكسيكي صغير حيث أمضى السهرة وهو يسأل العاملة عن قصة هجرتها.. ثم انتقلا معا الى أحد أندية الرقص المكرسة للسود، حيث تحدث بورديو عن «الوقار الذي يرى فيه رقص السود» أما «البيض فيرقصون كما يعتقدون بأن السود يرقصون». كان هذا الاهتمام الكبير الذي يبديه بيير بورديو بالبشر العاديين وبنشاطهم الكبير الذي يبديه على اعتقاده الراسخ بأن هؤلاء يشكلون مادة للسوسيولوجيا تفوق كثيرا ما تملكه الأوساط الجامعية، لكنه بالمقابل كان يهتم كثيرا بالباحثين الشباب.. باختصار كان يعتقد بأن السؤال الأساسي لعلم الاجتماع هو «ما هو الفرد؟». لقد أسس بيير بورديو لتقليد فكري جديد يوائم المثقف بين أفكاره وسلوكيته، ان «يكتب ويتحرك» في الوقت نفسه كي يشجب كل أشكال الزيف والظلم والاضطهاد وكل اشكال العنصرية.. ولعل هذه الطاقة الكبيرة من الرفض تجد محركها الأساسي فيما أسماه احيانا بـ «الخجل الاجتماعي الذي كان يحسه في أعماقه مما يحيط به والذي تحوّل الى نوع من التمرد بقصد تجاوز هذا «الخجل». ولعل الفارق الأساسي بينه وبين مفكر كبير آخر ـ آخر عنقود المفكرين الكبار في فرنسا ـ هو كلود ليفي شتراوس، مؤسس البنيوية هو ان هذا الأخير اختار دراسة مجتمعات «بعيدة» إذ ذهب الى البرازيل ليمضي سنوات وهو يدرس قبائل بدائية. يكمن الفرق في ان بورديو قد اختار ان يبحث في مجتمعه المحيط به «الملاصق له». وهذا ما يدل عليه العديد من مؤلفته. ومن خلال نظرة سريعة جامعة لمسيرة بيير بورديو الفكرية يمكن القول بأنه قد عرف عدة لحظات منعطفات حاسمة كان أولها هواه الجزائري حيث كان قد قام بالتدريس خلال سنوات الثورة وكتب عدة أعمال من خلال تلك التجربة كان أولها كتابا صغير الحجم (128 صفحة) أصبح مرجعا في ميدانه وهو «سوسيولوجية الجزائر» وكتاب آخر حول «أزمة الزراعة التقليدية في الجزائر». وهناك منعطف آخر عاشه بورديو وهو المعروف بثورة الطلبة في شهر مايو 1968 بفرنسا وحيث كانت افكاره التي طرحها في كتابه «الورثة.. الطلبة والثقافة» مطروحة في صلب النقاشات الدائرة آنذاك.. ثم خاض عدة معارك لم تكن عملية تعرية الثقافة السائدة أقلها أهمية ويسرا، حيث ان الثقافة المعنية تولد حسب رأيه نوعا من الاحساس بـ «الدونية» لدى أبناء ضواحي المدن الكبرى ولدى العاطلين عن العمل وعمال المصانع والشباب العجزة والنساء... الخ. وأمام هذا كله لم يتردد في «النزول الى الشارع» والدفاع عن هؤلاء جميعا، وكان بورديو قد جعل في السنوات الأخيرة من حياته من نقد هيمنة الإعلام أحد معاركه الأساسية، وحيث ان كتابه «حول التلفزيون» قدّمه «بيان الكتب» في أحد أعداده السابقة وقد وصلت مبيعاته الى أكثر من مئة وخمسين الف نسخة في فرنسا وحدها. انه تحدث فيه عن «النقاشات المزيفة» وعن «الفكر المكرّس للرمي بعد الاستخدام ـ مثل شفرات الحلاقة». وفي عام 1999 كان قد قال في حديث وجهه الى 70 من كبار أرباب الصناعة السمعية ـ المرئية: «يا سادة العالم.. هل تعرفون جيدا ما أنتم بصدد عمله؟». بيير بورديو المفكر الذي عرف كيف يقول «لا». د. محمد مخلوف