بيان الكتب: بيير بورديو مؤلف هذا الكتاب هو أحد أشهر وربما الأكثر شهرة على الصعيد العالمي بين المفكرين الفرنسيين خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ولا شك بأنه قد ساد المشهد الفكري الفرنسي، خلال العقدين الاخيرين، توفي بيير بورديو قبل عدة أسابيع (27 يناير 2002) وهو من مواليد عام 1930 في احدى بلدات جبال البيريرنيه». هذا الكتاب «علم العلوم والتأمل» هو آخر كتبه المنشورة قبل وفاته بعدة أسابيع فقط، ويتم الآن التحضير لنشر كتاب له بعد وفاته بالاضافة الى دراسة في حوالي 60 صفحة يتم نشرها قريباً أيضاً. المادة الاساسية لهذا الكتاب هي الدروس التي كان بيير بورديو قد ألقاها خلال العام الدراسي 2000/2001 في «الكوليج دو فرانس» الذي يعتبر المؤسسة العلمية الفرنسية الأكثر رفعة رغم انها لا تمنح اية شهادة علمية ولكنها دليل افتخار علمي للذين يحتلون مقعداً تدريسياً فيها. موضوع هذا الكتاب هو العلم.. أو بتحديد اكثر العلم في بعديه التاريخي والسوسيولوجي وحيث يؤكد بيير بورديو على اخضاع العلم لـ «التحليل التاريخي والاجتماعي» ولكن دون ان يستشهد بأية صورة من صور التقليل من شأن المعرفة العلمية واختزالها الى شروطها التاريخية أي إلى سياق معين ومحدد زمنيا، بل على العكس ان ما سعى إليه بيير بورديو هو ان يساعد العاملين في ميدان العلوم على فهم أفضل للآليات الاجتماعية التي توجه الممارسة العلمية مما لا يجعلهم مجرد اسياد على الطبيعة، حسب الطموح الديكارتي التقليدي للعلوم، وإنما يجعلهم أيضاً، ولا شك بأن هذه هي المهمة الأصعب، أسياداً، على العالم الاجتماعي، الذي يتم في اطاره انتاج معرفة الطبيعة. تجدر الاشارة هنا وبغرض توضيح فكرة اساسية سادت مؤخراً مع ثورة المعلوماتية وما تم تحقيقه على صعيد التقدم التكنولوجي وتقول هذه الفكرة ان هدف العلوم في ظل الثورة الصناعية الأولى التي بدت ملامحها الأساسية منذ القرن السابع عشر كان هو ان تتم السيطرة على الطبيعة بواسطة العلوم، أما السؤال اليوم فهو كيف يمكننا ان نسيطر على العلوم، مع هذا يؤكد بيير بورديو بان «عالم العلوم مهدد اليوم بانحسار كبير». ان المؤلف يعيد المنظور التراجعي الانحساري للعلوم إلى فقدانها لـ «هامش الاستقلالية الذي كانت قد امتلكته سابقاً في علاقتها مع السلطات التيولوجية والسياسية، بل وحتى مع الاقتصادية وبصورة جزئية على الأقل مع بيروقراطية الدولة، ويعتبر بيير بورديو في هذا السياق بان الحقبة التي يطلق عليها المحللون اليوم صفة ما بعد الحداثة انما تساهم في «هز الثقة» بالعلم وخاصة بـ «العلوم الاجتماعية» عبر أشكال مختلفة من «الهذيان» وذلك بالتضافر مع الخضوع والانسياق الكامل وراء المصالح الاقتصادية والانجذاب خلف الصرعات الاعلامية يقول بورديو: «باختصار ان العلم في خطر ومن هنا يصبح هو نفسه خطيراً». وهناك مظهر آخر للعلوم يؤكد عليه بيير بورديو في تحليلاته بهذا الكتاب ويتمثل في التزايد الكبير لـ «الضغط الاقتصادي» على مختلف مجالات البحث العلمي، لا سيما في الميادين التي تكون منتوجات البحث فيها ذات مردودية اقتصادية عالية مثل الطب والبيوتكنولوجيات (خاصة في ميدان التهجين)، هذا ناهيك عن ميدان الابحاث العسكرية النتيجة المباشرة لمثل هذا «الضغط الاقتصادي» تبدو عبر وقوع عدد من الباحثين أو من فرق الابحاث تحت سيطرة الشركات الصناعية العالمية الكبرى، أو ربما المحلية التي تريد ان تحتكر المنتوجات ذات المردودية التجارية العالية وعلى هذا الأساس انتفت اكثر فأكثر الحدود بين الأبحاث التي تتم في المختبرات الجامعية وبين الأبحاث التطبيقية ذات المنحى الاقتصادي، هكذا يجد العديد من الباحثين العلميين الذين لا يبدون الاستعداد الكافي لتقديم تنازلات امام الشركات الصناعية الكبرى الرامية الى زيادة مكاسبها بأنهم يصبحون أو يتم دفعهم أكثر فأكثر على الهامش هذا لمجرد انهم يولون اهتمامهم الرئيسي لما تتطلبه روح البحث العلمي منهم وانهم ربما يكونون من المرموقين علمياً، وضمن هذا الاطار يمكن القول ان رجال العلم أصبحوا يعملون بروحية الفرق شبه الصناعية التي تحاول الاستجابة لمتطلبات الربح. وضمن هذا الاطار أيضاً تطفو على السطح في أحيان كثيرة خلال الآونة الأخيرة خلافات حادة بين «روح البحث» و «رغبة الكسب» هكذا مثلاً حاولت شركة في كاليفورنيا تنتج لقاحاً قدمته على أساس انه يؤمن الوقاية من مرض نقص المناعة المكتسب «الايدز» ان تمنع نشر مقال علمي في احدى المجالات المختصة يبين فيه كاتبه عدم فعالية هذا اللقاح، أضف إلى هذا واقع ان أجواء المنافسة يمكن ان تؤدي إلى «انحراف» الباحثين العلميين في اتجاه التأقلم مع منطق السوق. ويفتح المؤلف في سياق بحثه عن المخاطر التي يمكن ان تواجه العلم في مسيرته المستقبلية قوسين للقول بأن «العلوم الاجتماعية هي اقل تعرضاً للانحراف والانحسار بواقع انها لا تنتج سلعاً قابلة للتسويق مباشرة، وبالتالي لا تخضع كثيراً لمعايير المردودية الاقتصادية كبقية العلوم التطبيقية ومن هنا أيضاً تأتي أهمية اللجوء إلى القيام بتحليل تاريخي وسوسيولوجي للعلوم ومحاولة القاء الضوء على الآليات الاجتماعية التي تحدد بدورها توجهات الممارسات العلمية ذاتها. لكن وفي مواجهة العلم الذي يسعى إلى «خلق حقائق وقيم ابدية» وبهذا المعنى «خارجة عن التاريخ» باتجاه السمو عليه «ما فوقه» يقوم بيير بورديو بطرح الأسئلة الخاصة بتاريخيته، أي تاريخية العلم، وفي محاولة لارجاعه إلى شروطه التاريخية هذا مع التأكيد بأن له آلياته التي تصنع خصوصيته انه «علم على حدة» كما يقول المؤلف في أحد العناوين الرئيسية لكتابه. الخطوة الأولى التي يقوم بها المؤلف في مقاربته لميدان «سوسيولوجية العلوم تتمثل في تقديم «تاريخ اجتماعي لهذه السيوسيولوجية.. ومن الواضح ان مثل هذا الموضوع قد أصبح مادة لنقاشات لا تنتهي بسبب تداخلاته وتشعباته وخاصة النظرية منها، كما انه من الشائع في هذا الاطار ان يغير الباحثون مواقفهم تبعاً للسياق ولمتطلبات الموقف، ويفرق المؤلف في هذا الاطار بين علم الاجتماع «القديم» للعلوم وبين «الجديد». ويؤكد بالوقت نفسه «التعارض» بين القديم والجديد بشكل أحد العقبات أمام تقدم العلوم وخاصة الاجتماعية منها، وذلك لأنه يمكن ان يؤدي إلى تقوقعها وتمركزها حول نقاشاتها الداخلية مع ما يمكن ان يثير هذا من تمزقات ومنافسات .. بل و «مزاودات». ان بيير بورديو يركز كثيرا في تحليلاته على «البنى» التي توجه مسيرة العلوم. وقد جعل من «المجال العلمي» نوعاً من «الفيزياء الاجتماعية» وحيث ان العلاقة تخضع لمجموعة من الشروط الموضوعية التاريخية ويقبل المؤلف في هذا السياق إلى حد ما، ما يقول به عدد من المحللين عندما يعتبرون ان هناك تقارباً كبيراً بين «الممارسة الفنية» و«الممارسة العلمية» وذلك من حيث ان كل منهما مرتبطة بالسياق الموضوعي الذي ينتجها، لكنه يؤكد بالوقت نفسه بأن الممارسة العلمية التي تملك جميع الصفات المعترف بها للممارسات العلمية مثل الممارسات الرياضية أو الفنية، إنما هي أيضاً ودون أدنى شك الصيغة الأسمى للذكاء النظري. وبهذا المعنى يرى بورديو في العلم ما رآه هيجل بالنسبة للأخلاق عندما اعتبرها بمثابة وعي نظري تحقق، اي انه مندمج مع الحالة العملية ثم ان الدخول إلى أي مختبر علمي انما هو قريب جداً من الدخول إلى أية ورشة فنية، إذ في الحالتين تعلم «سلسلة من التقنيات». من جهة أخرى يبحث بيير بورديو فيما يسميه «رأس المال العلمي» والذي يعمل كـ «رأس مال رمزي» ذلك ان «الوزن الرمزي» لعالم ما إنما يختلف تبعاً للمساهمات التي يقدمها ولما تحمله من اصالة وتفرد «يعترف» بهما أقرانه. ان «قيمة» هذه المساهمات هي التي تحدد فعالية «رأس المال الرمزي» الذي يتمتع به العلم والعلماء. ان بورديو يجعل في هذا الكتاب من العالم موضوعاً له وذلك في منظور البحث عن الحقيقة «لكن الحقيقة الوحيدة هي ان الحقيقة رهان لنضالات كثيرة في عالم العلم كما في العالم الاجتماعي الذي يجعله عالم العلم موضوعاً له ويدخل من أجله في صراعات وبحث عن الحقائق، يقول بورديو .. وبمعنى آخر «ان النضال من أجل حقيقة العالم الاجتماعي لا ينتهي أبداً»