بيان الكتب: رغم أهمية هذه الدراسة وما تبدو عليه من شمولية، إلا انها تفتقر لتحديد هدف من اجرائها يتجاوز الهدف المتحقق من وجود دراسات سابقة تتناول الموضوع نفسه، او بمعنى آخر انها «اعادة انتاج» لدراسات سابقة حول القضية الكردية، وان كان ذلك لا يقلل من قيمتها كإطلالة على إحدى القضايا المزمنة في منطقتنا. وتشير الدراسة الى انه رغم ان المشكلة الكردية تعد موغلة في القدم إلا أنه مع مد القومية ظلالها ظهر ما يسمى او ما عرف بمشاكل الاقليات، وهي مشاكل لعب الاستعمار دوراً في تغذيتها لصالحه. وتحاول الدراسة ان تؤصل لموضوعها من خلال تناول اصل كلمة «الأكراد» ومراكز تجمعهم وغير ذلك مكتفين بدور العرض للآراء المختلفة دون ان تتبنى موقفا معيناً او ترجحه، وتنتمي في هذا الصدد الى تفضيل استخدام المصطلح الشائع «أرض الكرد» او «كردستان» للدلالة على هذا الاتساع الجغرافي الذي يحوي بين طياته الشعب الكردي، مشيرة الى ان التحديد الدقيق للمنطقة الكردية يشوبه أيضاً عدم الدقة. اما عن الموقع الجغرافي فتشير الدراسة الى انه يتمثل في المنطقة الاسيوية الممتدة من أقصى الشمال السوري الشرقي وشمال العراق والشمال الغربي الايراني والجنوب الشرقي التركي والممتد الى الجنوب الروسي وجمهوريات اسيا الوسطى. وبشكل عام فان الاكراد موزعون على ثلاثة اقسام هي التركية، العراقية، الايرانية، علاوة على منطقة سوريا. ثم تعرض الدراسة في صفحات تالية للأصول الاثنية للأكراد مشيرة الى وجود خلط شديد في أصل الأكراد وعرقهم وهو خلط تراه ناتجا اما عن عدم الفهم او عدم الدقة. ثم تشير الى وجود عدة نظريات بشأن اصل الاكراد اهمها تلك التي تذهب الى انهم ينحدرون بشكل رئيسي من اصل هندو ـ اوروبي وخاصة من اصل ميدي ايراني، وانهم ينحدرون من القبائل القديمة التي سكنت غرب المنحدرات الشرقية لجبال طوروس وحتى زاجروس، وهناك نظرية ثانية ترى ان الأكراد ليسوا سوى شعب ايراني وانهم عاشوا اصلا في جبال اسيا الصغرى. وتخلص في هذا الجزء الى ان الاكراد وان كانوا ليسوا عرباً، الا انهم ارتبطوا بالعروبة بعد دخول الاسلام اليهم وارتباطهم به حيث قاموا بتغيير شكل الحروف بحروف عربية، فضلا عن تحمسهم للاسلام وللمسلمين والعروبة التي ينتسب اليها نبي الاسلام صلى الله عليه وسلم. ومن الأصل والموقع الجغرافي الى اعدادهم تشير الدراسة الى ان التقديرات في هذا الخصوص تباينت، غير ان أقربها الى الصحة ترى انهم يتراوحون ما بين 22 ـ 27 مليون نسمة وأكبر تجمع لهم يوجد في تركيا حيث يعيش من 12 ـ 14 مليون كردي، وفي ايران من 6 الى 8 ملايين كردي، وفي العراق من 3 الى 3.5 ملايين كردي، وفي سوريا من 0.8 الى مليون كردي، والباقي موزعون في جنوب روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، والبعض في لبنان. اما اللغة الكردية فهي من عائلة اللغات الايرانية والتي تتكون من مجموعة من اللغات منها الفارسية، والبلوشية، ويضيف البعض اليها لغة البشتون والطاجيك والأفغان، غير ان الدراسة تشير رغم ذلك الى وجود صعوبة في التحديد الدقيق لأصل اللغة الكردية مؤكدة ان الأمر لا يتجاوز نطاق الاجتهادات. وان كان الاكراد عمموا استخدام الحرف العربي في كتابة اللغة شأنهم في ذلك شأن معظم الشعوب الاسلامية، غير انه يجري منع استخدامها في ايران وتركيا. وفي اطار التعريف بكافة ما يتعلق بالأكراد تتطرق الدراسة الى الديانة فتشير الى ان الاغلبية الكردية تعتنق الديانة الاسلامية، على المذهب السني الشافعي، ويقدر البعض المسلمين السنة بـ 75% من المجتمع الكردي، ولكن هناك سنة حنفيون وخاصة فيما بين اكراد العراق، وقد انتقل الاسلام الى الاكراد عن طريق الفرس لكنهم لم يتشيعوا كالفرس وذلك في القرن الاول الهجري. الى جانب الاكراد السنة، فان نحو 20 الى 22% من المسلمين الاكراد يتبعون المذهب الشيعي، وخاصة الاثنى عشرية، كما يوجد من المجتمع الكردي تجمعات مسيحية كالاشوريين النساطرة الذين لهم كنيستهم الخاصة ومرجعهم الديني، والكلدانيين وهم كاثوليك، والارمن والارثوذكس. كما كانت هناك طائفة يهودية تعيش في كردستان يقال انها تعود الى فترة السبي البابلي والاشوري ومنهم اسحق موردخاي وزير الدفاع السابق في حكومة نتانياهو. ورغم التنوع العقائدي يحتفل الأكراد بعيد النيروز مثل الفرس ولكن كموروث اجتماعي وليس عقائديا. اما عن الحياة الاجتماعية للأكراد فتشير الدراسة الى غياب الرصد في هذا الشأن وهو ما تراه يعبر عن موقف خاص تتخذه الدول التي يعيش الاكراد على اراضيها، او لان الاكراد انفسهم يجدون صعوبة في ذلك نظراً لتوزعهم بين العديد من الدول وعدم تجمعهم في وحدة سياسية واحدة، وان كان رغم ما سبق يوجد تجانس كبير بين الأكراد رغم توزعهم الجغرافي والسياسي. وانطلاقاً من هذه الظروف فقد كان من الطبيعي ان يكون للأكراد الصفات الخاصة بهم، الى جوانب اخرى تجمعهم بشعوب المنطقة.. فالرجل منهم في نظراته قسوة، ويعود ذلك الى ارتباطهم بطبيعة المنطقة الجبلية، وهو يميل الى اطلاق شاربه دلالة على الرجولة، كما أنهم ـ في الغالب ـ ذوي بشرة بيضاء وعيون زرقاء. ويمتاز الكردي بالاستقامة ومحافظته على العمر وعطفه على الاقارب. اما سلبيات الشخصية الكردية فهي التهور والحدة في حالة الغضب وهذا عائد بشكل رئيسي للاعتداد بالنفس.. الى جانب ما سبق فان تعدد الزوجات معروف في المجتمع الكردي، اما الطلاق فهو نادر الحدوث لانه يتم طبقا لمعايير لا تسمح بتحققه. وتنتقل الدراسة بعد ذلك الى تناول قضية التاريخ الكردي ونمو الوعي القومي فتشير الى انها قضية شائكة لا تخلو من غموض بسبب الاختلاف بين كاتب واخر.. ولكن بشكل عام مارس الأكراد نوعاً من الحكم الذاتي طوال تاريخهم وقد لعبت الطبيعة الجبلية للمناطق الكردية دوراً كبيراً في ذلك حيث ساهمت في عدم تمكن الحكومات من السيطرة على مناطقهم. اما عن تحول الأكراد الى الاسلام فحسبما تشير الدراسة فقد تم عن طريق الدعوة وليس عن طريق الفتح. وهنا فان الدراسة تشير الى محورية دور صلاح الدين الايوبي في التاريخ الكردي. والأهم انه في تحركه لمكافحة الغزو الصليبي كان يعتمد على انه قائد مسلم عليه رفع راية الجهاد ضد قوى البغي دون اعتبار للقومية.. فقادت النخبة القيادية الكردية امتها الاسلامية الى النصر على الصليبيين وتحرير الارض العربية. وانتقالاً من التاريخ القديم والوسيط «الاسلامي» تعرضت الدراسة لتفاصيل تطورات التاريخ الحديث للأكراد، فتشير الى تأييد الاكراد للدولة العثمانية لدى بدء ظهورها ضد الدولة الفارسية، مما أدى الى لعب الامارة البابانية في كردستان والمتمتعة بالحكم الذاتي دوراً كبيراً في السياسة العثمانية بالعراق. واما عن سبب الضعف العام الذي تميز به الأكراد فترجعه الدراسة الى الصراع الكردي ـ الكردي بشكل اساسي فضلا عن استغلال القوى الخارجية سواء الفارسية او العثمانية او حتى البريطانية لذلك.. كل لصالحها.. كان عاملاً في القضاء على الطموحات الكردية في القرن التاسع عشر. اما مع التاريخ المعاصر والذي يؤرخ له البعض بالحرب العالمية الاولى ومقدماتها، فقد تبلور في هذه الفترة الشعور القومي لدى الاكراد، وكانت نتيجة جهودهم في هذا المجال ان تضمنت معاهدة سيفر «اغسطس 1920» النص على قيام الحكم الذاتي في المناطق الكردية، وانها يمكن ان تحقق الاستقلال لو رغبت بذلك في غضون عام، فكانت اول وثيقة تعترف بحق الاكراد في اقامة مناطق للحكم الذاتي ترقى الى مستوى الدولة، ولكن نصوص الاتفاقية بقيت حبراً على ورق نظراً لصراعات القوى الدولية المختلفة فكانت معاهدة لوزان عام 1923 والتي مثلت قضاء على أحلام الاكراد في إقامة دولة خاصة بهم. وتفصل الدراسة في الحديث عن تطورات القضية الكردية خلال القرن العشرين في مناطقها المختلفة.. ففي تركيا تواصلت التمردات الكردية وحاولت انقرة مواجهة المشكلة بكافة السبل حتى ان «عصمت اينونو» خلف اتاتورك «وهو من اصل كردي» منع الاكراد من التحدث بلغتهم او التغني باغانيهم الفلكلورية، وجعل الاكراد يشعرون انهم مواطنون من الدرجة الثانية. ورغم جهود تركيا للقضاء على المشكلة، الا ان اصداءها مازالت تتردد فكان بروز اوجلان ونشاط حزب العمال الكردستاني.. وما بين مرونة اوزال وتشدد كنعان ايفرين، ومؤشرات حسن النية من ديميريل تواصلت المشكلة الكردية، دون ان يبدو في الافق ما يشير الى ان اعتقال اوجلان سيحسمها. السيناريو نفسه مع خلاف في التفاصيل.. واجهه الاكراد في ايران حيث تطابقت نظرة البيروقراطية المركزية في ايران مع نظرة اتاتورك لقد حاول الاكراد استغلال الدعم السوفييتي لهم خلال احتلال الاتحاد السوفييتي لشمال ايران ورغبة موسكو في توسيع نفوذها الى الخليج غير ان تطورات ما بعد الحرب العالمية الثانية اعاقت هذا المسعى، فتحولت الحركة الكردية الايرانية الى العمل السري.. ورغم تغير النظام في ايران اثر الثورة الخمينية في 1979 الا ان الموقف الرسمي من القضية الكردية تواصل. اما أكراد العراق فرغم انهم ثالث تجمع كردي في المنطقة الا انهم كان لهم التأثير الكبير في تحريك التيار القومي الكردي وقد حاولت الحكومة العراقية اعتبار منهج الحكم الذاتي وسيلة للتغلب على المشكلة الكردية، غير أنه ازاء ما بدا رغبة في الاستقلال استخدم النظام العراقي اقصى صنوف التعنت ضد الاكراد للحفاظ على الجبهة الداخلية، وساعده على ذلك خلافات الحزبين الديمقراطي والوطني بزعامة مسعود بارازاني وجلال طالباني. على العكس من التجارب السابقة مثلت سوريا نموذجاً ناجحاً في استيعاب الاقلية الكردية وهو الاستيعاب الذي وصل حد شعور الاكراد بالانتساب لهذا الوطن وهو ما يعود الى حالة الرضا بين افراد المجتمع على اختلاف انتماءاتهم. وبشكل عام فان الدراسة تقدم ما يمكن اعتباره رؤية بانورامية معلوماتية للقضية الكردية يغيب عنها الجانب التحليلي.. وهي رؤية قد تكون مطلوبة لقطاع عريض من القراء للاطلاع على جوانب القضية معلوماتياً، اما الجانب التحليلي فنأمل ان تصدر دراسات اخرى له تشبع فضولنا بمعرفة مستقبل القضية الكردية في ظل التطورات التي نحياها. مصطفى عبدالرازق