بيان الكتب: في السبعينيات وضع الشاعر نزار قباني كتاباً عن سيرته الحياتية والشعرية، ودافعه لذلك كان «حتى لا يشوه النقاد صورتي» كما قال في مقدمة ذلك الكتاب، والذي تحدث فيه عن طفولته وأسرته ودراسته وصداقاته ثم عن بداياته الشعرية وتطورها، وأُرفق الكتاب بمجموعة صور تمثل بعض اوجه نشاط نزار الدبلوماسي حيث كان سفيراً لبلده في الصين واسبانيا وبريطانيا. وعندما يكتب شخص مشهور مذكراته فهو يوثق تاريخاً ومرحلة شهدها وعاشها وهذا هو الحال لدى يفجيني بريماكوف رئيس وزراء روسيا الاسبق وأحد اشهر السياسيين الروس منذ عقد السبعينيات الماضي، كما انه احد اهم الخبراء الروس بشئون العالم العربي. حيث ألف كتاباً بعنوان: «في قلب السلطة ـ مذكرات سياسية» ونُشر مؤخراً في باريس وهو عبارة عن شهادة استثنائية من قلب الحدث خلال عدة عقود من الزمن باعتبار ان بريماكوف امضى حوالي 30 سنة في مناصب قيادية عليا، قد خدم في ظل بريجنيف وجورباتشوف ويلتسين، بالاضافة إلى أنه كان رئيساً لجهاز الاستخبارات السوفييتي الـ «كي. جي. بي» قبل ان يصبح وزيراً للخارجية ثم رئيساً للوزراء وهو الان مقرب من بوتين بدرجة مستشار.. يعني انه في قلب السلطة. وعموما تمثل المذكرات شهادة صادقة على الأحداث والوقائع «طبعاً لو كتبت بعين محايدة» وهذا ما يفعله عادة الذين يريدون خدمة التاريخ والذين لا يلجأون إلى التزوير لنيل الوجاهة الشخصية، فالوقائع السياسية اكثر أهمية من مجد مأمول وهذه رسالة سيدركها كل من يريد الدخول إلى التاريخ من باب الحقيقة وليس من باب الخداع، ولدينا في تاريخنا المعاصر مئات الاسماء التي كانت في مراكز صناعة القرار ومطلعة على الاسرار والتي يمكنها ان تقدم الحقائق كما وقعت وليس كما يفترض ان تكون وسيعرف القاريء ان الكاتب يروي سيرة تاريخية مهمة وليس تصورات مرت في باله ذات يوم. وبالعودة الى نموذج المذكرات التي كتبها نزار قباني فان رسم الصورة بفرشاة ذاتية افضل من ان يرسمها شخص لا يجيد الرسم أو يريد تشويه صورة الاخرين. وكم من اسماء مرت على مراكز القرار في كل بلد عربي يمكن ان تضع كتاباً موضوعياً عن تجربتها تغني فيه المكتبة وتسد الدرب على هواة تشويه التاريخ الذين يكتبون من مواقع الاصغاء وليس من مواقع المشاهدة فيعرضون الاحداث ويقدمون الاشخاص وكأنهم من نسج الخيال السينمائي وليس الوقائع التاريخية. انها مجرد دعوة لكتابة الحقائق عبر اهلها حقائق ستجد لدى القاريء وقعاً طيباً اسوة بما يفعله الغرب كاتباً وقارئاً. حسين درويش