يتعذر على المرء أحياناً أن يحدد بالضبط من أين ينبع نهر بعينه بالضبط، لكن الأمر صعب بشكل مضاعف بالنسبة لنهر الدانوب الذي يستمد مياهه من مصدرين متنافسين يتنازعان أحقية لقب المنبع، حيث ينساب الاثنان كلاهما من منحدرات الغابة السوداء في ألمانيا. غير ان هذا الغموض يبدو ملائما للنهر، ذلك ان الدانوب يعاني من صعوبة في تحديد الهوية، إذا جاز التعبير. فاسم هذا النهر ورقصة الفالس الحالمة «الدانوب الأزرق» لشتراوس في فيينا صنوان، وطوال الثلث الأول من واديه الذي يمتد قرابة 1800 ميل بين بحر الشمال والبحر الأسود، يمضي النهر مختالا بين القرى والبلدات والقلاع التاريخية الحالمة. لكن للدانوب سيرة أخرى في أوروبا الشرقية، حيث الدمار بسبب الحرب والتلوث من جراء سوء الادارة البيئية. ففي يوغسلافيا على سبيل المثال تسبب قصف الناتو للصرب عام 1999 بتدمير الجسور والمنشآت الصناعية، مما جعل الملوثات الكيماوية تتدفق في مياه النهر، الأمر الذي أدى الى خسائر بمليارات الدولارات. لكن الدانوب كان مصابا بازدواج في الشخصية، حتى قبل الحرب في يوغسلافيا، فضفاف النهر التي تشكل المستراح وواحة الاستجمام للكثيرين هي موقع عمل لا يهدأ بالنسبة للكثيرين غيرهم من صيادين وطواقم عوامات الشحن ومصانع الطاقة وأحواض بناء السفن. كما ان الدانوب هو وسيلة نقل لا تهدأ بين بحر الشمال والبحر الأسود فوق مياهه التي تغذي ايضا السهوب والغابات الرطبة وسط وشرق أوروبا وموائل حيوية مهمة جدا لكثير من أشكال الحياة البرية. واليوم يبذل جيران النهر في عشر دول اوروبية تطل على مياهه جهودا كبيرة للتوصل الى مصالحة بين هذه المتطلبات المتناقضة ولاصلاح ما تسببت به سنوات من الاهمال والحرب من أضرار على بيئة. في الغابة السوداء، في ألمانيا، يبدأ رافدان بالتدفق، قبل ان يلتقيا معاً ويشكلا نهر الدانوب، ثاني أكبر أنهار أوروبا بعد الفولجا الروسي. أول هذين النهرين هو نهر بريجاتش والثاني هو نهر بريج، ويلتقي الاثنان في مدينة دونشينجن ليكتسب النهر عندها اسم الدانوب. ولا يبدأ الدانوب بالتحول الى نهر تمكن الملاحة فيه الا عند بلدة أولم الألمانية التي تشتهر بأوزها الأبيض، وتعتبر مركز دوقية سوابيا التي تعود للعصور الوسطى، وتناقلت ملكيتها بين امبراطوريات متصارعة عبر التاريخ تضم كلا من السلتيين والرومان والامبراطورية الرومانية المقدسة والعثمانيين والهابسبرج والامبراطورية النمساوية المجرية وألمانيا النازية وكلها قوى جلعت من وادي الدانوب مساحة لصراعاتها. وفيما يودع الدانوب الأراضي الألمانية تستقبله الأراضي النمساوية عند وادي واتشو الخصيب. وهناك لاتزال الكروم تتسلق جدران قصور العصور الوسيطة قبل ان يصل النهر آثار القلاع وبساتين المشمش التي تضفي أزهارها على ربيع الدانوب رداء ثلجيا ساحرا. لكن فيينا تظل المكان الأكثر ارتباطا في الذاكرة بهذا النهر، فقد كانت المدينة مقر امبراطورية الهابسبرج التي هزمها الروس مما جعل يوهان شتراوس يضع موسيقى فالسه الشهير «الدانوب الأزرق» لتغسل ألحانها أحزان قومه وتحثهم على الانتفاضة ضد الغزاة. ومن فيينا يشق الدانوب طريقه الى العاصمة المجاورة بودابست في المجر والتي يقسمها الى نصفين بودا على يمينة وبست على يساره والتي جعلها ملكها بيلا الرابع عام 1255 آخر حصن لأوروبا أمام التقدم المغولي الذي اكتسح القارة. وبين الضفتين في العاصمة توجد جزيرة مرجريت وسط مياه النهر والتي سميت على اسم ابنة ذلك الملك. لكن ما ان يبدأ الدانوب بالتغلغل في شرق أوروبا، حتى يتجهم وجهه ويتحول الى سبب للكثير من المشكلات، أولها هي تلك التي بين المجر وتشيكوسلوفاكيا سابقا بسبب مشروع لم يكتمل لبناء سدين على جانبي الحدود وهو ما تسبب بالكثير من المشكلات بيئية ومالية وعملية حيث أكمل الجانب التشيكي بناء السد وأحجم الهنجاري عن اكمال المشروع بسبب هذا الخوف. بعد بودابست تبدأ المعاناة بالظهور على الوادي والأراضي المحيطة به خصوصا في هنجاريا ومحطته التالية كرواتيا. وتشكل هذه الاراضي الموطن الضروري للكثير من الفصائل الحيوانية المهددة بالانقراض وأخذت المجتمعات هناك بخوض نزاع بين، الحاجات الاقتصادية وبين ضرورة الحفاظ على بيئة النهر لحماية واستعادة الحياة الطبيعية فيه وخصوصا الثروة السمكية التي تراجعت كثيرا بعد ان كانت مورد رزق لأعداد كبيرة من البشر في البلاد. ويبلغ انفصام الشخصية الذي يعاني من الدانوب والتناقض بين سحر الصورة الرومانسية وقسوة الواقع أوجه في يوغسلافيا. فعلى بعد 47 ميلا عن العاصمة بلجراد تعرضت مصفاة نوفي ساد للنفط الى ضربات الناتو الجوية الى جانب تدمير ثلاثة أكبر الجسور فوق الدانوب. وتسببت الحرب هناك في بمليارات الدولارات من الخسائر وخلفت وراءها الحاجة لجهود عملاقة لتنظيف النهر وهي المهمة التي نأت بمعظمها مفوضية الدانوب ومقره بودابست ومولها الاتحاد الاوروبي. ولاشك في ان تنظيف الدانوب يمثل أولوية مهمة جدا للدول المتشاطئة، فالسفن الضخمة تضطر الآن لافراغ حمولتها على سفن صغيرة عند مدينة جالاتي الرومانية وعدم مقدرتها على الدخول عميقا فوق الدانوب يكلف شركات الشحن الرومانية خسائر بعشرات الملايين من الدولارات. وتراجع أعمال الشحن عبر النهر أضرّ اقتصاديا بالضفة الأخرى من الدانوب وهي بلغاريا. يقول أحدهم وهي يضطجع كسولا في مدينة توتراكان البلغارية الدانوب: «ليس هناك عمل، الكل هنا يتسكعون، المحاصيل طيبة، لكن لا أحد لديه المال ليشتري، قبل ثلاثين عاما كنت أصطاد أربعة أنواع من سمك الحفش وحده، أما الآن فلا شيء يذكر».