بيان الجمعة: نعلم يقينا أن الموت حق على الإنسان مادام حياً على وجه الأرض، وانه بعد الموت سيبعث مرة أخرى، ليحاسب عما قدمت يداه، وسطر عليه بكتاب لا يضل ولا ينسى، إلا ماشاء الله. ولأن الموت حقيقة لا مراء فيها، ولا مفر منها، فإن كل بني آدم عليهم ان يعدوا أنفسهم لها، حتى يجتازوها على خير، وبلا خسارة، وهذا فعل العقلاء دون ريب، اذ الدنيا دار ابتلاء فقط! ولأن ما وراء مفارقة الروح للجسد من أمور الغيب التي لا تدركها حواس البشر، فقد بينتها الأديان، وفصلتها رسالات الله، فوجب الوقوف عند حدود المعلوم من الدين في أمر هذه الظاهرة، بلا افتئات أو تطاول أو اختلاق، والا وقعنا في محاذير كالتي جاء الإسلام ناهيا عنها، محذرا منها، مما كان أهل الجاهلية يقومون بها، ويحيطون حادثة الموت بها، وهو بطبيعة الحال منبثقة عن عقائدهم في الموت التي لا تستند إلى حق، ولا تهتدي بنور، بينما نحن والحمد لله، نعلم يقينا أن نفساً لن تموت إلا وقد استوفت اجلها، وان الموت ليس بنهاية المطاف، وانما هو مرحلة في رحلة الانسان، سيعقبه البعث ثم الحساب ثم الجزاء.. ومن ثم فليس هناك ما يدعو المسلم المؤمن بقدر الله أن يضعف عن احتمال مصيبة الموت اذا وقعت في بعض أهله، ويترك هدى الإسلام ويقلد سنن الجاهلية العمياء، التي كانت تعتمد على جعل الموت نهاية المطاف، ومن ثم كان الجزع والفزع من الموت والإغراق في التعبير عن الحزن الاسود، بالنياحة وشق الجيوب ولطم الخدود، وسب الدهر ـ لتصورهم أنه هو الذي يفنيهم ويهلكهم ـ ، وتسويد الوجوه، إلى اخر هذه التصرفات التي عدها النبي صلى الله عليه وسلم من أمور الجاهلية التي أتى الاسلام بنقضها فيما قال: «أربع في أمتي من امر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» رواه مسلم، وروى ابو داوود وغيره عن ابي سعيد الخدري قوله: «لعن رسول الله صلى آلله عليه وسلم النائحة والمستمعة» وجاء في الصحيحين ايضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود وشقق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية»، وما يخرج بالنائح والنائحة عن حدود الإسلام وخطيرته، هو ما يصدر عنهما ساعة المصيبة من نسبة الجور والظلم إلى الله، وأن الميت لم يكن مستحقا للموت، لصغر سنه أو سلامة صحته، أو حاجة الأهل والأولاد اليه، أو غير تلك الدعاوى التي يتبارى القوم في التصريح بها والاحتجاج إثر وقوع المصيبة، وكأنها وقعت في غير محلّ، وكأن الله ـ سبحانه وحاشاه ـ لم يصب الحق، وهو أهله، باختيار الشخص المتوفى، وهو سبحانه وتعالى، لم ينتقص عمر أحد عما قدر له، وهو عز وجل يقول: «فإذاجاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون». ومن ثم فقد شرع الإسلام نهجا يليق بعقيدة الإسلام في مواجهة مصيبة الموت، سواء كان الميت صغيراً أو كبيراً، ان يكون الإدراك حاضراً، والجأش قائما، ويواجه المصيبة بالصبر والرضا، احتساباً عند الله عز وجل، وليعلم أن الموت باب وسيدخله كل الناس، وأن من يأتي دوره فلا يملك الا ان يجب الى ما اعد له، والحق تبارك وتعالى يقول: «وبشر الصابرين الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون» (155 ـ 157/ البقرة) وقد روي عن السيدة أم سلمة رضى الله عنها انها حين توفي زوجها، احتسبت مصيبتها عند ربها ايمانا وتسليماً، وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها. فكان أن أخلف الله لها عن زوجها رسوله صلى الله عليه وسلم، وأصبحت من أمهات المؤمنين. وفي صحيح البخاري عن انس بن مالك رضي الله عنه قال: اشتكى ابن لأبي طلحة.. فمات وأبو طلحة خارج، فما رأت امرأته انه قد مات هيأت شيئاً ونحته في جانب البيت، فلماء جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه وأرجوا ان يكون قد استراح، وظن ابو طلحة أنها صادقة، قال: فبات فلما اصبح اغتسل فلما أراد أن يخرج اعلمته انه قد مات فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم واخبره بما كان منهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعل الله ان يبارك لكما في ليلتكما» قال سفيان بن عيينة فقال رجل من الانصار فرأيت لها تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن. وقد ورد حديثها الى زوجها في صحيح مسلم حيث قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما اعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟! قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك » وبهذا المنطق الهاديء العاقل أوصدت الباب في وجه استفزاز الشيطان لعواطف الإنسان في نفس زوجها، وهكذا يربي الاسلام ابناءه، على حماية طاقاتهم المعنوية، من الانفلات، وتصرفاتهم السلوكية الواقعة تحت إثارة المصائب، ان تغضب الله، إذ هم وما يملكون ملك خاص لله، ومن ثم فلله ما أخذ وله ما اعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، وهذا ما عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، حيث دعته احدى بناته لأن ولدا لها قد قبض، فكتب اليها بقوله: «ان لله ما أخذ وله ما اعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب» واذا حزن قلب المؤمن أو دمعت عينه، فإن اللسان لا ينطق إلا بخير، من دعاء بالرحمة وذكر للعلي الاعلى واحتساب لمصيبته عنده، وانتظار لفضله، فإن الميت ليعذب بجرائم اللسان في تلك الحالة، كما روى صحيح البخاري في واقعة زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن عبادة وعيادته في مرضه، اذ بكى فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا، فقال: «ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه» وعندما مات ولده ابراهيم، أثر عنه قوله: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب». وهكذا لا يحرم المؤمن ثواب صبره على حر المصيبة، وهو ما نبه اليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن الله لا يرضى لعبده المؤمن، إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض، فصبر واحتسب ـ وقال ما أمر به ـ بثواب دون الجنة» أو قوله: «عجبا لأمر المؤمن، إن امره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن، إن اصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن اصابته ضراء صبر فكان خيراً له» رواه أحمد ومسلم عن صهيب. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. علي عيد