بيان الجمعة: معظمنا يعشق أطعمة الحفلات والأعياد، لكن على مدى 13 عاما عاشت آنا بيترسون في رعب من طبق الديك الرومي المشوي. ففي الوقت الذي يقبل فيه الناس على شرائح اللحم بنهم شديد في غداء عيد الميلاد تملأ هي طبقها بكومة من أعواد الكرفس والجزر التي تضع أسفلها شريحة رفيعة واحدة من اللحم وقطعة صغيرة من البطاطا المشوية، وفي الوقت الذي يلتهم فيه الضيوف الجالسون على المائدة من الاقرباء والاصدقاء محتويات أطباقهم بتلذذ واضح كانت آنا تمضي وقتها في قضم 15 عودا من الكرفس وهو ما تعلم بصفتها مهووسة بالرشاقة ان كل عود منها يحتوي على ثلاثة سعرات حرارية فقط. وفي حين انتقال الضيوف للصنفين الثاني والثالث من قائمة الطعام تواصل آنا قضم الخضروات التي تستغرق الى ان تنتهي من غذائها أكثر من ساعة، ورغم ذلك تظل هناك بقايا طعام في طبقها. وعنمدا يأتي دور الحلويات تأخذ آنا قطعة صغيرة جدا من الكعك وتضع بجوارها ملعقة من الكريما المخفوقة بعد ان تجري في مخها بعض الحسابات للتأكد من عدد السعرات الحرارية فيها كونها تعلم ان وجود الكريما يوحي للآخرين انها تأكل كمية من الحلوى، وفي حين ان رشة واحدة منها توازي 50 سعرا. وبعد انتهاء الوجبة وتجمع الضيوف حول جهاز التلفزيون للاستماع الى خطاب الملكة الذي تلقيه للأمة في كل عيد يقدم والدا آنا قطع الشيكولاتة الى الضيوف، إلا أن الشيكولاتة لا توضع أبدا أمامها لأن والديها يعرفان انها لم تضع في فمها أية قطعة شيكولاتة منذ سنين. وعندما يتناول الضيوف الشاي مع البسكويت والكعك تكتفي آنا بتناول شريحة جافة من الخبز المحمص. وفي الوقت الذي تأوي فيه آنا الى فراشها تؤكد لها معدتها المقرقرة انها ميتة من الجوع، وتطمئن بذلك انها حققت الهدف المطلوب. وقبل بضعة أيام سابقة كانت آنا قد سمعت في برنامج تلفزيوني ان الشخص يستهلك حوالي 5000 سعر حراري يوم عيد الميلاد، وبحساباتها الخاصة تكون آنا قد استهلكت حوالي 600 سعر، الأمر الذي يشعرها بنشوة. لكن بمجرد ان تجلس على سريرها يزول أي شعور لديها بالنشوة، فعندما تنظر الى فخذيها الهزيلين هزال العصي فإن كل ما تراه هو جبل من الشحوم ما يجعلها تغتاظ وتنهال على فخذيها قرصا الى ان يؤلماها. كان ذلك في موسم العيد في العام 1993 حينما كانت آنا في الخامسة والعشرين من عمرها وكانت تعتبر نفسها غاية في البدانة رغم ان وزنها كان هزيلا الى حد خطير إذ بلغ 29 كيلوجراما. كانت تلك السنة شاقة على وجه خاص بالنسبة لآنا فقد ظلت تكافح خوفها من الطعام لأشهر واضطرت لعدم حضور حفل زفاف شقيقها لأنها كانت على درجة من الوهن لم تسمح لها بالذهاب، وهو الأمر الذي أحزنها كثيرا وجعلها تمضي أربعة أيام في المنزل لوحدها دون ان تأكل، فقد كانت ترغب فقط ان تنام وألا تستيقظ أبدا. آنذاك كان قد مضى على معاناة آنا مع الانوركزيا 17 عاما وحتى اليوم فإنها غير قادرة على وضع أصبعها على السبب الحقيقي وراء مشكلتها، فربما رجع ذلك لشعورها بأنها لم تكن مخيرة في حياتها ومعظم المراهقين كانوا سيتمردون ويهربون على الأرجح من منازلهم، لكن آنا لم تفعل ذلك، وبدلا منه قررت ان تسيطر على الشيء الوحيد في حياتها الذي شعرت انها قادرة عليه وهو مدى استهلاكها للطعام، والامتناع عن تناول جميع أنواع الحلويات، وفي نهاية الأمر فإن كل ما كان يسد رمقها هو الخبز الجاف وعلبة واحدة من اللبن الرائب قليل الدسم في اليوم. ونمط حرمان النفس من الطعام هذا استمر لثلاثة عشر عاما تالية، وفي كل عام يتحول يوم العيد الى محنة بالنسبة لآنا. وهي لا تنسى يوم حضورها أول وآخر غداء عيد في مكان عملها حينما كانت في الثامنة عشرة من عمرها، فقد كانت تعمل كسكرتيرة تحت التدريب في شركة محاماة، وكانت فكرة الخروج في غداء عمل تفزعها فقد كانت متيقنة ان أحدا ما سيعلق على قلة أكلها. وعندما جلست الجماعة على المائدة وتم امرار قوائم الطعام على الجالسين بدأت يداها بالارتجاف الى حد ان قائمة الطعام سقطت من يدها وانسكبت كأس الماء معها. وعندما بدأت أكوام من الاطعمة في الوصول انتابتها حالة من الارتباك ما جعلها تهرع راكضة الى الحمام والدموع تنهمر من عينيها. وبعد رجوعها الى المائدة ادعت آنا انها أصيبت بمغص وانها تقيأت ولا تقوى على رؤية أي طعام، ونهضت آنا من المائدة وهي فخورة بأنها تركت المائدة دون ان تستهلك سعرا حراريا واحدا. لكن انتصارها كان قصير الأمد، فسرعان ما اضطرت للتخلي عن عملها لأنها في حالة من الضعف لا تسمح لها بالعمل. عزلة تفاقم المشكلة وفي العام 1990 تقاعد والد آنا وانتقلت العائلة من ايسيكس الى مدينة كورنوال. والعزلة التي شعرت بها في ذلك المكان الجديد جعلتها تنغمس أكثر فأكثر في الانوركزيا، فقد أمضت الأعوام التالية في المزيد من الهزال والدخول والخروج عدة مرات من عيادات مختصة بعلاج الخلل في أنماط الأكل وحتى عندما تكون في المنزل كان طبيبها يحرص على قياس وزنها بصورة اسبوعية. بيد ان مرضى الانوركزيا يتميزون بالقدرة على التحايل، فقد كانت تخفي وزنها المستمر في الهبوط بلف العملات النقدية والحصى في مناديل وحشو جيوبها بها، وبتلك الطريقة كانت تخدع الميزان وتوهم الطبيب بزيادة وزنها. والشاغل الوحيد لها آنذاك كان الاحتفاظ بوزنها فوق حد الاثنين واربعين كيلوجراما كي تتجنب دخول المستشفى. وقد تمكنت آنا من ايهام الجميع بأنها تتناول البسكويت والخبز والكعك، لكنهم بمجرد ان يديروا رؤوسهم تلف كل ذلك في منديل وتلقي به في المرحاض. وفقط عندما انسدت المجاري في منزلها اكتشف والدها الحقيقة، وكان ذلك يؤلمه فيخاصمها لأيام، كما انه كان يشعر بحرج من استدعاء السباك لتسليك المجاري كيلا يكتشف الأخير أمر ابنته فيضطر لأن يفعل ذلك بنفسه. حلم يغير حياتها وبدا بعد ذلك لآنا انها أمضت حياتها كلها سجينة الانوركزيا لكن في نوفمبر من العام 1998 رأت حلماً غيّر مجرى حياتها، فقد رأت نفسها تنضم لنادي المراسلة وتتعرف على شخص مميز، وعندما استيقظت في اليوم التالي قررت انها لن تخسر شيئا من المحاولة. فقد راسلت صفحة التعارف وتلقت قائمة من العناوين وبعثت بضعة خطابات وتلقت ردا من رجل يدعى سايمون، وقد وجدت في بعض ما يقوله قبولا لديها، فآخر سطر في رسالته كان: إذا شعرت انني لا أستحق المراسلة فستجدين ان مقاس رسالتي يناسب معظم سلال القمامة المنزلية. وهي العبارة التي أضحكتها وأشعرتها بأن هناك شخصا ما لا يشعر مثلها بتقديره لذاته. وأرسلت آنا ردها اليه ووجدت نفسها تفضي له بمعاناتها مع الانوركزيا واعترفت له بتفاصيل حميمة من حياتها بسهولة. واجه سايمون مشكلتها على الفور بارسال أكياس البطاطا المقرمشة في البريد بعد ان ذكرت في احدى رسائلها انها كانت تحبها في السابق. ورغم ان البطاطا المقرمشة كانت تصلها شبه مسحوقة في البريد الا انها كانت تطلق عليها اسم بطاطا سايمون وتأكلها حتى آخر فتاتة منها. ومع كل لقمة كانت آنا تقنع نفسها بأنها تفعل ذلك لعيون سايمون. وسرعان ما تبادل الاثنان الصور، لكنهما لم يلتقيا الا بعد ستة أشهر لاحقة. في ابريل من العام 1999 التقى سايمون آنا في متحف العلوم في لندن وكان كلاهما في حالة من التوتر لدرجة انهما لم يجدا ما يقولانه لبعضهما في الساعة الأولى. لكنهما بعد ان دخلا صالة مغطاة جدرانها بالمرايا وقفا أمام ميزان نظرا لبعضهما وأخذا في القهقهة. وفي وجبة الغداء طلب سايمون مجموعة من الاطباق الجانبية وسمح لها بانتقاء ما تريد، وهي البادرة التي أشعرتها بالاعتبار وأثرت فيها، ومنذ ذلك اليوم لم يتفارقا. في عيد الميلاد الثاني أمضى الخطيبان يومهما مع والديها وتمكنت آنا من افراغ طبقها وملئه مرارا، وهو الأمر الذي لم تكن لتصدقه، فهل هذه هي الفتاة التي اعتادت تعذيب نفسها بمشاهدة برامج تعليم الطهي والتي كانت تقص الوصفات من المجلات لتتلذذ بمشاهدتها اثناء تجويع نفسها؟ أما اليوم فإن آنا وهي في الرابعة والثلاثين انسانة مختلفة، فقد أصبحت تستخدم خبرتها الطويلة بالانوركزيا لمساعدة الآخرين وحولت مفكراتها التي كانت تحتفظ بها الى كتاب وخصصت موقعا على الانترنت تتلقى عبره 5 رسائل من فتيات ونساء من مختلف انحاء العالم يحكين فيه عن مشاكلهن مع عدوهن الأول: الطعام. ولم تخرج آنا من الانوركزيا دون تأثر فقط توقفت دوراتها الشهرية على مدى 12 عاما ورغم انها عادت مؤخرا، الا انها ليست منتظمة، كما حذرها الاطباء من انها عرضة بنسبة كبيرة لهشاشة العظام. وخلال فترة شفائها من الانوركزيا ظل سايمون واقفا بجوارها، فحبه ودعمه لها مكناها من الاستمتاع بالأعياد مثل أي شخص آخر، وهو الأمر الذي لم تتخيل اطلاقا انها تستطيع قوله. ابتسام احمد