مثل فراشة تقلع دوماً نحو النور والزهور بخفة وحيوية واطلالة ذكية على المسرح، فمسرحها العالم كله، وهو قرية صغيرة تمزج فيها الحرف والصوت والايقاع والصدى وتخلطها وتنتج لنا فناً حداثياً في الغناء من مدرسة عبدالوهاب العتيدة، حيث ذاتية الفكر والمنهج وشمولية الفن والموضوع! هي أنوشكا التي تمتطي صهوة الفرح في مسارح باريس وكندا واسبانيا والقاهرة وبيروت ودبي وتغني بالفرنسية والانجليزية وتفوز على مواطنيها الأصليين في المهرجانات عالميتها في هذا الانفتاح على الحضارات دون تردد أو تعصب أو تبريرات ودون ان تنسى مصريتها وعروبتها، وفي هذا الاتجاه الفني الصعب لا تتكيء إلا على ثقافتها ومعارفها ووعيها الذي يؤهلها للنجاح والتفوق عربيا وعالميا. زارت هذه الفراشة الجميلة دبي وحطت على مسرح حديقة الخور حيث أحيت ليلة غنائية من ليالي تلفزيون دبي ومعها التقينا ودار هذا الحوار: مفهوم العالمية ـ بداية شكلت «العالمية» كمفهوم في الفن نوعا من الالتباس، فعند فيروز وأم كلثوم هي الشهرة والانتشار في الغرب والشرق، وعند عمرو دياب هي القدرة على تسويق المنتج الغنائي العربي عالمياً.. فما هو مفهومك لهذه العالمية؟ تبتسم أنوشكا ثم تضحك بصوت عال قائلة: ـ بداية ساخنة لكنها جيدة وعلى العموم العالمية من وجهة نظري تنقسم الى شقين، شق فني يتعلق باختيار الكلمات الموسيقية والالحان وإعداد وانتاج الغنوة التي تتسم بمواصفات عالمية سواء في صياغة الكلمات واستخدام اللغات الاجنبية واختيار الموضوعات أو مضامين هذه الأغاني بحيث تكون موضوعات انسانية عامة يمكن ان يكون لها التأثير المطلوب في الملتقى العربي والأوروبي والامريكي والافريقي والآسيوي، وهكذا كما لابد لهذه المضامين والكلمات ان تغنى على موسيقى عالمية الايقاع مقتبسة وليست مسروقة، وهناك فرق كبير، وهذه هي عملية المزج بين الشرقي والغربي. أما الشق الثاني لهذه العالمية فهو الجانب التجاري التسويقي، ونحن بكل أسف ليست لدينا مثل هذه الشركات التي تتبنى مثل هذه الأعمال لتسويقها وإنما للآن يحدث العكس، كما حدث معي، فهناك شركات أجنبية تتابع وتختار من العرب القادرين على المشاركة في مثل هذه المهرجانات العالمية، لكن لمرة أو لعدة مرات، ثم يتابع الفنان هذا المشوار بطريقته الخاصة. وبمعنى آخر تعني العالمية عندي ان يعرفك الأجنبي ويردد أغنياتك سواء اشتراها من السوق أو وجدها تبث على الفضائيات التي كسرت الى حد كبير هذه العزلة العربية! المسرح الغنائي ـ لونك وأداؤك الاستعراضي يجعلنا نتساءل عن المسرح الغنائي، هل هو على أجندة أعمالك؟ ولماذا كل هذا الغياب في الساحة الفنية لهذا الفن الراقي في مصر؟ تفكر طويلا ثم تسأل: ـ لي تجربة واحدة بعنوان «أولاد الغضب والحب» هل شاهدتها؟ ـ للأسف لا!! ـ انها رسالة سياسية ذات أبعاد اجتماعية مليئة بالمشاهد العاطفية والقضية المحورية، ان الحب الحقيقي كي ينمو ويترعرع بين البشر لابد له من مناخ سياسي جيد وبالتالي يمكن حل مشكلاتنا الاجتماعية والاقتصادية إذا تم اصلاح الحياة السياسية بوجود الحرية والديمقراطية واحترام الرأي والرأي الآخر وحرية التعبير والممارسة وما الى ذلك ولكن للاجابة عن الشق الأخير من سؤالك فإن المسرح الغنائي في مصر فعلا بحاجة لدعم الدولة، ولأن المسرح التجاري في القطاع الخاص لا يؤمن الا بالمكسب والخسارة، فهو غير قادر على خوض مثل هذه التجارب الجادة والراقية في الفن، ومن هنا يغيب كما نقول هذا المسرح ولفترات طويلة للأسف! ـ قدمت الدويتو مع محمد منير عن مصر «بلاد طيبة» وأعلنت عن آخر مع المغني العالمي الاسباني كيكوموتس، فلماذا يعود الآن هذا النمط من الغناء الكلاسيكي القديم والمنتشر منذ أربعينيات القرن الماضي؟ ـ هو تساؤل مهم جدا، لكنك تعرف جيدا ان الدويتو الذي قدمته مع محمد منير من لون خاص وهو التغني بحب بلادي، أي انه غير هذه الأشكال والأنماط التي بدأت تعود وتنتشر، وكما تقول منذ عصر الاربعينيات، وهذا العصر كان عصر الكلاسيكيات في الفن وحتى قبل ذلك، ونظرا للهجمة المادية الشرسة على كل مجالات حياتنا فإن الفنانين يحاولون التخفيف من وطأة هذه النظرة للحياة بالعودة الى الحب والغرام والهيام والوجدانيات في الغناء عبر الدويتو، وهذا الشكل الذي أقدمه مع المغني كيكوموتس لأن الموسيقى والفن والحب لغات عالمية لكل البشر! ـ أيضاً أشعر ان اتجاهك وغناءك باللغات الاجنبية ومشاركتك في مهرجانات دولية ساهم في تأخير نجوميتك في مصر، فإلى أي مدى توافقينني الرأي؟ ـ بالطبع لا أوافقك الرأي، فأنا في مصر حققت الكثير من الشهرة والنجومية مثلي مثل بنات جيلي، ويمكن أكثر، ولم يتسبب هذا الاتجاه قط في تراجعي محليا أو عربيا، بل على العكس قد يكون ساهم وتسبب في جلب المزيد من الشهرة والنجومية. ـ لكن كثيراً من الكتّاب والنقاد يعتبرون هذا التوجه في الفن تشويه للهوية المحلية وضياع في فلك واسع مهما تفوقت فيه فلن تجني سوى القليل؟ ـ يكفيني انني من مدرسة عبدالوهاب، هذا العملاق أيضا واجه الكثير جدا من النقد الحاد جدا وحتى السب والشتم، لكنه كان مؤمنا تماما بما يفعل، وهذا سر نجاحه وخلوده! ـ وبما اننا في الامارات.. أين الأغنية الخليجية لدى أنوشكا؟ ـ عندك حق والله، أنا فعلاً سأقدم أغنية خليجية ولكن كلماتها مصرية وسآخذ فقط الجمل الايقاعية واللحن التراثي المحلي وأعمل له توزيعا معاصرا لأنني بصراحة لا أكذب عليك، فاللهجة الخليجية من الصعب ان أغنيها كما يفعل الخليجيون وسيضحكون على طريقتي في النطق، لذلك سأضع الكلمات مصرية! ـ هل هذا من باب المجاملة كما يفعل كثير من المغنين والمغنيات.. أم ماذا؟ ـ أنت قلت انني أعولم الغناء والأغنية الخليجية تستحق ان تكون تجربة مهمة جدا في مشواري نظرا لتألقها وانتشارها في الآونة الأخيرة. ـ أخيرا.. وكفنانة تسكن العالم.. الى أين تتجهين بعد دبي؟ ـ حلوة تسكن العالم دي.. فعلا أنا سأسافر غدا الى تونس لتصوير فيديو كليب جديد لأغنية «عاشقاك» من كلمات مجدي كامل وألحان الفنان التركي ألتين شانتين ومن توزيع أحمد المهدي، وأنا أهتم جدا بالتوزيع الموسيقي مثلما كان يفعل ذلك الرواد، فقد بدأ عبدالحليم حافظ مع أندريا رايدر ونظرا لوجود بعض الارتباطات الفنية فإنني اخترت تونس لتصوير هذه الأغنية.