بيان الجمعة: شهدت السينما في أنحاء العالم شراكات ذهبية بين مخرجين وممثلين من فئة النجوم، مثل جوزيف فون ستيرنبرج ومارلين ديتريش، جون فورد وجون واين، انطوني مان وجيمس ستيوارت، مارتين سكورسيزي وروبرت دي نيرو من بين كثيرين غيرهم، لكن ربما كانت الشراكة الاكثر تميزاً هي تلك التي امتدت بين المخرج الياباني اكيرا كيروساوا ومواطنه الممثل توشيرو ميفوني او «الامبراطور» و«الذئب» كما أسمتهما اوساط السينما العالمية. فقد كان ميفوني نجم 16 فيلماً من أصل 30 فيلماً اخرجها كيروساوا كما ظهر في الكثير من الأفلام الاخرى التي وضع كيروساوا السيناريو لها. وفي المقبل من الايام بعد ذلك فان فيلمين فقط لعب ميفوني بطولتهما لم يكونا من اخراج كيروساوا «وهما «حياة اوهارو» و«التمرد». والفيلم الوحيد لكيروساوا الذي حقق انتشاراً عالمياً من دون ميفوني هو «اكيرو» عام 1952. كان الاثنان متشابهين ومتكاملين. فكلاهما كان مدمناً للعمل وكلاهما يتمتع بحضور بدني مهيب، والاثنان هما من أبناء الطبقة اليابانية الوسطى وينحدران من عائلتين تعيشان على الطريقة الغربية، تعرضت لازمات اقتصادية نتيجة لأوضاع اليابان بين الحربين العالميتين. من الناحية النفسية، كان المخرج اكيرا كيروساوا ارستقراطياً بالفطرة، اما الممثل توشيرو ميفوني فقد اختير في الستينيات من قبل جمهور السينما ليكون «اكثر اليابانيين يابانية». كما لقب المخرج بالامبراطور لاسلوبه الذي سيطر على المشهد السينمائي الياباني. اما ميفوني فلقب بالذئب لملامحه الشرسة ومشيته الصلبة والطريقة المتوثبة التي كان يجري بها المشاهد. ولد كيروساوا في طوكيو عام 1910 لمدرس العاب رياضية كان اول من اتخذ حوض سباحة في اليابان. وكان طموحه في البداية ان يكون رساماً الا ان السينما شدته اليها في عشرينيات عمره ليصبح عام 1937 مساعد مخرج في شركة توهو للانتاج. وبقي في الشركة عدة سنوات ليكتسب سمعة طيبة ككاتب سيناريو قبل ان يخرج اول فيلم له عام 1943. اما ميفوني فولد عام 1920 في منشوريا التي كانت تحتلها اليابان حينها لاب يعمل مصوراً. وفي المدرسة فاز بعدة جوائز لتفوقه في الكاراتيه ورمي السهام والمبارزة بالسيف. وحين تجنيده في الجيش عام 1940 استفاد من خبرته من العمل مع والده ليصبح مصوراً في القوات الجوية اليابانية. وقد جعلته وقاحته وملامح وجهه الشرسة يبقى في الصفوف الخلفية وبالتالي بعيدا عن مهمات التصوير القتالية في المواقع الأمامية. وحين تسريحه من الجندية عام 1946 مضى يبحث عن عمل كمصور في ستوديو توهو. وبدلا من ذلك اختير بين الوجوه الشابة ضمن برامج توهو لاختيار المواهب الجديدة. حينها كان كيروساوا قد رسخ نفسه كمخرج متنوع المواهب ذي مقدرة سردية واهتمام بالتفاصيل ووقع اختياره على ميفوني ليلعب اول ادواره في فيلم «اثر على الثلج». ثم عمل معه في أربعة افلام اخرى اظهرته بشخصيات رجل العصابات والشرطي والطبيب وضحية الفضائح، قبل ان يكتسب شهرته العالمية حينما اكتسح فيلم «راشومون» عام 1951 اوساط السينما، حيث فاز بجائزة الاسد الذهبي في البندقية. واستطاع هذا الفيلم ان يغير الصورة المأخوذة عن اليابان ويجعلها صاحبة فن سينمائي معترف به عالمياً، بل انه ادخل الى السينما العالمية عبارة «ظاهرة راشومون» وجعل من مخرجه ونجمه أصحاب شهرة تحلق في الآفاق. وعلى مدى الاعوام الخمسة عشر المقبلة حقق الاثنان نجاحاً متوسطاً الا انه كان مهماً على الصعيد المالي والفني حيث اخذا يعيشان حياة مترفة جداً. فكان ميفوني يركب واحدة من سيارتي رولز رويس اثنتين فقط موجودتين في طوكيو «الاخرى هي للامبراطور، الامبراطور الياباني الفعلي طبعاً». وأخذ سيل الاعمال السينمائية الرائعة يتدفق من ستديوهات طوكيو بقصص معاصرة او تاريخية مستمدة من الاعمال الكلاسيكية اليابانية والعالمية مثل أعمال شكسبير وجوركي ودستويفسكي وغيرهم. وقدمت افلام مثل «الغبي» و«الساموراي السبعة» و«عرش الدم» و«الحصن الخفي» و«العالي والخفيض» ادواراً وفرصاً للعب شخصيات تفوق ما كان يتوفر لنظرائه في الغرب. واعاد الاثنان صياغة سينما انسانية تتمتع في الوقت نفسه بالحركية والفكرية والرسوخ في الثقافة اليابانية مع الاحتفاظ بالجاذبية العالمية. ولم يتوقف الاثنان عن التعلم من الاخرين لكن من دون التقليد ابدا بل ان جيلاً جديداً من المخرجين في الغرب قد تعلموا الكثير من اعمال هذا الثنائي الياباني، مثل آرثر بين وسام بيكنباه وسيرجيو ليوني. لكن الحياة الفنية للاثنين بدأت لاحقاً في أواسط الستينيات تهتز مع تهاوي حالة صناعة السينما اليابانية. ودخل كيروساوا مغامرتين اجنبيتين فاشلتين في هوليوود حين اخرج «قطار الهرب» و«تورا! تورا! تورا!». والثاني هو سرد لملحمة بيرل هاربر والتي تم تشخيص حالته اثناء انتاجها بالجنون سريرياً. وفي عام 1972 حاول الانتحار، لكنه تعافى لاحقا ليعمل على سلسلة من الأفلام ذات التمويل الخارجي كان افضلها الفيلم السوفييتي التمويل «درسو اوزالا». وكان انصاره الرئيسيون في عالم السينما هم الجيل الجديد الذي سيطر على هوليوود مثل كوبولا ولوكاس وسبيلبرج وسكورسيز والذين ساعدوه بتمويل فيلمه «ران» المقتبس من شكسبير في غضون ذلك، اسس ميفوني شركته الخاصة للانتاج السينمائي وحاول ان يوجد لنفسه شخصيته الفنية المستقلة عن شريك عمره الفني كيروساوا لكنه أخذ ينتقل من فيلم عادي لاخر عديم النجاح. وبدأت شركته تعاني من المصاعب المالية قبل ان يطلق زوجته من أجل الاقتران بممثلة شابة وهو ما جعله مادة دسمة تلوكها الصحافة الصفراء. وغالباً ما كان في تلك الفترة يتحدث عن معاودة العمل مع كيروساوا لكن «الامبراطور» لم يعاود ابداً أخذه مأخذ الجد ثانية بعد أواسط الستينيات. وكان ميفوني يشعر دوماً بانه يعيش في ظل كيروساوا حتى أنه قال لصحيفة امريكية عام 1984: «لماذا لا تسمونها مسلسل كيروساوا؟ لم انتج اي عمل يستحق الذكر بعيداً عنه». وحتى الموت كان جامعاً بين الاثنين فقد توفيا بفارق تسعة شهور فقط بين الواحد والاخر. وكان الباديء بالرحيل هو ميفوني الذي توفي بالزهايمر في ديسمبر عام 1997 عن 77 عاماً ولحق به كيروساوا في سبتمبر عام 1998 مشلولاً بعد سقوطه وكسر ظهره. الا انه تابع الكتابة والاخراج في عمل تلفزيوني له وهو على كرسي العجلات.