بيان الجمعة: يصف علماء الآثار حضارة الهرابانيين التي ازدهرت في وادي السند بأنها أكبر الألغاز التي لاتزال قائمة في العالم حتى اليوم وخصوصاً فيما يتعلق بكتابتها ، التي يعتبرونها العقبة الاكبر التي تواجه مختصي فك الشيفرة منذ فك رموز الكتابة الهيروغليفية الفرعونية في القرن التاسع عشر. فيما يصفها البعض بأنها التحدي الآخر الأكبر امام هؤلاء الاختصاصيين منذ فك شيفرة اللغة السرية التي استخدمتها الالة العسكرية الألمانية النازية في الحرب العالمية الثانية. فمنذ اكتشاف كتابة الهرابانيين على يد هاو بريطاني للآثار في عام 1872، وهو الكسندر كاننجهام، داخل حدود دولة باكستان الحالية، لم يتمكن احد من فك رموزها. وعلى الرغم من البحوث المكثفة والمضنية والمزاعم المتكررة من جانب اختصاصي الشيفرة بأنهم قد فكوها لم يتمكن احد من قراءة جملة واحدة بشكل مقبول حتى اليوم. غير أن هذا لا يعني ان الهرابانيين هم قوم مجهولون تماماً بالنسبة لعلماء الآثار اليوم، فقد كشفت اعمال التنقيب عن ملامح لقوم اصبحت خصائصهم الى حد ما معروفة، اذ تشير حماماتهم المتطورة وتمديدات المياه المتقدمة لديهم الى انهم قوم لديهم هاجس النظافة. كما كانت نساؤهم يحرصن على تزيين شعورهن واتخاذ زينتهن من المجوهرات والحلي. فيما تشير التماثيل المكتشفة الى ان رجالهم كانوا يعتنون بتشذيب لحاهم وتمشيطها وحلق شواربهم. أما فخارياتهم فتحمل دلالات على أنهم ربوا الكلاب واستخدموا لها الأطواق في رقابها، كما ربوا الدواجن في الأقفاص. الى جانب صنعهم الدمى للأطفال وتماثيل للابقار والقرود للمرح. غير أن كتابتهم هي التي تسترعي الاهتمام الاكبر من جانب العلماء. فبعد 4 آلاف عام من نقش الهرابانيين لكلامهم على الحجر والطين والمعدن لاتزال هذه الكتابة عصية على كشف معاني رموزها، كما اكتسبت هذه الحضارة مزيدا من الاهتمام نتيجة استخدام الكمبيوترات المتطورة في محاولة فك الكتابة والأدلة الأثرية المثيرة للاهتمام التي لا تلبث ان تكشف تباعاً في الهند والباكستان. ويقول المهتمون ان من سينجح في فك رموز هذه الكتابة سيكون المحظوظ الذي سيضمن لنفسه الشهرة والثروة بعقود النشر المربحة وجولات المحاضرات في الجامعات حول العالم والبرامج الوثائقية التلفزيونية. غير ان هذه المغامرة ليست لضعفاء العزيمة. اذ ان عشرات من اعظم العقول قد حاولت وفشلت. كما ان عشرات غيرهم من ادعى نجاحه في فك هذه الكتابة قد تبين انه اما يضلل نفسه او انه دجال. ويقول المدير السابق لمركز البحوث الاثرية الهندي ان هذه المهمة هي تحد كبير للعقل فعلاً، اذ ان بحوثاً هائلة قد أجريت سابقاً من دون نتيجة تذكر. ومع ان الامر ليس مستحيلاً الا انه صعب جداً. ان احداً ما سينجح ذات مرة فليس لديه شك كبير في ذلك. بدأت القصة المعاصرة لهذه الحضارة عام 1856 قبل عام واحد من انتفاضة العسكر الهنود على الحكم البريطاني وشركة الهند الشرقية في شبه القارة الهندية. وفيما كان مهندسان بريطانيان يعملان على مد خط حديدي في البنجاب عثرا على آثار مستوطنة قديمة مبنية بكاملها من القرميد. كانت تلك مدينة هرابا القديمة. وبالتالي اعطت المدينة اسمها لحضارة اهلها التي ازدهرت بين عامي 3000 و1500 قبل الميلاد في وادي نهر الهند في الباكستان وما بعده. حفريات التنقيب واحتاج الامر حتى عام 1921 حيث بدأ عالم الآثار البريطاني جون مارشال حفريات التنقيب في الموقع لتتكشف لنا أهمية هذا القرميد الدفين الذي كان المهندسان المذكوران قد فرطا بالكثير منه لاستعماله في مد الخط الحديدي. ومن بين تلك الاطلال انبعث ما ترى بأنها اول حضارة ذات أهمية في جنوب اسيا. وزادت اهمية العام التالي حين اكتشاف مدينة موهنجو دارو التي تعتبر أهم مدن الحضارة الهربانية حيث سكنها حوالي 45 ألف نسمة في أوج ازدهارها. وقد شكلت هذه الحضارة في هرابا وموهنجو دارو مركز المجتمع المعاصر للحضارة الفرعونية وحضارة وادي الرافدين ومع انها لم تبن اهرامات او ابا الهول إلا أن حضارة هذا الوادي كانت على القدر نفسه من التطور الذي حققته الدولة الفرعونية الاولى في وادي النيل وامتدت على مساحة اوسع بكثير منها. ويعتقد البعض ان الهرابانيين هم على صلة نسب بالآريين ذلك الشعب القديم الذي اعطى الاصل لأهم اللغات الاوروبية المعاصرة. فحتى وقت قريب كان الاجماع هو عدم صلتهم بالآريين لعدم توفر ادلة على انهم عرفوا ركوب الخيل، تلك الحيوانات التي عشقها الآريون. لكن اثاراً للفروسية عثر عليها في عدد من المدن الهربانية اما سبب عدم كشف الكثير من بقايا البشر فهو أنهم كانوا يحرقون موتاهم على نحو ما يفعل الهندوس اليوم. اما أفضل مستوطنات الهرابانيين حالاً اليوم فهي دولافيرا الموجودة في ولاية جوجارات الهندية الغربية. وتغطي اثار دولافيرا التي اكتشفت في الستينيات مساحة 50 هكتاراً من الاراضي شبه القاحلة والخاوية من الحياة باستثناء بعض الطيور الموسمية. ولا عجب ان هناك تخوفاً اكبر اليوم من إعادة بناء الدمار الذي خلفه زلزال جوجارات الضخم في يناير 2001 وخلف 20 ألف قتيل. ذلك ان آثار دولافيرا دفينة في مكان ما حول البلدة التي أعطتها اسمها قريباً من الموقع. وتشير آثار دولافيرا بتحصيناتها الحجرية وأنظمة تخزين وتوزيع المياه بأنها كانت ذات مجتمع متطور مبني على أسس سياسية واقتصادية راسخة وحسنة التنظيم كتلك الأسس التي تحمل جدرانها. ومن أهم المكتشفات فيها الى جانب قلعتها مكان اشبه بالاستاد ربما كان مكاناً للتجارة الى جانب كونه مكاناً للاستعراضات الرياضية والعسكرية.