بيان الجمعة: تتخذ حرب فيتنام التي انتهت بهزيمة امريكا مع سقوط سايجون في ابريل من عام 1975، صورة ضبابية في اذهان الامريكيين. فقد كانت حرباً انهزم فيها اكثر الجيوش ثقة وتطوراً من الناحية التقنية في العالم امام جنود من المزارعين المجهزين بالحد الادنى من العتاد العسكري. جاء الامريكيون الى جنوب شرق آسيا يحملون اقراص الفيتاميات والمؤن وعتادهم العسكري المتطور ونواياهم الحسنة، كما كانوا يدعون. واعتقدوا انه كان ينبغي عليهم ان ينتصروا وانهم كانوا قادرين على ذلك. وجاء بصحبتهم عدد كبير من المراسلين والمصورين الصحافيين. فقد كانت فيتنام منطقة اختبار للصحافيين. ودخل المصورون ساحة القتال مع القوات الامريكية وحلفائها من الفيتناميين الجنوبيين، وعادوا من الميدان بصور قوية على افلام قدر لها ان تصبح رموزاً كلاسيكية لفظائع الحرب، وقتل الكثيرون منهم أو جرحوا وهم يستكشفون بكاميراتهم الموت والمعاناة من حولهم، وكان الجيش الامريكي المقاتل في فيتنام يريد من الصحفيين ان يكونوا الى جانبه. ولكنه مع ذلك منحهم الحرية وامكانية الوصول غير المقيدة الى ساحة المعركة، حتى بعد ان اتضحت الروح المستقلة للصحافة ويعتقد البعض في الجيش الامريكي ان هذه الحرية غير المقيدة للصحافة قد ساعدت في خسارة امريكا للحرب، وظن هؤلاء ان الصور القاسية التي التقطها المصورون للقتال العنيف وللضحايا المدنيين كانت تغذي النار المناهضة للحرب في الولايات المتحدة، وفي الواقع ان الصحفيين الغربيين، باستثناءات نادرة، لم يستطيعوا ان يغطوا الجانب الشيوعي من الحرب بأي درجة من العمق على الاطلاق. ومن خلال مقابلة اسرى الحرب، حصل هؤلاء الصحفيون على مقدار ضئيل من المعلومات عن مقاتلي الفيتكونج والجنود الفيتناميين الشماليين، ولكن لكونهم جزءا من الصحافة الرأسمالية فإن الشيوعيين لم يسمحوا لهم بدخول مناطقهم، وكان جانبهم من الحرب غير مرئي بالنسبة للكاميرات الغربية. وفي معظم الوقت، كان كل ما يشاهده الصحفيون الغربيون من الفيتكونج والجنود الفيتناميين الشماليين هو جثثهم المتناثرة في ساحة المعركة. وكانت هناك اعداد كبيرة منهم بحيث يصعب احصاؤها ولم يكن بامكان الصحفيين ان يميزوا ملامحهم التي تغطيها الدماء والطين، وظلوا بالنسبة لهم كالاشباح في الظلام، ولكن شأن القوات الامريكية، تعجب الصحفيون من تحمل هؤلاء المقاتلين الذين واجهوا بشجاعة قوة النيران المرعبة لاقوى آلة عسكرية في العالم، فقد كان التفاوت بين القوة العسكرية الامريكية، والجانب الشيوعي الفيتنامي هائلاً ويمكن وصفها بأنها كانت حربا بين الذبابة والفيل. من كان هؤلاء الآسيويون الذين خرجوا من خلال الغابة غير عابئين بالطين والرياح والمطر، لقتال الامريكيين، والذين زحفوا الى الامام تحت قصف الطائرات بي ـ 52 الامريكية، والذين اجتاحوا السفارة الامريكية في سايجون والذين اخترقوا سياج الاسلاك الشائكة للقواعد الامريكية وقذفوا متفجرات داخل الخنادق؟ لقد تحملوا خسائر بشرية هائلة في القتال. وعندما كانوا يصابون كانوا يتلقون رعاية طبية بدائية في حين ان الجندي الامريكي لم يكن ابداً على مسافة ابعد من مسير نصف ساعة بالمروحية عن احد المستشفيات الميدانية، وكانت حصصهم الغذائية كرات من الارز. وعاشوا في الادغال وفي انفاق تحت الارض في جميع الاجواء الحارة والباردة والرطبة والادهى من ذلك هو انهم ظلوا مفصولين عن عائلاتهم واحبائهم لسنوات، لقد بدوا للجنود الامريكيين العاديين وكأنهم رجال خارقون. ولكنهم كانوا شأن الامريكيين، مجرد رجال لكل منهم ذراعان وساقان وعقل وقلب، والفرق الوحيد هو انهم كانوا يعرفون بشكل افضل كيف يتحملون الصعاب، وكان الجندي الفيتنامي الشمالي يستغرق خمسة اشهر في بعض الاحيان للانتقال من هانوي في فيتنام الشمالية الى ساحة الحرب الواقعة الى الشمال من سايجون، وكان الجندي يحمل اثقالا كبيرة من الذخيرة على كتفيه فوق التلال والجبال المغطاة بالغابات وتحت قصف متواصل. الكثير من مقاتلي الفيتكونج والجنود الفيتناميين الشماليين احتفظوا بمذكراتهم وكتبوا شعرا في كراسات صغيرة حول رحلتهم وصراعهم اليومي، لكن الامريكيين كانوا ينتزعون تلك الكتب من جثثهم لاستخدامها كدعاية مضادة لتثبيط عزيمة المقاتلين الفيتناميين. لم يكن جميع الفيتناميين الذين قدموا الى ساحة المعركة مقاتلين، فقد كان من بينهم مصورون وصحفيون جاءوا بهدف الكتابة عن الحرب، ولكن من وجهة نظر شيوعية والفرق بينهم وبين الصحفيين الغربيين، هو ان الفيتناميين كانوا جزءاً من نضال تحرري. وكانوا يقومون بواجبهم من خلال تصوير الحرب التي يخوضها رفاقهم ضد الجيش الامريكي، وكانت السلطات الشيوعية تسيطر على وسائل الاعلام سيطرة تامة لوعيها بقيمتها الدعائية، ولهذا فإنها لم تكن تسمح بنشر صور إلا تلك التي اعتقدت بأنها ستساعد المجهود الحربي، وشأن الجنود فإن هؤلاء الصحفيين الشجعان كانوا يقصفون بقاذفات الـ بي ـ 52 والطائرات النفاثة والمدفعية. لقد نجح هؤلاء الشجعان بأدواتهم البدائية وفي كل الظروف القاسية في نقل صور المعاناة على الجانب الشيوعي بواقعية استثنائية وبعض الصور التي التقطوها نشرت في الصحف والمجلات، بينما تم تجاهل البعض الآخر من قبل السلطات الفيتنامية انذاك، واسماؤهم لم تعرف كلها، فالاسم لم يكن يهمهم مقابل خدمة الهدف الوطني وهو تحرير البلاد من الغازي الامريكي. لقد انتهت تلك الحرب التي اودت بحياة مليون شخص، ولكن ما تبقى منها هو تلك الصور التي التقطها مصورون شجعان والتي تظهر كيف استطاع جيش ضعيف العتاد من الفلاحين ان يحارب ويلحق الهزيمة بأقوى جيش في العالم على الاطلاق. ضرار عمير