بالرغم من وفاته قبل مئات السنين، الا ان «المتنبي» يأبى الا ان يكون دائماً مضرب الحكمة والامثال في شخصه وشعره، وبمجرد ذكر «الحكمة» فان المتنبي، يصبح رديفاً لها لانه شاعر الحكمة وحكيم الشعر، وهو عبقري الكلمة والتفكير، واستطاع بالفعل ان يعيش زمانه وزمان غيره بفضل أبيات شعره التي ستظل تفوح منها اروع روائح الحكم والامثال مادامت الحياة تنبض على هذه الارض.. .. المتنبي لم يكن شاعراً بليغاً فقط بل كان عبقرياً بما تعنيه الكلمة، ولا ابلغ من التدليل على عبقريته من ذلك البيت الشعري الرائع الذي يقول فيه: واذا اتتك مذمتي من ناقص. فهي الشهادة لي بأني كامل. ولا تكمن روعة هذا البيت في معناه الغزير، وامكانية استخدامه كقول مأثور فقط، بل تجلت فيه ايضاً عبقرية هذا الشاعر حيث وضع من خلاله رداً مناسباً لكل من يفكر في انتقاده دون وجه حق، وبالتالي فانه بذكائه استطاع ان يخرس كل فاه ضده في حياته حتى وبعد وفاته بمئات السنين!! .. وفي الوقت الذي نجد فيه صعوبة تكرار شخصية «المتنبي» وحكمته النادرة، نجد رواجاً وزيادة في اعداد الذين يمكن ان نطلق عليهم «المتحكمين» او «المستحكمين» وهم ببساطة من مدعي الحكمة، وهؤلاء منتشرون في كل مكان وزمان، يلفون على انفسهم عباءة الحكمة، ويخفون في داخلهم اشد انواع الجهل، يحاولون التعلق بالقشور فيحفظون الامثال ويقرأون العبر والحكم والاقوال المأثورة ويرددونها، لكن دون ان يدركوا معانيها، ودون ان تتسلل اي ذرة مما يرددون في شخصياتهم، فهم دائماً يقولون مالا يفعلون، بل احياناً عكس ما يفعلون تماماً.. هؤلاء اقرب الى الببغاء او ذلك الذي يحمل على ظهره اسفاراً!! ومن اجل ذلك قالوا قديماً، «خذوا الحكمة من افواه المجانين» واعتقد انهم ادركوا انه سيأتي زمان يصبح فيه كل من هب ودب حكيماً، وبالتالي فلا جرم ان تخرج الحكمة حتى من افواه المجانين!! .. الحكمة اصبحت اليوم جلباباً واسعاً يستطيع من يشاء ارتداءه بسهولة ويسر ليس مهماً درجة الثقافة، ولا يهم التحصيل العلمي، ولا تهم المؤهلات الذاتية والعقلية والشخصية، المهم فقط التحدث في كل الاوقات، وفي كل المواضيع، وتحت اي ظرف وفي كل مناسبة او دون مناسبة، والاهم من ذلك حفظ «كم من حكمة على كم قول مأثور»، وعدد من ابيات المتنبي!! .. والغريب ان الحكمة من افواه المجانين اصبحت اليوم شيئاً طبيعياً فلم تعد هي بذاتها حكراً عليهم فقال الاطباء النفسيون «خذوا الفن من رسوم المجانين».. وذلك بعد ان لاحظ الاطباء شاباً في الرابعة والعشرين من عمره يعمل بالمهن الحرة، ويتعالج في احدى المصحات النفسية شعوره بالعدوانية تجاه الجميع، فهو يخشى الجماعات، ويفضل البقاء وحده، وفي محاولة لاكتشاف ما تحمله اعماق هذا المريض طلب منه الطبيب ان يعبر عن مشاعره بالرسم على ان تكون الصورة التي يرسمها ذات دلالة خاصة له.. ولما كان الشاب يعلم انه صاحب موهبة في الرسم، فقد وجدها فرصة للسخرية من الجماعة بأسلوب فريد، فرسم صورة اطلق عليها اسم «الجماعة»، وقد مثل الجماعة بمخ عجيب ذي رؤوس عديدة وجسم واحد اشبه بالوعاء الكبير ولكنه اجوف فارغ.. .. هذه الرؤوس العديدة تمثل من وجهة نظره افراد ذلك المخ الفارغ، وقد حملتها اعناق طويلة ملتوية، وقام بوضع عصابات على الاعين وذلك تعبيراً عن انهم وضعوها بأنفسهم للخداع والتضليل، وهي تحجب عنهم رؤية الحقيقة لكنها لا تمنعهم من اختلاس النظر من ورائها لهتك اسرار الآخرين، اما الاذان فكلها صماء لا تسمع الحق لكنها تحاول ان تنخلع من مكانها لكي تلتقط كلمة عن سيرة الناس، وتتحرك في كل اتجاه بحثاً عن فضيحة او إشاعة، والافواه مفتوحة بعضها يأكل وبعضها يسخر، وبعضها يلعق في جراح الآخرين، وبعضها الآخر يلوك سيرة الناس، لكنها جميعها مفتوحة!! .. الغريب ان الرسام قد تعمد عدم رسم الانوف، فجميع الوجوه بلا انوف ولعله قصد بذلك ان يقول ان الجماعة ليست لها انف تشم به رائحة ما تفعل!! ولا شك انه قد وصل بذلك الى قمة التعبير عن السخرية الممزوجة بالمرارة.. وفي النهاية نعود الى مدعي الحكمة ونذكرهم بهذا الدعاء علّهم يفقهون منه شيئاً قبل ترديده: يارب ساعدني على ان اقول كلمة الحق في وجه الاقوياء، والا اقول الباطل لأكسب تصفيق الضعفاء.. يارب اذا اعطيتني مالاً فلا تأخذ سعادتي، واذا اعطيتني قوة فلا تأخذ عقلي، واذا اعطيتني نجاحاً فلا تأخذ تواضعي، واذا اعطيتني تواضعاً فلا تأخذ اعتزازي لكرامتي.. يارب علمني ان احب الناس كما احب نفسي، وعلمني ان احاسب نفسي كما احاسب الناس، وعلمني ان التسامح هو اكبر مراتب القوة، وان حب الانتقام هو اول مظاهر الضعف.. يارب اذا اسأت الى الناس فاعطني شجاعة الاعتذار، واذا اساء لي الناس فاعطني شجاعة العفو..