بيان 2: الزائر الى تونس يكون دائماً على موعد جميل مع رحلة تاريخية في عمق الثقافة والاصالة والعراقة والكرم ـ رحلة لا يملك ازاءها الا ان ينتقل الى عهود ولت وازمان ذهبت ولابد له ان يعيش خارج الزمن. في تونس ليس من السهل تقديم وصف معين للطبيعة هناك، بل ان كل منطقة وكل موقع في تلك البلاد يتسم باجواء وخصوصية لا تتوفر لغيره. فتونس مثل حسناء قد اكتمل جمالها تتأمل حسنها في بحيرة، ماؤها زمردي، تنتقل في زورق جميل بين الهضاب الخضراء وسفوح جبال، جاءت تحكي اجمل الحكايات عن ماض ولى وبحب كبير تتحدث عن مستقبل آت. فالاشكال والاحجام وكذلك الالوان تتناغم في مدينة تونس كألحان رائعة وقباب مبانيها ايقاع وسطوحاتها تقاسيم والظلال سكون وراحة وعطور القدم طرب وانتشاء. انها تركيبة حية من الحجارة التي تحكي والاصوات التي تنادي والحركات التي تخلد ذكرى القديم، انها كنوز دفينة يعثر عليها الزائر في كل ركن من اركان مدينة تونس العتيقة فلا يسعه الا ان يدفع باباً من تلك الابواب التي تعلوها شبابيك مقوسة ومزينة بمسامير نحاسية ليدخل داراً من الديار التي حافظت على شيء من روح سكانها السابقين ليرى ما تزخر به من اوان منزلية وملابس واثاث قديم معروض في اطاره الاصيل. وعلى بعد عشرين كيلومترا على الاقل من الشواطئ الخلابة والقرى الجميلة التي لا تعرف الا الحيوية تقع «حلق الداوي» بحصنها الصامد منذ القرن السادس عشر، و«صك مبو» بموانيها البوينقية ومثيلاتها الناصعة البياض وحدائقها الغناء. موقع محمي وتعد قرية «سيدي بوسعيد» اول موقع محمي في العالم والتي يعود تأسيسها الى القرون الوسطى وتقع في اعالي المنحدر الصخري المطل على قرطاج، وعلى مدى الطرقات المبلطة بالحجارة يتكشف للزائر التشابك الجميل للمنازل المكسوة بالجير الابيض وبالمشربيات التي تزينها شبابيك ذات اللون الازرق وتتفتح الابواب المتينة المسمّرة على حدائق داخلية فرشت ارضيتها بالخزف وتكسو الجدران المحيطة بها نبتة البوغايفني اما سوسة جوهرة تونس فانها تتربع على ضفاف البلاد الشرقية التي تفرش للزائر بساطاً زمردياً تداعبه زرقة البحر عند كروم «قرمبالية» الى جنان «الحمامات» الى زياتين الساحل حتى مشارف الصحراء. وتحتل سوسة المرتبة الثالثة بعد العاصمة وصفاقس ولاتزال محافظة على مجدها الحضرمي الاصيل بأبنيتها المتحدة. اما «المنستير» فهي «روس بينا» القديمة التي اختارها يوليوس قيصر لتكون درعاً لجيوشه في حربه الافريقية، فقد كانت هذه المدينة محصنة بثلاثة اسوار صماء مازالت بعض اثارها باقية الى اليوم، وازدادت اهمية المنستير العسكرية بتشييد دولة الاغالبة الرباط . والرباط عبارة عن دير وضعه مصمموه ليكون مأوى للمتصوفين وحصناً عسكرياً معداً لحماية البلاد من هجمات الغزاة القادمين من البحر. اما المهدية فعندما هاجر عبيد الله المهدي رقادة وانهى حكم بني الاغلب قرر اختيار عاصمة جديدة للدولة الفاطمية فاختار موقع رأس افريقيا وهي شبه جزيرة منيعة واتخذ لها اسم المهدية وشيد الاسوار حولها وانشأ ممراً جعله مدخلاً محصناً بباب ضخم لقبه بـ «السقيفة الكحلة». فرصة مهمة وفي جنوب البلاد التونسية فإن زيارة مطماطة تعد فرصة مهمة للتعرف على معمار فريد ومطماطة كانت قديماً حصن المقاومة البربرية والبيوت هنا على شكل كهوف ذات مستويين نفق يقود الى نوع من البئر حفرت على جوانبها غرف للسكن والتخزين، اما على طول الممر الصغير فحضرت الاسطبلات ومستودعات آلات الفلاحة، ويفضي الممر الى بهو المنزل على شكل حصن مستدير تفتح فيه الغرف ابوابها، وهذه البيوت لا يمكن الوصول اليها الا عبر تسلق الجبال. اما القصور البربرية فانها تعد شاهداً على براعة الانسان البربري في تنظيم اجتماعي يتأقلم مع الفصول والازمات والتحولات الاجتماعية والمناخية، والقصر هو بناء ضخم مربع الشكل مكون من مجموعة من الغرف في شكل خلايا مرصفة طباقاً، ويتم في هذه العصور تخزين المؤونة، كما انها تمثل حصنا ايام انعدام الامن عندما كانت القبائل تهاجم بعضها البعض وساحة للمعاملات التجارية. واجتماع الرجال وتبادل الاخبار والمعلومات. وفي الجنوب ايضاً «شط الجريد» والشط هو مساحات شاسعة من البحيرات الجافة التي تكلست على سطحها مرآة من الملح. اما النساء هناك فإن اناملهن السحرية تحول الالوان الى روائع. اياد تغزل وتنسج الصناعات التقليدية. ويحتضن الجنوب التونسي ثلاثة انماط من اللوحات متباينة، ومتخالفة ومتكاملة فهناك واحات الصحراء وواحات الجبال ثم الواحات البحرية، وتتربع الواحات على قمم سلسلة من الجبال لتشكل مشهداً فريداً من نوعه. وتعد منطقة «قابس» مكاناً فريداً في العالم فعلى ارضها يتعايش النخل المنسوب الى الصحراء بالبحر الازرق وفي قابس تمتد واحات النخيل فتتناغم خضرة الواحات بزرقة البحر. وفي الشمال حيث نقاء الهواء وصفاء البحر تقع الرأس الطيب حيث عانقت حدائقها البحر ففاحت بعطر الورد والياسمين والفل والزهر مع باقة الحمضيات وعناقيد العنب وعراجين الرمان لتكون عبق فردوس تونس. هذه الفردوس اطلق حورية تسمى «الحمامات» ويقف سوقها العتيق الذي تحيط به الاسوار ويحرسها برج قديم يرجع تاريخ تأسيسه الى القرن الخامس عشر يعج بأجمل الصناعات التقليدية والعطور المحلية، ومثلها منطقة «نابل» التي تعد اليوم من اقطاب السياحة في تونس. ولا ننسى بنزرت وطبرقة وهي مدن تقدم للزائر باقة بديعة من المساجد والاسواق والمنازل وشوارعها الملتوية المتشابكة ينتهي المطاف به الى المرفأ القديم بمقاهيه الطريفة وقواربه حيث الحركة لا تنقطع.