من القصص التي فتنت بها قصة قصيرة للدكتور شكري عياد الذي عرفه الناس ناقدا أكثر مماعرفوه قاصا. وكانت القصة تحكي عما بعد الغروب أي تلك الأيام التي يعيشها موظف كبير في حالة التقاعد. وقد أصبح من نظام يومه أن يجلس في الشرفة يرقب الغروب ويقرأ الصحف. وذات يوم يغمغم: لا حول ولا قوة الا بالله. لقد مات فلان! وتسأله زوجته: ومن فلان هذا؟ ولا تعرف ان هذا الرجل ربما كان أهم شخص في حياة زوجها. فلقد كانا زميلين في الدراسة. احدهما يجئ ترتيبه في نهاية الامتحان الأول والآخر الثاني. والتحقا بنفس الكلية وكانت كلية الهندسة، وظلا يتنافسان على الأولوية، ولكن صاحبنا خرج في مظاهرة وطنية، ففصلته الجامعة لفترة دراسية «تيرم» وهكذا سبقه الاخر بنصف عام. ومع الأيام تحول احساس التنافس الى شئ أقوى من هذا الاحساس. وسبقه الآخر في التخرج، وسبقه في التعيين، وسبقه في الترقي ثم اتته فرصة ليعمل في وظيفة هامة، فكان صاحبنا يتابع أخباره في الصحف، بل يتأمل صوره ويحاول أن يعرف ثمن ملابسه. وحتى لو لم تكن لك معرفة بفن القص ستعرف أن الكاتب ينهي القصة بموت صاحبنا، ملمحا أن حياة هذا كانت مرتبطة بذاك. ولا تتسرع ياعزيزي القارئ فتقول ان هذا حسد من شخص لزميله أو تقول انها قصة كراهية، فصاحبنا انقى من أن يحمل الكراهية ثلاثين عاما أو أربعين. انها ظاهرة في حياة كل منا. فهناك من يساعدونك®. ومن يحبونك وهناك أيضا من يتنافسون معك، وهذا يبدأ من الظلم الشديد الى الامتعاض. الآخر هنا شخص ليس معك لكنه وتد في حياتك يحمل خيمتك على غير رضا منك. أتوهم أن حافظ ابراهيم كان نفسه شيئا من هذا تجاه أحمد شوقي. فلقد كان الناس يقولون: شوقي وحافظ، ولم يقل أحد: حافظ وشوقي، وكان حافظ يقول في سخرية، أنا وشوقي مثل زفتى وميت غمر، وهما مدينتان متلازمتان ولم يقل أحد ابدا: ميت غمر وزفتى. ومن الطريف - اذا كان حقا طريفا - انه بعد وفاة شوقي وحافظ وقد ماتا في عام واحد، قامت احدى شركات التدخين بصناعة نوع من السجائر اطلقت عليه اسم شوقي وباعت العلبة بأربعة قروش ونصف، وقامت أيضا بصناعة نوع اخر اطلقت عليه اسم حافظ وباعت العلبة بثلاثة قروش ونصف. أي ان تمييز شوقي على حافظ استمر حتى بعد الموت. وكنت أظن أنني أخلو من هذه الصفات التي تصيب النفس الانسانية، فأنا من الراضين بحياتهم، أقبل يدي ظهرا ببطن شاكرا نعم الحياة الكثيرة. ولكنني منذ أيام قليلة اكتشفت انني مثل غيري أملك حياة فيها هذا الآخر ربما لم يكن بنفس الشكل الذي صوره شكري عياد ببراعة مذهلة، لكن بالتأكيد هناك آخر. وكان اكتشافي عندما اتصل بي الصديق الشاعر الكبير بهاء جاهين ابن الصديق الشاعر الكبير صلاح جاهين واخبرني بوفاة الكاتب ثروت اباظة بعدها بساعتين. صدمني حزن هائل جعلني عاجزا عن أي شئ سوى النظر في الفراغ ثم اكتشفت في لحظة أن ثروت اباظة كان الآخر في حياتي، أو على الأقل كان واحدا منهم. وكان أول صدام بيني وثروت اباظة في عام 1971 عندما تقدمت الى جائزة الدولة عن التلفزيون، وعندما أغلق باب التقديم وعرفت من قدم فيها نمت في العسل كما يقولون ليقيني أنني سأحصل عليها. ولكن ناقدا كبيرا - الآن - نبهني الى أن الأمور لا تجري كما أتوهم، وان اللجنة تميل لاعطاء الجائزة الى شخص اخر لأسباب لا علاقة لها بالمستوى. وخرجت المناقشات الى الشارع على غير العادة. وانسحب من اللجنة عبدالرحمن الشرقاوي. وناصرني يوسف أدريس وعبدالقادر القط وسعد الدين وهبة. أما الجبهة الأخرى فتزعمها ثروت اباظة. وقابلني في الطريق وأظن أن ذلك امام معهد الموسيقى العربية القديم الذي يعتبر تحفة معمارية جميلة. وقال لي في شجاعة: - ياأخي الرجل في الستين وأنت مازلت شابا وأمامك الفرص كثيرة. ولم أهضم له هذا المنطق، وان كنت أعجبت بصراحته. وتصاعد الصراع داخل اللجنة الى حد أن يوسف السباعي تدخل واعطى جائزتين في هذا الفرع لأول وآخر مرة. وبعدها خرجت من مصر لأعمل أربعة أعوام متفرقة في الخليج وكنت كلما قابلت ثروت اباظة أقول له أنه أحد الأسباب الخمسة لخروجي من مصر. فكان يطلق ضحكة عالية ويقول: أشكرني ياأخي، فلقد وفقك الله. وفي تلك الفترة كتبت قصة بعنوان عفت ظاظا كاتبا هي هجائية شديدة في ثروة اباظة. وبعد نشرها خجلت من نفسي، وتمنيت الا يقرأها، لكن كاتبا معروفا قصها من الجريدة وأرسلها له بالبريد. وذات مرة قال لي ثروت اباظة: انت تملك موهبة في فن الهجاء، لم لا تقوم بكتابة مجموعة قصصية في هذا المجال؟ وادركت انه تأنيب خفي على القصة التي كتبتها عنه. - وفي التسعينيات كانت قد تراكمت الخلافات حتى جعلت كلا منا الآخر لصاحبه. وعندما كانوا يجرون بروفات مسرحية مااجملنا ولم يجدوا مكانا سمح لهم ثروت اباظة باستخدام مسرح اتحاد الكتاب وكان رئيسا له لنحو ربع قرن. وقابلني صدفة فقال لي: أترى اعزازي لك لقد سمحت لهم بالقيام ببروفات مسرحيتك في الاتحاد رغم انك شيوعي!! وكان ثروت اباظة يوزع على من يختلف معهم تهم الشيوعية والناصرية والوجودية والالحاد. ورغم اتهامه الذي لم أرد عليه الا انه نقل التهمة بعد فيلم ناصر 56 الى الناصرية. وكنت قبل اتهام ثروت اباظة أرفض هذه التصنيفات، وعندما يسألني أحد هل أنا ناصري كنت أجيبه انني محب لجمال عبدالناصر ومنحاز لمبادئه ولي آراء فيما حدث في زمنه وأرفض مارفضه هو في حياته وهو مصطلح الناصرية! ولكن بعد هجوم ثروت اباظة واتهامي بالناصرية صرت أجيب: نعم ولي الشرف! وللحق كنت أقرأ بعض الحب في ثروت اباظة تجاهي، ليس فقط لأنه كتب اخر مرة يمتدحني لولا ناصريتي! وهو ماكتبه ايضا الدكتور عبدالعظيم رمضان، ولكن لأنني كنت اقرأ الرجل من نظراته وكلماته وسلوكه. وذات مرة أراد سعد الدين وهبة أن يقوم بانقلاب على ثروت في اتحاد الكتاب، فطلب مني مجموعة من الكتاب المختلفين مع ثروت اباظة دخول انتخابات مجلس الادارة. وتقدمنا للترشيح ونجح منا: صبري موسى، وبهاء طاهر، وفاروق خورشيد، وجمال الغيطاني، ووحيد حامد، وكاتب هذه السطور. وربما أخرون. وكانت أضرى معركة انتخابية مرت بالاتحاد منذ انشائه. وتوالت فيها الاتهامات. لكنني رفضت رغم ان خلافي طويل مع ثروت اباظة ان أوجه له كلمة نابية. وبعد اعلان النتيجة قال ثروت اباظة: أنا لست متعصبا كما يدعون بدليل انني اعطيت صوتي لمحفوظ عبدالرحمن. وأدهش هذا التصريح أصدقاءه واعداءه وطلب مني الكثيرون تفسيرا له، ولم يكن ماقلته لهم مقنعا. وبعد فترة بدأت بيننا علاقة مودة أقوى رغم الخلاف وحدثني طويلا عدة مرات. وحدثته أيضا. والتقينا مرات قليلة لكنها كانت عميقة. وذات مرة شكا لي من كتاب السيناريو الذين يقدمون رواياته، وقال لي: لقد تمنيت ان تكتب لي سيناريو احدى رواياتي منذ ثلاثين عاما ولا أحد يعرفك. أظن انه صار لي حق عليك. قلت له: ياثروت بك أنت هنا، وأنا في الجانب الآخر، ولا أظن اننا سنلتقي أبدا. ولأكثر من ثلاثين عاما لم نلتق. كنت أغضب لما يكتبه خاصة اذا أصابني. وكان يدعو لي بالعقل. وكنت أظن أنه الآخر. فلما مات بكيت، فلقد مات جزء من نفسي.