بيان 2: لو سئل أي متابع عراقي للتلفزيون عن افضل كاتب درامي عراقي، سيتوارد إلى ذهنه على الفور اسم صباح عطوان، ليس لكونه ''الافضل''.. رغم انه يستحق هذه الصفة بجدارة، ولكن لانه كان الاغزر نتاجاً بين الكتّاب الدراميين لفترة طويلة.. وكان التلفزيون أحيانا يعرض له اكثر من عمل في وقت واحد، مما طبع اسمه في ذاكرة مشاهدي التلفزيون، حتى اعتبروه الافضل بين زملائه.. قلنا له: ـ اتراك افضل كاتب درامي عراقي ام الاغزر انتاجاً؟ ـ صحيح انني تربعت، ولعدة سنوات، على عرش ذاكرة المشاهد العراقي، لان اعمالي احتلت شاشة التلفزيون تماماً، وبشكل متتابع، لكن غزارتها لم تكن هي التي جعلت اسمي لصيقاً بذاكرة المشاهدين، بل نوعيتها، وتنوع مواضيعها، والتصاقها الشديد بواقع الفرد العراقي وحياته اليومية، بتفاصيلها الدقيقة، اضافة لتناول شخوص قد يغفل العديد من الكتاب تناولهم، بينما نراهم منتشرين في المجتمع، ولهم حصة في تفاعله.. ـ بعد تلك الغزارة.. ما سبب اختفائك وتضاؤل اعمالك إلى حد كبير؟ هل نضب معينك ام تجمدت افكارك؟ ـ لا ادري كيف شعرت فجأة انني لم اعد ارغب في الكتابة، لعلها الظروف العصيبة التي واجهت كل العراقيين مؤخراً، فقد تعرضت لضغط الظروف كغيري، وفقدت تعلقي السابق بالقلم.. ـ لكن تلك الظروف العصيبة نفسها تعد مادة دسمة للكتابة عنها؟ ـ لم امتلك وقتها مزاجاً رائقاً لأكتب عن ظرف اليوم الصعب.. ـ فكيف تكتب اليوم اذن؟ ـ حين اشعر بالحاجة إلى الكتابة فقط.. ـ ماذا تمثل لك الكتابة؟ ـ تحقيقاً للذات، ومرآة ارى نفسي من خلالها. ـ ما سبب نجاح اعمالك، هل هو النص ام الاخراج، ام الممثلون، ام يكون الحظ؟ ـ لا وجود للحظ في عالمي ، فأنا اؤمن بالفعل وتأثيره، والدافع له، ولا دخل للحظ في ذلك، لكني واثق من ان اعمالي تجد النجاح لاني اكون فيها ''كالكمبيوتر'' الذي ينظم العملية الفنية ويرتبها ويستخرج الحقائق الاخيرة على نحو دقيق.. فأنا ارشح للمخرج الاسماء التي تتناسب والشخصيات الموجودة في النص لاني اراهم يمثلونها وانا اكتب العمل.. وحين يتفهم المخرج ذلك ويؤدي الممثلون الادوار بشكل صادق، ينجح العمل بالتأكيد.. فشل في الاخراج ـ هل يجد المخرجون صعوبة احياناً في تنفيذ اعمالك؟ واذا حصل ذلك فهل تخرجها بنفسك؟ ـ حاولت اخراج عمل درامي ذات مرة، وفشلت، بسبب عدم توافر مستلزمات الانتاج والتقنية الحديثة.. وبشكل عام، انا لا اكتب عملاً لا ينفذه المخرجون، بل ان نصوصي تحتوي على تفاصيل تغني عمل المخرج، وتقوده نحو الابداع، لانها مفصلة بشكل يسهل عمل المخرج، واحياناً اكتب نصاً تنفيذياً لتسهيل عمل المخرج بشكل كبير.. هكذا يصل أي مخرج اتعامل معه إلى رؤية واضحة وناجحة ولا يجد صعوبة في التعامل معي.. هذا بالنسبة للدراما، أما بالنسبة للمسرح فلي معه شأن اخر.. ـ من اين تبدأ الكتابة..؟ من البداية ام الذروة.. ام تخلق حالة استرجاع من النهاية؟ ـ اختار الحالة الثانية، فانا لا احب الكتابة من الصفر أمام قنوات فضائية عربية واجنبية ومحلية، لاكون مثل الراوي الذي يسرد الحكايا.. انا افضل التسلح امام الزحف الدرامي العربي باسلحة تقنية وفنية جيدة، لتستأثر اعمالي باهتمام المشاهدين، وتسحبهم اليها، بعيداً عن القنوات الاخرى، واتميز بها أيضا بينهم. ـ وما هي ادوات الكتابة للكاتب الناجح؟ ـ لابد من توفر اربعة عناصر، هي: الخيال، والثقافة، والصنعة، والموهبة.. واذا اختفى احدها لن نرى عملاً مميزاً. ـ ربما كانت اعمالك هي أول اعمال حاكت الاعمال العربية الشهيرة بانتقالاتها السريعة وتعدد شخصياتها.. هل قلدت احداً بخصوص الخروج من قالب الرتابة والتكرار المعروف في العراق؟ ـ ليس في العراق وحده، الاسلوب البطيء في الاخراج، والتكرار ورتابة الاحداث كانت موجودة في المسلسلات المصرية القديمة أيضا، لكن تحولهم إلى نمط اخر من الطرح، اثار فضولي، وشعرت انه هو المطلوب من قلب المتلقي، فمارسته، ونجح مباشرة ـ مثال على ذلك؟ ـ مسلسل عنفوان الاشياء.. كان البداية، وتوالت بعده الاعمال الناجحة.. الافلات من الرقابة ـ كيف تفلت بجرأتك من بين ايدي الرقيب؟ ـ انهم يعترضون ويعترضون على كل شيء، وعلى لا شيء، وهذا يؤثر سلباً على العمل، كما حصل لدي في مسلسلات مهمة مثل الأماني الضالة، والهاجس وذئاب الليل ولا وقت للشفقة.. ـ بمناسبة الحديث عن ذئاب الليل.. كان هذا المسلسل من اشهر ما عرض على الشاشة العراقية في مجال الدراما، لتناوله قضايا اجتماعية وبوليسية خطيرة.. لماذا غيرت شخوصه في الجزء الثاني؟ ـ لم اكن اقصد مجموعة او شخصاً بعينه حين قدمت الخارجين عن القانون في الجزء الاول، ضمن عصابة اسميتها عصابة ابي جحيل فذئاب الليل عديدون، وفي كل جزء يمكن التحدث عن ذئاب جدد.. ـ بعد اعتذار مخرج الجزء الاول حسن حسني، اخرج الجزء الثاني المخرج نبيل يوسف.. هل وجدت اختلافاً بينهما؟ ـ الفنان حسن حسني مخرج كبير، ومتمرس، وكذلك الفنان نبيل يوسف، فهو مخرج متمرس وناجح، ويفهم قوانين الدراما.. ـ كيف امكنك توزيع الادوار بين اكثر من 200 شخصية، بضمنهم الشرطة وقوات الامن الداخلي؟ ـ كان انتاجاً ضخماً جداً، يرقى في ضخامته الانتاجية إلى النتاجات العالمية ذات الصرف الباذخ، إذ تبلغ تكلفته اكثر من 20 مليون دينار، ويجري تصويره في عدة مدن عراقية، أما بالنسبة للشخوص فقد وزعت مساحات الادوار بالتساوي بين الفنانين الرئيسيين، ثم اعطيت للباقين ما يستحقونه من جمل درامية، وبعضهم مثل صامتاً، ونجح أيضا. ـ مسلسل عالم الست وهيبة تناول فكرة «ذئاب الليل» نفسها مع اختلاف الظروف.. هل كان توجهاً منك نحو الاعمال البوليسية؟ ـ ابداً، بل عمدت إلى اختيار الاعمال الجيدة والرصينة التي تنبثق من أعماق مجتمعنا المحاصر، وناقشت ذلك بصراحة وجرأة في عالم الست وهيبة. ـ فوجئنا باسمك يحتل مكان المخرج في عمل مسرحي ضعيف إلى حد ما ، فما سبب دخولك إلى عالم الاخراج المسرحي بهذا الشكل..؟ ـ في الاصل انا ادرّس الاخراج السينمائي، واحمل شهادتين في ذلك، وحتى في اخراج الاعمال المسرحية اتبع الايقاع السينمائي، ولا سيما إذا كانت تلك الاعمال ذات طابع ترفيهي وكوميدي وتربوية انا الجأ إلى الاخراج حين لا اعثر على مخرج ينفذ المسرحية التي كتبتها للمسرح العمالي حيث اعمل، وبدلا من الوقوع في حرج كبير، استلم دفة القيادة وابذل جهوداً كبيرة لإنجاح العمل. ـ لكن هناك من يقول بانه لو قام أحد غيرك باخراج المسرحية لكان ذلك افضل؟ ـ اقول لهم '' إذا اردت ان تصل إلى اهدافك البعيدة فلا تركب عربة ضخمة او تركب الكونكورد، لان أية واسطة معقولة يمكن ان توصلك إلى شاطئ الامان'' ـ ما الذي تسعى اليه من وراء الاخراج؟ ـ لا اخرج المسرحيات كمهنة، بل هواية امارسها في اوقات الفراغ، او حين انقذ مسيرة المسرح الذي اديره المسرح العمالي من موقف حرج.. والاعمال التي قدمتها حققت نجاحاً طيباً والحمد لله.. طوح إلى العالمية ـ بعد هذه الرحلة الطويلة، ماذا حققت؟ ـ لم احقق الهدف الذي اقدر بالطبع على تحقيقه، وهو ''العالمية''، في تقديم اعمالي، بالرغم من أن اغلبها عرض في العديد من انحاء العالم. وسبب عدم تحقيق ذلك هو تعلقي بالارض والبيئة التي انتمي اليها، ومشاغلي الكثيرة.. كل ذلك اعاق تحقيق هذا الطموح الذي هو في متناول يدي..! ـ لابد ان لك رأياً صريحاً حول الدراما العراقية الان؟ ـ خلال السنوات الماضية كانت الدراما فجة وهزيلة، لكنها عاودت الانتعاش في السنوات الثلاث الاخيرة، لغزارة الانتاج الفني، وتنوع المواضيع.. ومع ذلك يؤخذ على الدراما العراقية التكرار والتقليد وعدم الإتيان بالجديد. ـ هل تفضل كتابة التاريخ؟ ـ على ان اكون دقيقاً ومنصفاً، لأني سأشوه التاريخ لو كنت عكس ذلك بالمناسبة، انا انقب في كتبي عن شخصيات تاريخية اتناولها في اعمال تاريخية قريباً. ـ من هو افضل مخرج استوعب اعمالك واجاد في اخراجها؟ ـ ليس مخرجاً واحداً، فهنالك حسن حسني والراحل ابراهيم عبد الجليل، وكارلو هارتيون وعمونوئيل رسام ونبيل يوسف وصلاح كرم.