بيان 2: يواجه القطاع العام الصناعي في سوريا منذ سنوات عديدة مشاكل جدية وكبيرة باتت تشكل تبديداً حقيقياً لمستقبل هذا القطاع وقد اضحت هذه المشاكل، العامة منها والذاتية معروفة من قبل كافة الجهات الوصائية التي تتحدث علانية عن الصعوبات وتتداول الحديث عنها بحثاً عن حلول ممكنة تخرج هذا القطاع من دوامة الصعوبات التي يواجهها. من هنا فان الحلول المطلوبة تتطلب العمل المشترك في اطار رؤية عاملة ومتكاملة بعيدة المدى تأخذ في حسابها البحث العلمي والموضوعي في أسباب المشاكل والصعوبات والاستفادة من الدروس التي قدمتها تجارب مماثلة بالاضافة إلى ما قدمه الفكر الاقتصادي الحديث من أساليب وآليات ومفاهيم يمكن الاستناد اليها في عملية التطوير المطلوبة. ان تفاقم الصعوبات التي يواجهها هذا القطاع اليوم تتطلب اكثر من أي وقت مضى المتابعة الموضوعية والدراسة الميدانية لواقع هذا القطاع باعتباره اداة الدولة الاساسية في تنفيذ الخطط الاقتصادية والاجتماعية وقد أكدت الجهات الوصائية والإدارية منذ سنوات على عدة نقاط للخروج من هذا الوضع من أبرزها: الاستفادة من الطاقات الانتاجية المتوفرة واستبدال وتحديث الالات القديمة وتقليص الهدر الى حدوده المعيارية وتحسين التركيب الهيكلي للقوة العاملة ورفع كفاءة الاداء واعادة النظر بالانظمة الادارية والقانونية وتكريس الخطط العملية اسلوباً للتنمية واتخذت لهذه الغاية اجراءات ورصدت اعتمادات للاستبدال والتجديد واكبت صدور المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1994 والذي حمل مجالس الادارات واللجان الادارية مسئولية تحقيق الربح والخسارة بعد منحها اصلاحات واسعة كبيرة في ادارة الشركات. ان المشكلة الاولى التي واجهها هذا المرسوم هي تعطله عن العمل بسبب عدم تعديل أي من النصوص الاخرى التي تمكن ادارات الشركات التعامل بحرية ومرونة مع واقعها القائم فبقيت الاجراءات التعقيدية كما كانت وتعثرت نتيجة ذلك عمليات الاستبدال والتجديد امام القيود التي تعرقل عمل هذه الشركات والشركات الدولية الموردة حيث ادى ذلك إلى خلل كبير في تطوير كفاءة الاداء الاقتصادي. في عام 1999 انطلقت تجربة الإدارة بالاهداف في شركات هذا القطاع بعد مخاض عسير فقد منحت بموجب هذه التجربة اللجان الإدارية والشركات التي طبقت فيها هذه التجربة صلاحيات كاملة اذ تم في العام الأول تطبيق الادارة بالأهداف على اربع شركات وفي العام الثاني تمت عملية تعميمها على كافة شركات الغزل والنسيج. وحققت هذه التجربة نجاحاً في نقاط عديدة أبرزها. 1 ـ رفع سقف صلاحية لجنة الشراء. 2 ـ صلاحية فتح الاعتمادات المستندية. 3 ـ توفير السيولة اللازمة لتمويل الخطة الانتاجية والتسويقية وخفض التكلفة وتفعيل عمل التسويق. توقف التجربة الا انه منذ بداية هذا العام 2002 توقفت التجربة بصمت مما يعني ان هناك أكثر من ثلاثين شركة سحبت من لجانها الادارية الصلاحيات التي منحت لها وجرى ربطها بالجهات الوصائية دون اية عملية تقويم علمية لسير تطبيق هذه التجربة ودون اية مساهمة من قبل الجهات المسئولة وقد اجتهدت إدارات هذه الشركات التي طبقت فيها التجربة ورفعت مذكرة تم من خلالها تقويم التجربة وقامت بتقديم اقتراح تطويرها واستمرارها وتفعيلها من اجل استمرار العمل والانتاج. وعلى العكس مما كان متوقعاً بقيت هذه المذكرات في الادراج وذهبت الافكار المقترحة مع الريح وتعثرت الشركات في توريد المواد الاولية وفي الانتاج وفي التسويق وهذه الشركات مهددة الآن بالتوقف فما هو موقف هذا الشركات مما يحدث وما الذي يرى لتطوير هذه التجربة؟ لقد كانت تجربة الإدارة بالاهداف مقارنة مع الواقع السابق الذي كانت تعيشه شركات القطاع العام تجربة ناضجة وجيدة اعطت هذه الشركات دفعاً للامام وشكلت خطوة أولى على طريق الاصلاح والتحديث واذا كان هناك نقص ما فقد كان الحل هو العمل على تجاوزه وتكريس الجانب الايجابي المتمثل في فتح الاعتمادات والمكافآت التشجيعية، يقف الثراء المباشر اعفاء التأمينات في توريد قطع التبديل وقد قامت هذه الشركات في السنة الماضية بتمديد التجربة وفي الاجتماع الذي عقد مع وزير الصناعة طلبت هذه الشركات تمديد امد التجربة مع تطويرها بعد مناقشتها بشكل اوسع كما قدمت هذه الشركات مذكرة تفصيلية بكل جوانب التجربة لكنه حتى الآن لم يأت الرد سلباً أو ايجاباً. نقطة الصفر ومع هذا التوقف تكون شركات القطاع العام قد عادت إلى نقطة الصفر والى المرسوم رقم 195 وسقف الشراء 25 الف ليرة فهل يمكن ان يكون العمل ممكناً مع واقع كهذا يحد من قدرات الإدارة في التغلب على الصعوبات التي يأتي في مقدمتها تأمين المواد الاولية اذ ان 90 بالمئة من المواد مستوردة والجزء الاخر يؤمن محلياً فماذا تفعل 25 الف ليرة مع هذه الاحتياجات كما ان تجزئة النفقات مخالف للأنشطة فالقانون الذي صدر في العام الماضي يمنع شراء أي مادة من قبل اي شركة كانت الا بوجود وكيل للشركة في القطر وهناك شركات تبيع بـ 1000 دولار أو 100 دولار فكيف تعتمد هذه الشركة وكيلا لها في سوريا وعلى سبيل المثال هناك شركة تاميكو للمنتجات الطبية تستجر من الخارج 100 مادة اولية من جميع بلدان العالم ومن عشرات الشركات والمطالبة بوجود وكيل يعني ان يكون هناك 100 وكيل كما ان القضية ربطت بالبنك مما يعني ان الاعتماد لا يفتح الا بتصديق الوكالة من البنك. ان عمل هذه الشركة بحاجة إلى استجرار مواد اولية لتصنيع مضادات حيوية وقد جاءتها اربعة عروض من اربع شركات، ثلاث منها ليس لديها وكلاء في سوريا فتمت مراسلة هذه الشركات من اجل اعتماد وكلاء لها في سوريا لكن لم تصل شركة تاميكو حتى الآن إلى رد ولذلك تم الطلب من وزير الصناعة اعفاء الشركة من هذا القانون لكنه حتى الآن لم يأت الرد وتؤكد الشركة انه اذا بقي الحال على ما هو عليه الان فانها خلال شهرين سوف تتوقف جزئياً عن الانتاج وتخرج من السوق مما يعني خسارة 250 مليون ليرة ارباح الشركة. وفي شركة اخرى هي شركة خيوط النايلون والجوارب تؤكد الجهات الإدارية ان خطة العمل بالأهداف كانت ناجحة وقد تجاوزت الروتين وتجدد الجهات المشرفة ورغم ذلك كانت الخطة تحتاج إلى تطوير في ضوء التجربة وليس العمل على الغائها فمنذ توقف التجربة واجهت الشركة مشكلات كثيرة لا حصر لها انعكست على الواقع الانتاجي فيها كما وكيفا. اذ ان احتراق قطعة في الشركة يتجاوز سعره 25 ألف ليرة يجعل الشركة عاجزة عن تعويضها الا بعد تشكيل لجان مناقصة تحتاج إلى وقت كما ان استهلاك قطع تبديل كثيرة يتطلب تأمين بدائل عنها وقد قامت الشركة بمراسلة وزارة الصناعة لاعادة العمل بتجربة الإدارة بالأهداف لكن حتى الآن لم تجب الوزارة على الطلب. وتواجه شركات الصناعات النسيجية واقعاً مماثلاً فقد حققت تجربة الإدارة بالأهداف نتائج جيدة لكن التوقف عن العمل بها جعل الشركة تعود إلى دوامة الصعوبات والمشاكل السابقة التي كانت تواجهها وهذا الأمر لا يعني ان التجربة كانت مثالية بل هي تضمنت جوانب ايجابية مهمة وكأية تجربة أخرى عانت من نواقص كانت تتطلب مراجعتها وتلافي هذه النواقص بما يكفل تطوير التجربة واعطاءها دفعاً قوياً نحو الأمام. التطوير والتحديث ان عملية التطوير والتحديث لا تتم من خلال الاقوال فقط بل هي تحتاج إلى الافعال والترجمة العملية الصحيحة واذا كان ثمة تقصير في خطة العمل بالأهداف فقد تمثل في آليات عمل الإدارات أولاً والجهات الوصائية التي لم تتجاوب بالصورة الكافية مع طلبات الإدارات ثانياً كما ان الصلاحيات التي اعطيت للجان الإدارية كان يجب الا تحصر في منح المكافآت والعقود والمشتريات وانما ان تشمل قضايا اخرى تمس العمل والانتاج. والجدير بالذكر ان شركات القطاع التي طبقت فيها تجربة الإدارة بالأهداف استطاعت خلال فترة التجربة تأمين مستلزمات الانتاج مما جعل هذه الشركات قادرة على تطوير انتاجها وزيادته كما اتاحت هذه التجربة للشركات امكانية التعاقد بموافقة اللجنة الإدارية مع خبرات وكوادر محلية بحيث ساهمت هذه التجربة في تحرير عمل الشركات من الروتين والبيروقراطية وعدد الجهات الوصائية