بيان 2: كان العراق بلد النخيل الأول، فقد كان يحتضن 32 مليون نخلة تمتد على امتداد ومساحات واسعة من أرضه، وكان يصدر 100 ألف من اطنان التمور المختلفة الأنواع إلى الخارج. وتجري حالياً حملة واسعة ومتواصلة ودؤوبة لاستعادة هذه المكانة المتميزة في زراعة النخيل بعد ان تعرضت هذه الزراعة إلى التدهور بسبب ظروف الحرب، والعمليات العسكرية، وبسبب عزوف الفلاحين عنها، وانصرافهم إلى زراعة محاصيل أخرى. لكن هذه الحملة لم تأخذ اشكال الزراعة التقليدية، ولم تترك للفلاحين فقط، وانما اخذت طابعاً «سياسياً» وعلمياً، فقد اعد لها برنامج مدروس، ورفع إلى مجلس الوزراء، حيث تم اقراره. ووافق عليه مجلس قيادة الثورة، وتألفت لتنفيذه لجنة عليا له وقد تم تنفيذ هذه الخطوات التي سبقتها خطوات أخرى أبرزها: تهيئة كل الاستعدادات المطلوبة وابرزها الخطة السنوية للبرنامج والجهات التي تتولى التنفيذ، والميزانية العامة، واحتياجاته كل الأنشطة منها، واختيار الخبراء والاستشاريين المشرفين على التنفيذ، والمكلفين بتقويم عمل البرنامج. وتضمن البرنامج خمسة محاور هي: اكثار وتحسين النخيل بالزراعة النسيجية واستخدام أساليب الهندسة الوراثية والتغذية الحياتية في تحسين النخيل على ان يركز على اجناس واصناف معينة من التمور والاكثار من عملياته تجذير الفسائل الصغيرة والرواكيب وقمم النخيل كبير العمر والاستفادة من الاراضي المالحة والصحراوية في توسيع مساحات غابات النخيل وتنفيذ حملة واسعة لحماية المشروعات المنفذة من الاصابة بالآفات الزراعية وقد هيأت لاحتياجاته هذه المحاور مختبرات زراعية، وحشدت لها امكانات كليات الزراعة والعلوم في جامعتي بغداد والبصرة. هندسة وراثية الآن وبعد مرور أكثر من عام على البدء بتنفيذ البرنامج ولذلك فان الحديث عنه لا يتم من خلال الافتراضات والمنطلقات النظرية وانما من خلال النتائج العملية. والنتائج المتوخاة من الزراعة النسيجية تتطلب الكثير من الوقت والجهد، وتتطلب بحثاً مختبراً وحقلياً، اذ يتم في البداية اختيار الاصناف المطلوبة، وتكوين اجنتها الخضرية في قمة النخلة، وبعد نمو وظهور هذه الاجنة يتم نقلها وزرعها في وسط زراعي مجهز بالهرمات، وهي تساعد على تثبيتها، ونموها باعداد كثيرة، حيث تنقل بعد ذلك إلى بيوت زجاجية، بهدف اقلمتها، واتاحة ظروف الانبات الطبيعي امامها، وقد مورست تجربة للزراعة النسيجية في عدة مناطق بحثية، وتمخضت عنها نتائج ايجابية، وأصبحت مهيأة للمواطنين للاستفادة منها في بساتينهم ومزارعهم الخاصة. ويمكن الاستفادة من نباتات الزراعة النسيجية في تجارب اختبار الهندسة الوراثية والتغذية الحياتية التي تجري تنفيذها في مركز «اباء» للابحاث الزراعية، وهي تتضمن اختبار عينات من اشجار النخيل ذات الاصناف الجيدة مثل البرحي والاسطة عمران والخضراوي، والحلاوي والجبجاب والاشرسي وغيرها من الاصناف الجيدة الاخرى، حيث يجرى عزل المادة الوراثية لها باستخدام تقنية البصمة الوراثية وتقانات معينة، ويتم التركيز على الامهات بعد عزل الاصناف غير الجيدة، وعزل المادة الوراثية للذكور. ويتضمن برنامج تكثير وتحسين النخيل عملية التحديد المبكر للجنس والصنف لنخيل التمر، وذلك عن طريق استخدام تقنيات الهندسة الوراثية. وفي اطار هذا البرنامج يتم الاكثار عن طريق عملية تكوين الجذور في الفسائل الصغيرة والاصناف الجيدة لا تتوفر لها فسائل، وفي هذه الحالة يتم تجذير قمة النخلة، وإزالة السعف والكرب، والمعاملة مع مواد هرمونية تساعد على تكوين الجذور، ولفها بالنايلون «البلاستك» بعد ادخالها في الطين النهري الذي يجعلها رطبة، وبعد نموها تقطع الشجرة تحت مستوى تواجد الجذور حيث تنقل إلى المكان المخصص لزراعتها لتصبح بمثابة فسيل جديد في مستهل حياته ونموه. وكانت الفسائل النامية على جذع النخلة «الراكوب» تقطع دون أية فائدة، ولكن أصبح من الممكن انتزاعها من النخلة، ومعاملتها بمواد هرمونية وفطرية، وزراعتها. واجريت تجارب على امكانية اطالة الزمن المخصص لزراعة الفسائل، واطالة الزمن الفاصل بين قلع الفسيلة وزراعتها تبدأ من الشهر الثالث إلى الشهر العاشر، وبحيث يمكن زراعة اعداد كبيرة من الفسائل وبتوالي الايام دون تعرضها إلى الجفاف والتلف. وهناك تجارب يتم من خلالها الاسراع بتجذير الفسائل الصغيرة ودفعها لتكوين جذور في أسرع وقت من خلال معاملتها بمواد وتقنيات معينة. وهذه تجارب من تجارب كثيرة، خصصت لها مناطق معينة، وفي مزرعة محطة ابحاث مشروع الوحدة، وفي مساحة تمتد على عشرة دونمات زرعت «260» فسيلة في أرض مالحة، وقد عزلت واضيف لها الطين النهري «المزيج» مع السماد الحيواني والمحلل، وزرع الفسائل بعد تغليفها بالطين والسماد، ويتم تزويدها بالماء عن طريق التنقيط. ولم تظهر النتائج المتوخاة من واحة حوران في الأراضي الصحراوية، حيث تمت زراعة عشرة دونمات بالري بالتنقيط ودونمين بالري السيحي بالعشرات من الفسائل. ومع هذه التجارب اتجهت الجهود إلى حقن مئات الالاف من اشجار النخيل بمبيدات للقضاء على حشرات الدوباس وسوسة النخل الحمراء وعنكبوت الغبار ومرض خياس طلع النخيل، حيث تمت مكافحة 254 ألف نخلة في البصرة وسبعين الف نخلة في بابل، ومئات الالاف في بغداد والمحافظات المحيطة بها، والجهود مستمرة في هذا المجال. تجارب ولم تمارس هذه التجارب بمعزل عن الفلاحين الذين وجدوا فيها تحضيراً لهم واهتماماً بالنخل والاكثار من زراعته، كما انهم وجدوا في اسعاره العالية التي تنافس أسعار أفضل الفواكه. في السوق العراقية محفزات على هذا الاهتمام، اذ ان العائلة العراقية اعطت للتمور في ظروف الحصار مكانة متميزة في موائدها ووجباتها اليومية، ودخلت في صناعة أنواع جديدة من الحلويات والأطعمة. ومع ان التمور العراقية تتوفر بكثرة في المواسم الخاصة بها، وتكون زاهية بألوانها وكثرة اصنافها، الا ان اسعارها غالباً ما تثير دهشة المواطن العراقي، فقد اعتاد التعايش مع اشجار النخيل وورث حبها، والتمتع بها من مراحل سحيقة في القدم، واعتاد رخص وتوفر تمورها، وهو يدهش ويستغرب غلاء أسعارها. ولعل التجارب الجديدة يمكن ان تزيد من انتاج النخل، وتزيد من كمياته المطروحة في الأسواق، وتجعله متوفراً فيها بأرخص الأسعار فاستعادة النخل مكانته السابقة والمتميزة في العراق ينبغي ان تشمل ما كان عليه من وفرة وأسعار رخيصة، وان يعزز من مكانته في حياة المواطن العراقي.