بيان 2: سيطرت على البشر على امتداد ألوف السنين رغبة ملحّة بتسجيل التاريخ. ويعود تاريخ اول كتابة الى ما قبل 30 ألف عام عندما رسمت اشكال هندسية تمثل البشر والحيوانات على الصخور وجدران الكهوف بواسطة الأصباغ. وبعد حوالي 25 ألف عام، طوّر السومريون الذين يعيشون في الأرض التي تعرف الان بالعراق، اول لغة مكتوبة مستخدمين رموزاً او صوراً بسيطة تطبع على الواح طينية لينة. وهو ما يعرف الان باللغة المسارية. وبحلول عام 3000 قبل الميلاد، كانت الكتابة تستخدم لتسجيل التعاملات التجارية والقوانين والوصايا الدينية في بلاد الرافدين ومصر. كان سكان الرافدين يكتبون على الواح الطين، فيها استخدم المصريون ورق البردى كانت سويقات القصب تجفف لتصنع منها صفحات يمكن للنساخ الكتابة عليها باستخدام أقلام القصب وحبر مصنوع من السخام المخلوط بالصمغ. وتدريجياً، تم تطوير مواد كتابة اكثر تطوراً. فالشعوب القديمة في الهند كانت تكتب على اوراق الشجر او لحاء الشجر حتى البعض كان يخيط تلك الاوراق بواسطة قطع من الحبال مشكلاً بذلك بعض أقدم الكتب في التاريخ. تشير العديد من المراجع القديمة الى استخدام مواد متنوعة في الكتابة في الهند بما في ذلك اوراق الشجر والخشب والألواح والخيزران والمعادن. وبوصول الاسكندر المقدوني الى مصر عام 332 قبل الميلاد، كان ورق البردي يستخدم في انحاء حوض المتوسط، وكانت صفائح البردي تلصق على رقع طويلة تلف في لفائف ثقيلة. كانت الكلمة المكتوبة حيوية جداً بالنسبة للزعيم المصري بطليموس الثالث، الذي ساعد في بناء مكتبة الاسكندرية، حتى انه كان يلجأ الى تفتيش اي قارب يدخل الميناء المصري بحثاً عن لفائف الورق التي كان يستخدمها بعد ذلك للنسخ من اجل المكتبة. لكن التقدم الاكبر على هذا الصعيد انجز في الصين. ومع ان بعض الاكاديميين يعتقدون ان تقنية صنع الورق طورت هناك قبل 50 عاما من مولد المسيح، الا ان المعتقدات التقليدية والسجلات التاريخية تشير الى ان الورق صنع لاول مرة عام 105 ميلادي على يد ناسخ صيني يدعى تساي لون. كان لون مسئولا عن تسجيل قائمة جرد القصر في بلاط الامبراطور هوتي باقليم هان الشرقي. وفي ايام لون كان النساخ يكتبون على الحرير الذي كان باهظ الثمن حينها او على كتب مصنوعة من الخيزران، كانت ثقيلة جداً، وكان يتعين حملها في عربة. لكن لون اكتشف اسلوباً لغسل ونقع قطع الخيزران في خزان ماء ومن ثم تليين اللب بوضعه في تنور مع كميات من لحاء الشجر والخيش والخرق وبعد ذلك يتم لف الخليط الندي وضغطه وتجفيفه ليصبح ورقاً. وفي وقت لاحق بدأ لون باستخدام الالياف النباتية، حيث جاء في احد السجلات الصينية القديمة ان «اي نوع من الألياف اللدنة القوية كان يستخدم في صنع الورق وكانت المواد الأولية هذه تغلى جيداً وتهرس ثم تحرك لتصبح عجينة ورقية ثم تنشر على اطار مشدود او سلّة. وعندما يتشكل نسيج رقيق، كان الورق الناتج يضغط بأوزان ثقيلة». كان الورق بمثابة قفزة كبيرة الى الأمام بعد ورق البرشمان باهظ التكلفة. ومع ان لون لم يكن قادرا على حماية حقوق ملكيته الفكرية، لكنه اصبح ثرياً ومشهوراً بفضل ابتكاره. فالامبراطور عبر عن امتنانه للون بأن منحه هدايا ثمينة، وجعله من النبلاء. لكن لون لم يستطع فهم السياسة المعقدة التي تهيمن على الحياة في البلاط الملكي، فوقع فريسة للمكائد، خسر رضا الامبراطور، ولما نال منه اليأس تجرع كأساً من السم. ومن سخرية الأقدار ان حادثة انتحاره سجلت على الورق الذي ابتكره بنفسه، وانتفع به العالم من بعده. ومنذ ذلك الحين تم الاقرار بأهمية لون في دراسات عن اهم البشر في التاريخ. في كتاب «المئة»، جاء ترتيبه في المرتبة السابعة بعد الانبياء والقديسين. ومن المؤكد انهم ادركوا اهمية ابتكار لون وتكتموا على اسرار حرفة صناعة الورق لمئات السنين. لكن في أوائل القرن السابع، ادخلت هذه الحرفة الى اليابان، وانتشرت بعد ذلك الى اسيا الوسطى في حدود عام 750 ميلادية. وقد اسر العرب المسلمون العديد من صناع الورق الصينيين بعد معركة وقعت بالقرب من سمرقند عام 751، وتم بعد ذلك افتتاح مصنع للورق في بغداد عام 793 ميلادي في عهد هارون الرشيد، الذي يعتبره الكثيرون العصر الذهبي للثقافة الاسلامية. وانتشرت صناعة الورق بعد ذلك الى دمشق، ثم وصلت الى مصر في حدود عام 800 قبل ان تنتقل الى المغرب. وتعرف الاوروبيون على الورق من الفاتحين المسلمين الذين كانوا يستخدمونه لنشر ثقافتهم. وربما كان هناك مصنع للورق في الاندلس حتى قبل وصول وليام الفاتح الى هاستنجز. وينسب الى جون تيت، وهو تاجر وابن عمدة لندن، فضل تأسيس صناعة الورق البريطانية. حيث ادرك تيت ان الطلب على الورق سيزداد بسرعة، فبنى مصنعاً على نهر لي في هيرتفورد عام 1488. وفي الفترة نفسها تقريباً انشأ وليام كوكستون مطبعة في وستمنستر، وجلبت هاتان الثورتان الكلمة المطبوعة الى عامة البريطانيين. وبحلول عام 1588، كان المهندس الالماني جوان سبيلان قد اسس مصنعاً قرب لندن لصنع الورق الابيض الأنيق. هناك اليوم أكثر من 7000 نوع من الورق، وتنوع مثير في الألوان والأحجام والناسخ الصيني لون لم يكن يتوقع بحال من الاحوال انه أوجد احد اكثر الابتكارات ديمومة في التاريخ. علي محمد