بيان 2: تحت قشرة الحضارة الرقيقة، تتشابه حياة الانسان القاسية كثيراً مع حياة الحيوانات الاخرى. فنحن على غرارها، نعيش في تنافس دائم على الاشياء المهمة بالنسبة لنا مثل الجنس ووسائل المكان. وحتماً هناك منتصرون وخاسرون في مثل هذا التنافس. ومجتمعاتنا، شأن معظم التجمعات الحيوانية، منظمة وفق تسلسل هرمي، حيث يملك عدد قليل من الاقوياء الجزء الاكبر من السلطة والغالبية العظمى منا تحتل مكاناً ما في اسفل الهرم. وقد يظن البعض اننا لا نشبه الحيوانات في شيء من هذه الناحية، فهي تعتمد على حجمها وقوتها فقط في الوصول الى القمة. ولكن بات من الواضح بشكل متزايد، مؤخراً، انه على الرغم من ان الحيوانات لا يمكنها ان تجادل لكي تحصل على ما تريد الا ان العضلات ليست هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك. وبالنسبة للكثير من الحيوانات، فان نتيجة اي قتال تتشكل ايضاً بفعل عوامل نفسية ماكرة، فهي مثلنا لديها تأثيراتها النفسية الخاصة بالفوز او الخسارة. والتجارب السابقة لها اهميتها، كما ان سلوك افراد فصيلة معينة يتأثر بطرق مميزة بالفوز او الخسارة او بمشاهدة القتال. والاهم من ذلك ان هذه العوامل النفسية. يبدو ان لها تأثيراً عنيفاً على المجتمعات الحيوانية ومستويات العداء داخلها. وتشير دراسات العلماء الى ان هذه العوامل يمكن استخدامها في صياغة توقعات من قبيل ما اذا كانت التفاعلات بين افراد الجماعات ستكون قائمة على الاستحقاق والجدارة ام على الاستبداد، وهل سيكون هناك افراد لحفظ السلام لفك الاشتباكات قبل ان تخرج عن نطاق السيطرة. وهذه القواعد نفسها يمكن ان تساعد حتى في تفسير ديناميكيات المجتمعات البشرية. ومن ابرز الباحثين الذين درسوا تأثيرات الفوز والخسارة والمشاهدة العالم جوردون شويت من جامعة ولاية اريزونا في تيمبي. ففي حين يبتعد الكثير من العلماء عن دراسة الحيوانات التي يمكن ان تشكل خطراً على حياتهم، فان شويت تجرأ على دراسة نحاسية الرأي، وهي افعى امريكية سامة ان معظم حالات العداء بين الافاعي نحاسية الرأس وهي أفعى أمريكية سامة، وإن معظم حالات العداء بين الأفاعي نحاسية الرأس تكون بين الذكور المتنافسة على الفوز بالاناث. ولمعرفة ما اذا كان الفوز او الخسارة تؤثر على اداء الافعى في منازلات لاحقة، قام شويت بوضع انثى نحاسية الرأس في مركز حلبة ثم وضع ذكراً في كل طرف منها. ولم يكن الذكران قد تشاجرا لفترة تتراوح بين ستة اشهر واثني عشر شهراً قبل الدراسة، وبالتالي فقد جاءا الى الحلبة «كلوح ابيض» من حيث تأثيرات الفائز او الخاسر. في البداية، كان الحجم له تأثيره، ففي جميع الشجارات الـ 32، خرج الذكر الاكبر حجماً منتصراً وفاز بالانثى. لكن شويت كان مهتماً اكثر بما سيحدث بعد ذلك. فبعد ان انتهت المعارك الاولية، امسك 10 ذكور فائزة و10 ذكور خاسرة ووضع كل منها في مواجهة ذكر جديد من الحجم نفسه، ليست لديه تجربة سابقة في الشجار، ووجد ان الفائزين في الجولة الاولى لم يكونوا اكثر احتمالاً للفوز من خصومهم، اي بعبارة اخرى، لم يكن هناك تأثير للفائز. لكن الذكور الذين خسروا في السابق كانوا اكثر تعرضاً للخسارة من جديد. وعندما كان الخاسر لمرتين يعطى فرصة ثالثة لاثبات نفسه، كانت النتائج مخيبة للآمال، فلم يفز اي من هؤلاء الذكور في معركة واحدة. وهكذا، وجد شويت قضية واضحة لتأثير الخاسر عملياً. وفي السنوات الاخيرة، كشفت تجارب مماثلة النقاب عن ان اداء العديد من اجناس الحشرات والاسماك والطيور والثدييات يتأثر بالفوز او الخسارة. ولا يمكن ان يكون هناك شك بوجود تأثير الفوز والخسارة، وعندما تتخذ الحيوانات وضع القتال فان هذه التأثيرات يكون لها اهميتها. لكن الحيوانات لا تتصارع في فراغ اجتماعي. فالمشاجرات تعتبر الاساس للتسلسل الهرمي للهيمنة، اي سلم المكانة الاجتماعية الذي يقرر من يحصل على الموارد ومقدار ما يحصل عليه. وفي الحيوانات التي يسود لديها تأثير الفائز، كما هو الحال لدى الحمام والكثير من انواع الحشرات والذئاب والضباع، يتضح ان كل فرد في المجموعة يدرك مرتبة ورتبة كل حيوان آخر في مجموعته. وعندما يعمل تأثير الخاسر وحده فإن الذي يظهر هو تسلسل هرمي اكثر استبداداً، كذلك الذي يلاحظ لدى الغوريلا وانواع كثيرة من الاسماك والحشرات. وفي هذه المجموعات الاجتماعية، يكون الفرد المتميز الذي يحتل قمة الهرم واضحاً، بينما تكون رتبة الافراد الآخرين في المجموعة من الصعب معرفتها لانهم نادراً ما يتفاعلون. وهذا النوع من التسلسل الهرمي يبرز عندما يعمل التأثيرات معاً. وهناك فروقات رئيسية بين انواع التفاعل الاجتماعي في هذين النوعين من المجتمع. ويكون الشجار هو اسم اللعبة عندما يكون تأثير الفائز هو الوحيد السائد. وهنا لا يملك كل فرد الا ان يزيد من تقديره لمهاراته في القتال، وبالتالي فان الجميع يسودها تأثير الخاسر، فان المتخاصمين يعمدان الى اتباع اسلوب الكر والفر. وهنا يكون لدى الكثير من الافراد تقديراً منخفضاً لقدراتهم القتالية وبالتالي فانهم يميلون الى تجنب المواجهات العدوانية متى امكن ذلك. ضرار عمير