بيان 2: شُغف الملحن الجزائري وحيد باي بالموسيقى منذ صغره، ولم تكن دور الفن مفتوحة أمام أبناء الجزائر لما كانت مستعمرة فرنسية، فالدخول إلى المتاحف وحضور الحفلات الموسيقية، كان حكرا على أبناء الفرنسيين لأن ذلك علامة من علامات التمدن الذي عمل الاستعمار على إقصاء الجزائريين عنه، ومع هذا أصر وحيد شأنه شأن كثير من الجزائريين على تعلم الموسيقى العربية والجزائرية ببيته مع أن العائلة كانت تحثه على الاجتهاد في دراسة الطب الذي زهد فيه وأخلص للموسيقى التي نبغ فيها، وصار واحدا من ألمع الملحنين في الجزائر بعد الاستقلال، وقد تعامل مع أكبر المطربين الجزائريين كالهادي رجب وفؤاد مقران ومحمد راشدي وكريمة الصغيرة. كما أن الملحن وحيد باي مولع بخوض التجارب الجديدة كتلحينه لأغنيات باللغة الفرنسية فزاوج فيها بين حيوية الموسيقى الغربية وروحانية الموسيقى العربية، كما أبدع في مجال أغنية الطفل، وقد اعتمدت منظمة اليونيسف أغنيته «حان الوقت» بصوت المطربة سماح عقلة بنت الملحن الجزائري سماح عقلة. التقينا بالملحن وحيد باي في الجزائر في حوار حول أهم المحطات في مسيرته الفنية. ـ كيف جاءت فكرة الاتجاه إلى التلحين بالفرنسية بعدما لحنت لأجمل الأصوات باللغة العربية؟ ـ أنا من الجيل الذي كسب معارفه باللغة الفرنسية في الجزائر لأنني تعلمت في المدرسة الفرنسية وكنت مفتوناً بالشعر الفرنسي ولا سيما الشاعر فيرلان،والأديب الكبير فيكتور هوجو، انني توجهت لدراسة الطب، لكن نداء الفن في نفسي كان أقوى من نداء العلم والطب، وكنت أكتب محاولات شعرية بالفرنسية ولا سيما الأغاني، وحين تغيرت الأمور بعد الاستقلال أقبلت على دراسة اللغة العربية والاهتمام بثقافتها عموما فركزت على الموسيقى العربية وتعلمت العزف على العود ولحنت لأجمل الأصوات الجزائرية. ـ وكيف تم التحول من تلحين الأغنية العربية إلى الفرنسية ؟ ـ الفكرة جاءت لما غنت لي المطربة المتألقة نسيمة شمس أغنية ما «تحيرنيش»، وتحديدا لما كنت داخل أستديو التسجيل فأوحت لي بكتابة مقطع بالفرنسية كان ترجمة للمقطع العربي، ولما عرضته على المنتج قررنا إدماجه في الأغنية فأدته بإحساس فني رفيع، وبعد النقاش والتشاور قررنا تسجيل نسخة مستقلة من الأغنية بالفرنسية بعد إتمام كتابة باقي الكلمات. وقرر المنتج أن يصورها بطريقة الفيديو كليب، ولما وزعناها بفرنسا استقبلت بحفاوة كبيرة ولا سيما من قبل الجالية الجزائرية وهو ما فتح المجال لأعمال أخرى مماثلة مع نسيمة شمس ومطربين آخرين حيث لحنت ما يقارب 15 أغنية بالفرنسية. أرفض الجاهز ـ طرح مؤخراً اشكال كبير بخصوص الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية وهل يعتبر أدبا فرنسيا أم جزائريا، وبعد تلحينك لكلمات بالفرنسية هل يمكن اعتبار ذلك أغنيات جزائرية؟ ـ مسألة اللغة أمر هام في كل الفنون، لكني تعاملت مع الأغنية المكتوبة بالفرنسية بروح جزائرية أو روح شرقية، واليوم لابد أن ننفتح على كل الحضارات وأن ننشر ثقافتنا بمختلف الأشكال دون التنكر لروح فننا وعلى هذا الأساس نكسب احترام الغير. ـ تختلف طرق التلحين من مطرب إلى آخر فالبعض يرى أن الكلمات هي التي تفرض اللحن المناسب فيما يراعي ملحنون آخرون خصوصيات الصوت . فما هي طريقتك في التلحين؟ ـ أنا لست من الملحنين الذين يفصلون ألحاناً تحت الطلب، ولدي طقوس خاصة حينما أبدأ التلحين فأعلن حالة طوارئ، وأدخل في شبه غيبوبة عن العالم الخارجي، أنسى المكان والزمان والشخص الذي ألحن له، ومع هذا كل المطربين الذين تعاملت معهم وجدوا الألحان مناسبة لهم بدءا بالمطرب الجزائري الكبير الهادي رجب في «يا بايعني و شاريني» إلى مطربي الجيل الجديد، ولم يأت إلي مطرب يوما يشتكي من صعوبة اللحن أو أن جملة موسيقية ما غير مناسبة لطاقاته الصوتية أو ميزاته الآدائية . ـ توجهت مؤخراً إلى التعامل مع الأصوات الجديدة بدل الوجوه المعروفة التي تعاملت معها كثيرا في السابق فلماذا؟ ـ أنا مهتم حاليا بالأصوات الجديدة وأسعى صادقا إلى الأخذ بيدها، واكتشاف مطرب جديد أفضل من النجاح في أغنية يؤديها صوت معروف، فالغناء مثل الحديقة ينبغي أن يجدد بأصوات من حين لآخر .وقد لامني كثير من الزملاء الملحنين بسبب تعاملي مع الأصوات الجديدة وقد كنت قبل سنوات لا أتعامل إلا مع أجمل الأصوات مثل كريمة الصغيرة ومحمد راشدي ورشيد منير والهادي رجب وغيرهم. وكل شروطي في التعامل مع الأصوات الجديدة هي جودة الصوت والثقافة الفنية وأداء الأغنية ذات المعاني الهادفة. ـ بمن تأثرت في مجال التلحين ؟ ـ أنا معجب بالعملاق محمد عبد الوهاب وبلمساته الساحرة، فقد أضاف الكثير للموسيقى العربية، وأن أميز نوتته الموسيقية من بين آلاف الألحان، كما أني لا أنكر تتلمذي على رياض السنباطي في مجال العود عن بعد، وكذا فريد الأطرش صاحب الإحساس العالي والعاطفة الحزينة، والمؤسف اليوم أنك تستمع إلى ألحان كثير من الملحنين ولا تجد تلك اللمسة المميزة والنكهة الخاصة التي تفرق بين ملحن وآخر . ـ كيف تنظر إلى موسيقى الراي التي فتحت أبواب العالمية للموسيقى الجزائرية والموسيقى العربية عموماً؟ ـ لقد بدأ الراي بداية جيدة عندما كان يرتكز فعلا على الموسيقى الجزائرية ولا سيما إيقاع لعلاوي، ويعتبر من صميم التراث الموسيقي والغنائي الجزائري، أما اليوم فصار يعتمد أكثر، إن لم نقل كلياً، على الموسيقى الغربية دون أن ندخل في تفاصيل كلمات الراي التي نزلت لدرجة لا تمت إلى الفن بصلة. ـ ما هي الأصوات التي تمنيت أن تتعامل معها؟ ـ تمنيت أن ألحن القصيد للمطربة الكبيرة وردة الجزائرية، ومن الأصوات الجديدة أرى أن المطربة نجوى كرم هي أنسب صوت لألحاني العربية وهي مطربة بارعة في مجال النغمة البدوية صميم الألحان العربية، وقد كان لي مشروع تلحين أغنيات للفنانة نغم فتوكي قريبة وردة، واتفقنا على كل شيء لكن ذلك لم ينجز بسبب غياب هذه المطربة عن الجزائر. الفن الخليجي ـ اهتم عدد من الملحنين والمطربين الجزائريين بالأغنية الخليجية، لكن بالرغم من حبك للتجارب الجديدة لم تجرب تلحين الأغنية الخليجية التي صارت اليوم مطلوبة بكثرة من المستمع العربي؟ ـ أنا فعلا لم أجرب ذلك، لأن تجربة من هذا النوع تحتاج إلى استعداد كبير وأنا لا أؤمن بالارتجال، كما أنني لا أعارض تلحين الجزائريين للأغنية الخليجية بشرط احترام روح هذا الفن الأصيل وكلماته ولابد أن يكون اللفظ خليجيا قحا، فالأغنية تكون مميزة باللحن واللهجة أيضا وبطريقة أداء المطربين . ـ يرى الكثير من الملحنين الجزائريين أن الفن الخليجي قريب جدا بل توأم الأغنية الصحراوية الجزائرية فما رأيك؟ ـ أنا أعتقد أن مثل هذا التقارب غير موجود اللهم إلا إذا كنا نقصد أن اللحنين ينتميان للأغنية العربية، فالإيقاع الخليجي متميز عن كل الإيقاعات العربية الأخرى، كما أن الموسيقى الجزائرية غنية جدا ولم تستغل كما ينبغي وتحتاج إلى بحوث معمقة، فالملحنون العرب الكبار أخذوا نوتات وجملا موسيقية من التراث الجزائري، فعبد الوهاب أخذ عن الشيخ حمادة بالغرب الجزائري إيقاعات موسيقية وأعطى لها بعدا عربيا وعالميا. ـ ماذا عن مشروع أغنية الطفل الذي بدأته مع الفنانة سماح عقلة؟ وكيف تنظر لأغنية الطفل في الجزائر؟ ـ لقد أدت لي المطربة سماح مجموعة من أغاني الطفل ذات الطابع التربوي، وقد حققت نجاحا كبيرا في الجزائر، كما أن اليونيسف اعتمدت أغنيتها «حان الوقت» من ألحاني، وقصتي مع أغنية الطفل قديمة حيث كنت ألحن لأبنائي المحفوظات والأناشيد حتى تكون سهلة عليهم في الحفظ، ووجدت أن اهتمامهم بالأنشودة أو المقطوعة الشعرية يزداد لما تكون ملحنة فكنت ألحن بين حين وآخر أغنية للطفل يؤديها أحد المطربين لأنه لا يوجد عندنا مطرب مختص في أغنية الطفل، وهو ما جعل هذا النوع الفني قليل في بلادنا بالرغم من دوره التربوي الكبير، وأنا أعتبر الاهتمام بأغنية الطفل استثمارا حقيقيا إن أردنا أن نربي أجيال الغد تربية صالحة باعتبارهم عماد نهضتنا الشاملة.