بيان 2: لجان التوفيق وفض المنازعات تجربة مصرية متميزة دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر من العام الماضي لتخفيف العبء عن القضاء والتوصل إلى حلول سريعة وحاسمة للمنازعات بين جهات الإدارة والأفراد سواء من العاملين في تلك الجهات أو من المتعاملين معها. ورغم حداثة هذا النظام في مصر إلا أن عدد اللجان وصل إلى 455 لجنة في مختلف أنحاء الجمهورية يعمل بها نحو 800 قاض من المتقاعدين وتؤكد الإحصائيات أن لجان فض المنازعات عرضت عليها 300 الف منازعة خلال العام الماضي واستطاعت نظر 80% من هذا العدد وحسمت معظم هذه المنازعات وديا دون اللجوء إلى القضاء ودون تحمل أية أعباء مادية أو مصاريف أو الإستعانة بمحامين. ومن جانبه عقد المستشار فاروق سيف النصر وزير العدل اجتماعاً مع رؤساء لجان فض المنازعات ناقش فيه سبل تطوير اللجان والاستفادة من الإيجابيات وتجنيب السلبيات التي وقعت فيها اللجان خلال العام الماضي وقدمت اللجان اقتراحات عديدة مثل عقد لجان التوفيق بمقار المحاكم ولو في فترة مسائية بدلا من الوزارات والهيئات، وتعيين الموظفين من المحاكم والنيابات بدلا من الندب ووضع لائحة جزاءات لعاملين بالأمانات الفنية والاستعانة بخبراء المحاكم السابقين والعمل على تقوية إستجابة الجهات الإدارية لتوصيات وأن يتحلى ممثلوها بروح التوفيق لا المخاصمة. في هذا الحوار مع المستشار البشري الشوربجي مساعد وزير العدل لشئون لجان التوفيق وتسوية المنازعات نحاول تقييم تلك التجربة بمناسبة مرور عام على بدء تطبيقها. ـ ما الفلسفة التي استندت إليها وزارة العدل في إنشاء لجان التوفيق وفض المنازعات؟ ـ لقد صدر القانون رقم 7 لسنة 2000 بإنشاء آلية تقوم بمحاولة التوفيق أو التسوية الودية للمنازعات بين العاملين بالإدارة التي يتعاملون معها وكذلك التابعين لها وهذه الآلية بمثابة أداة لتقريب العدالة إليهم بإجراءات مبسطة لا يلجأ فيها إلى محام ولا تدفع فيها رسوم قضائية أو مصاريف ومقر اللجنة يكون في الإدارة أو الوزارة، وتهدف اللجان إلى التخفيف عن المحاكم، ويرأس هذه اللجان مستشارون سابقون للإستفادة من خبرتهم الطويلة في إنهاء الخصومات وفض المنازعات عن طريق التوفيق، والتوفيق أو الوساطة هو من الأساليب الحديثة في كثير من التشريعات المقارنة البديلة عن المحاكم إلى القضاء، والسند الدستوري لهذا القانون ما أقرته المحكمة الدستورية العليا بصدد لجان التسوية في منازعات التأمينات الإجتماعية حيث أشارت إلى أن هذه الأساليب الودية في تسوية المنازعات كشرط قبل اللجوء إلى المحاكم قد تنأى بالخصوم عن حدة الخصومة القضائية والتي تكلف الطرفين متاعب وأعباء ونفقات بجانب استغراقها لوقت طويل وبالتالي إذا نجحنا في تقريب العدالة بدون شكليات المرافعات المدنية والتجارية المعروفة وبدون نفقات كأتعاب المحامين ورسوم التقاضي وما إلى ذلك، فإن هذا يكون في مصلحة العدالة ومصلحة الخصوم، وهذا هو هدف تلك اللجان. 300 ألف نزاع ـ كم عدد اللجان التي أنشئت حتى الآن؟ وكم عدد المنازعات ـ التي نظرتها؟ ـ انشئ حتى الآن 455 لجنة ويعمل فيها أكثر من 800 مستشار وعرض عليها خلال الأحد عشر شهرا الماضية حوالي 300 ألف منازعة تم نظر ما يقرب من الـ 80% من تلك المنازعات، وقد سارعت بعض الوزارات والجهات المختصة إلي اعتماد التوصيات التي تصدرها اللجان والتي هي عبارة عن آراء واقتراحات يتم التوصل إليها بعد فض المنازعة بالرأي القانوني السليم الذي يراه رئيس اللجنة بعد المداولة مع أطراف النزاع أي الإدارة والعاملين فيها أو المتعاملين معها وهذه التوصيات غير ملزمة إلا في حالة قبول الطرفين أو اعتماد السلطة المختصة للتوصية إذا صدرت بالإتفاق، وهذا الاعتماد يجعل من التوصية سندا تنفيذيا كالحكم سواء، بسواء، وإذا وضعت الصيغة التنفيذية بعد الاعتماد صارت التوصية بمثابة حكم أو سند تنفيذي يحوز قوة السند التنفيذي. مشكلات ـ ما أهم المشكلات التي واجهت لجان التوفيق؟ وهل استطعتم التغلب عليها؟ ـ للأسف هوجم قانون لجان التوفيق من بعض الذين لم يتأملوه واعترضته كثير من المشكلات العملية منها عدم تقبل بعض الجهات الإدارية لحكمة هذا القانون وعدم حضور بعض ممثلي الجهات الإدارية وقد عملت وزارة العدل على مواجهة هذه المشكلة أولا بأول من خلال مخاطبة الوزير المختص أو المحافظ المختص والمطالبة بضرورة حضور ممثل الجهة الإدارية لابداء وجهة نظرها أو ما يعن له من ملاحظات في المنازعة تحقيقا لأهداف القانون على أن التوفيق لا يتم في غيبة أحد الأطراف واللجنة لا يصح انعقادها إلا بحضور جميع أطراف المنازعة واذا تغيب أحد الأطراف صار الإنعقاد باطلا وتعذر إنهاء المنازعة أو نظرها أو تكوين رأي فيها، ونتيجة للجهود التي قمنا بها بدأت الوزارات تستجيب وتنبه على ممثليها بالحضور باعتبار أن هذا الحضور ومتابعة نظر المنازعة هو في حقيقته أداء لبعض واجبات الوظيفة، أما التخلف فهو نوع من الإخلال بالواجب الوظيفي أيضا من المشكلات التي واجهتنا عدم ملائمة بعض المقار المخصصة للجان رغم أن رئيس الوزراء كان قد أصدر قرارا في مايو 2000 بضرورة توفير مقار مهيئة ومجهزة بالآثاث والعاملين لكن بعض الجهات الإدارية تراخت في إعداد هذه المقار، لكن بالإتصال بالوزراء والمحافظين ورؤساء الهيئات تم تدبير معظم المقار وانتظم العمل في اللجان المختلفة، وفي حالة عدم ملائمة المقر فإن وزير العدل يصدر قرارا بعقد اللجان في المحكمة لأن القانون جعل اللجوء لهذه اللجان شرطا لازما لقبول الدعوى أمام المحكمة وبالتالي فإنه إذا تعذر وجود مقر للجنة فلابد من توفير ملجأ أو ملاذ للمتنازعين حتى وان كان في مقر المحكمة حتى تنظر المنازعة وتقيد في السجلات وبالتالي تنفيذ القانون ولذلك حرصنا على وجود اللجان سواء في الجهات الإدارية ـ وهذا هو الأصل ـ أول في المحاكم الإبتدائية الكائن في دائرتها مقر اللجنة وهذا هو الاستثناء الذي تقضي به الضرورة أحيانا. متابعة العمل ـ هل هناك جهة تشرف على تنفيذ قانون التوفيق وعلى سير العمل في اللجان؟ ـ هناك أمانة عامة في ديوان وزارة العدل تشكل من رؤساء الهيئات القضائية السابقين وبعض المحافظين والنواب العامين والمدعين العامين الاشتراكيين والذين شغلوا هذا المنصب من قبل أن يستعان بهم في متابعة العمل في لجان التوفيق في جميع أنحاء الجمهورية، أيضا تم إنشاء إدارة عامة في وزارة العدل لشئون لجان التوفيق تحرص على متابعة سلامة تشكيل اللجان وإعداد حركة التعيينات الجديدة ومراجعة جداول القيد وضمان إنتظام العمل باللجان، وهناك أمانة فنية للجان يندب لكل لجنة 4 موظفين من العاملين بالمحاكم والنيابات والهيئات القضائية المختلفة وهؤلاء يتولون أمانة سر اللجنة والإمساك بجداولها ودفاترها وتلقي الطلبات ومتابعة التوصيات حتى تعتمد أو يحفظ ملف الدعوة، ونحن بصدد تدريب هؤلاء العاملين طوال العام وتحديد اللجان الجديدة التي تنشئ بناء على طلب من المؤسسات والوزارات وتقوم وزارة العدل بتزويدها بالعاملين. ـ على مدار العام الماضي وهو عمر لجان فض المنازعات هل حققت هذه اللجان أهدافها؟ ـ نعم لقد حققت اللجان أهدافها لأن التوصية التي تصدر عن اللجنة في فترة لا تزيد على ستين يوما إنما تصدر بعد فحص وتمحيص للمنازعة ومحاولة لفضها بالطريق الودي ويتم التوصل فيها إلى رأي قانوني من خبير قديم هو مستشار درس الكثير من تلك المنازعات والقضايا طوال فترة عمله بالقضاء وهذه التوصيات إما يقبلها الطرفان وتنتهي المنازعة أو تقرر أحقية بالأغلبية فيقوى عزم صاحب الحق على اللجوء إلى المحكمة وفي قانون التوفيق نص يوجب إرسال ملف التوفيق إلى قلم كتاب المحكمة المختصة بمجرد طلبه ليستفاد منه في التحضير للدعوى على الأقل من خلال آراء الطرفين والمستندات والوثائق ورأي رئيس الجنة فالقيمة العملية لتوصيات اللجان ان لم تكن إنهاء النزاع فهي تساهم في تنوير المحكمة التي تقدم إليها الدعوى باعتبارها دراسة سابقة لمنازعة مصحوبة برأي قانوني متخصص وفي بعض الأحيان تسفر مرحلة التوفيق عن أن طالب التوفيق أو المتنازع لاحق له ويقتنع بهذا أو تقتنع الجهة الإدارية وهذا يجعله يعدل عن إقامة الدعوى لانتفاء الحق أيضا هناك منازعات صغيرة لا يصح مطلقا أن يلزم أصحابها باللجوء إلى المحاكم ودفع رسوم والبحث عن محام وما إلى ذلك، وقد نجحت اللجان في إنهاء هذه المنازعات، لأن المبالغ تكون محددة والسند القانوني فيها واضح، وقد صدرت في وزارة العدل أكثر من خمسة آلاف توصيه في تلك المنازعات الصغيرة وتم اعتمادها وفي طريقها للتنفيذ وهذا يخفف الأعباء عن المحاكم وهذا أقل ما تحققه لجان التوفيق وتعود به على العدالة وأجهزة القضاء من تيسيرات. ـ كم يوما تستغرقها المنازعة منذ إحالتها إلى اللجنة وحتى التوصل إلى توصية بشأنها؟ ـ القانون حدد المدة لنظر المنازعة بحيث لا تتجاوز ستين يوما ورئيس اللجنة ينظر عددا من المنازعات يتراوح بين 300 إلى 350 منازعة على مدار السنة ويتراوح بين 25و30 منازعة في الشهر أي بمتوسط سبع منازعات في الجلسة الواحدة، هناك لجان يسير فيها العمل على تلك الوتيرة، وهناك لجان مكتظة بالمنازعات ولذلك نعززها بالمزيد من المستشارين حتى يتمكنوا من الإنتهاء من نظر تلك المنازعات، وعلى أية حال فإنه لايمكن تقدير مدة قياسية محددة لنظر المنازعة لأن المدة تختلف حسب بساطة المنازعة أو صغرها أو وضوح الحق فيها أو الاجتهاد في عرضها وتجميع المستندات من جانب صاحب الحق مثل تلك المنازعة يمكن أن تنتهي في جلسة واحدة لكن هناك منازعات يكون فيها تعنت من الطرفين وبالتالي تنتهي مدة الستين يوما دون التوصل إلى نتيجة وفي تلك الحالة يجوز لأي من الطرفين اللجوء إلى القضاء لأن باب الحق في التقاضي ينفتح بانقضاء الستين يوما سواء بصدور توصية في حالة رفضها من جانب الطرفين أو أحدهما أو بعدم صدور توصية لكن أغلب المنازعات تصدر فيها توصية قبل إنقضاء المدة القانونية. أنواع النزاع ـ ما نوعية القضايا التي تطرح على لجان فض المنازعات؟ ـ المنازعات إما إدارية أو مدنية وتجارية، فيما يتعلق بالمنازعات الإدارية فهي تثقل بمنازعات العاملين في الوزارات والمصالح والمحافظات والهيئات العامة مع الجهات الإدارية تضررا من تخطي في ترقية أو عدم منح علاوة أو توقيع جزاء وما إلى ذلك أما المنازعات المدنية والتجارية فهي أقل بطبيعة الحال ويقيمها أشخاص من المتعاملين مع الإدارة مثل المطالبة بمستحقات مالية وخلافه، والقضايا الغالبة تتعلق بالتظلمات من جزاءات إدارية أو المطالبة بالمستحقات المالية كالعلاوات والفروق والحوافز وغيرها أيضا المنازعات بين الإدارة والمتعاملين معها بتنفيذ عقود أو مبان أو مستحقات متأخرة أو مستخلصات معينة أو الزعم بأن الإدارة مدنية له بتعويضات عن شئ معين، وأشهر المنازعات تتعلق بالأموال المستحقة للموظفين والمستحقات المالية للمتعاملين مع الإدارة. ـ ذكرتم نسبة الإنجاز في المنزاعات المعروضة على اللجان بأنها تصل إلى 80% فكم تبلغ نسبة النجاح في التوفيق أي الوصول إلى توصية يقبلها أطراف النزاع؟ ـ هذا يختلف من وزارة إلى آخرى ففي بعض الوزارات والهيئات تم قبول التوصيات التي صدرت عن اللجان بنسبة تقترب من 100% لكن هناك إدارات ووزارات لا تحسن تلقي التوصية وذلك لأن القانون جديد والتوفيق في منازعات الإدارة بصفة خاصة حديث أيضا ـ وان كان قانون المرافعات نص على الصلح بين الأفراد وهناك المجالس العرفية المعروفة، إلا أن تلك هي المرة الأولى التي يجبر فيها المتعاملون مع الإدارة والإدارة نفسها على اللجوء إلى لجان للتسوية أو الوساطة أو التوفيق قبل اللجوء إلى المحاكم. ـ البعض يري أن الاجبار على اللجوء إلى لجان التوفيق فيه حرمان للأفراد من اللجوء إلى قاضيهم الطبيعي فبماذا تردون على ذلك؟ ـ المحكمة الدستورية العليا فصلت في تلك المسألة وقالت ان اللجوء إلى لجان التسوية الودية لا يخالف الدستور وإنما من شأنه أن يقرب العدالة إلى أصحابها، والمشرع بذلك يكفل مصالح أصحاب هذه الحقوق التي قد تعرضها للخطر خصومة قضائية تبعد بطبيعتها عن مواطن التوفيق أي فيها عنت ولأن تسوية الحقوق المتنازع عليها وديا من خلال تلك اللجان قد يضمن عودة الحقوق إلى اصحابها بيسر وسهولة، أما مصادرة الحق في التقاضي فهذا ليس صحيحا لأن الطرفين لهما الحق في اللجوء إلى القضاء بعد ستين يوما وتنظيم هذا الحق وطريقة الحصول عليه أمر لا يخالف الدستور، أما الذي يخالف الدستور فهو غلق باب التقاضي، واللجان قد تغني عن اللجوء إلى القضاء والإبتعاد عن متاعبه وتكاليفه، ومهاجمة قانون التوفيق بأنه فيه حرمان للفرد من حقه في التقاضي بعيدا عن فن القانون وعن جوهر القضاء في نفس الوقت. تحكيم اجباري ـ لكن لماذا بدأ قانون التوفيق بإجبار المتنازعين على اللجوء إلى لجان فض المنازعات ثم انتهى بأن التوصية الصادرة اختيارية وغير ملزمة؟ ـ هذه النقاط نوقشت أثناء إعداد القانون وكانت محل بحث في مجلس الشعب والشورى وفي إدارة التشريع بوزارة العدل، وتوصلنا أنه من غير المنطقي أن تكون التوصية ملزمة بأي من الطرفين، ولم يكن من العدالة الزام الإدارة ـ كما طالب البعض ـ بالتوصية دون الطرف الآخر أيضا جعل التوصية ملزمة بقلب نظام التوفيق إلى تحكيم إجباري وقد قطع بعدم دستورية التحكيم الإجباري لأن هذا فيه مصادرة للحق في التقاضي، والزام الطرفين بالتوصية يحتم علينا فتح باب الطعن وهذا يعقد وسائل الفصل في الدعاوى ويعقد تقريب العدالة وهناك فرق بين إجبار أطراف النزاع على التصالح والتسوية ـ وهذا مأخوذ به في التشريعات الحديثة في أوروبا وأمريكا وبعض الدول العربية لدرجة أن الدعوى لا تقيد قبل المرور على لجنة توفيق أو وساطة وبين أن تكون التوصية ملزمة للأطراف، فالإجبار على اللجوء إلى اللجان كان وسيلة لتحقيق ثمرة من هذا القانون لأنه لو كان اختياريا لما لجأ إليها أحد فهناك كثيرون في مصر يلجأون إلى رفع دعاوى لمجرد العناد وليس من أجل تحصيل الحقوق، ولو كان اللجوء إلى اللجان اختياريا لما كانت هناك حاجة إلى قانون وآلية وأجهزة ولجان وأدوات ومقار لذلك كان المنطقي أن يكون اللجوء إليها وجوبيا والزاميا، لكن لا نستطيع أن نجعل التوصية ملزمة لأن ذلك يخالف الدستور ويعقد الوصول إلى الحقوق لأننا بذلك نكون قد أنشأنا درجة جديدة للتقاضي في حين أن هدفنا هو اختصار درجات القضاء