بيان 2: عمله كله حزن ولا توجد فيه فرصة للحظات ترفيه وموقع العمل على التهليل والتكبير والتمجيد والتسبيح وانهم في موقع العمل لا يضحكون ولا يتحدثون الا بما يرضي الله. الدكتور عقيل سوار الذهب مدير الطب الشرعي «الاوحد» في السودان ومدير مشرحة الخرطوم تحدث عن المركز الوحيد للطب الشرعي ودوره ومهامه خاصة والطب الشرعي يعتبر واحداً من التخصصات الطبية المهمة الا انه كرافد ليس مثل كل الروافد بل هو البحر الزاخر الذي تلتقي فيه كل العلوم الطبية بالاضافة للعلوم الطبية الشرعية ذات الصبغة القضائية التي تنتهي دائماً بالمدلولات الشرعية المهمة التي يجب على الطبيب الشرعي فك طلاسمها، فالطب الشرعي هو الطب العدلي وهو الطب القانوني والجنائي. يوكل اليه دائماً التشريح الجنائي لمعرفة اسباب الوفاة ولكتابة التقرير الطبي ورفعه للجهات القضائية والقانونية لكي تقول اقوالها. يقول دكتور عقيل هناك ندرة في هذا المجال ومن الرواد الذين عملوا في الطب الشرعي في السودان بروفسير مالك وبروفسير بشير مختار وبروفسير احمد محمد الحسن والدكتور عبدالمطلب والدكتور كوباني ودكتور بابكر ابراهيم ثم شخصي حيث اوكلت لي مهام المشرحة والآن انا الطبيب الشرعي الوحيد في السودان المتخصص في هذا المجال. ومشرحة مستشفى الخرطوم مضى عليها اكثر من خمسين عاماً أي نصف قرن من الزمان وهي تابعة لمستشفى الخرطوم التعليمي وقد قامت أصلاً من اجل مستشفى الخرطوم التعليمي وتعمل لصالح كلية الطب بجامعة الخرطوم. لقد شهدت مشرحة الخرطوم خلال تاريخها حوادث محزنة وفيها الاحداث والكوارث وفيها الصور المزعجة وهي بحسبان وجودها في قلب الخرطوم والوحيدة التي تؤدي العمل الطبي والشرعي والجنائي وهي مسئولة مسئولية كاملة عن تشريح جثث المتوفين طبيعياً والمتوفين في اغراض جنائية ومجهولي الهوية. من الحوادث التي شهدتها المشرحة حوادث الفرق الجماعية وكذلك حوادث المرور مثل حادثة الحافلة التي هوت بركابها في النيل قبالة كوبري شمبات والذين ماتوا غرقاً وكذلك حادث جامع مسجد الجرافة بام درمان حيث قام احد المواطنين بقتل عدد كبير من المصلين في شهر رمضان المعظم وهذه الحوادث وغيرها مؤلمة وفي ذاكرتي وذاكرة زملائي الذين يعملون في هذه المشرحة. والقضايا المؤلمة عندي هي موت الاطفال، لا احب موت الاطفال ولكن هذه سنة الحياة ولكنني اتألم لموت الأطفال وتشريح جثثهم. مشاهد في التشريح ان الطب الشرعي يتعامل مع الاموات، ونحن نتعامل مع الميتين ونرى الاحداث يومياً، نرى الاموات ثلاثين أو اربعين مرة يومياً ونحن في حالة دائمة مع الاموات وذلك في الوقت الذي يشاهد فيه الاخرون الاموات مرة واحدة وهم ذاهبون به إلى المقابر. وفي صور الموتى هنالك الصور المبتسمة والغاضبة والمتميزة، حيث نجد دلائل في وجوه الاموات وقد نجد صوراً غريبة في وجوه المتوفين وهذه هي صورة الموت ونحن اقرب إلى الموتى ونحن نتفكر في دلائله ونسأل الله ان يضمنا في حفظه وفي رعايته لانه خصنا بهذه المهنة وخصنا ان نتعامل مع الموتى وهذه صفة لا تجدها في اي انسان خاصة وان التعامل مع الموتى ليس تعاملاً سهلاً، ونحن نشاهد اشياء كثيرة، والوجوه دائماً تعبر عن لحظة الوفاة، ان كانت الوفاة ناجمة عن الم شديد فتعابير الوجه ظاهرة وكذلك فان حركة اليدين لها اثر كبير جداً وكذلك حركة الجسم ووضعية الجثة وهذه امور تساعدنا كثيراً في التشخيص. نبش الجثث ويقول: نحن دائما ننبش الجثة لمعرفة وتحديد سبب الوفاة ولا ننبش الا بأمر نيابي عالي أو أمر من الشرطة بأن ننبش هذا القبر، وهذا يتطلب مهارات معينة ووقتاً معيناً ونحن ننبش القبر لتحديد اسباب الوفاة بعد دفن الجثة وتختفي آثار القضية، ولكن تظهر بعض الدلائل بأنه كانت هنالك جريمة وتطفو إلى السطح وعندها نقوم بنبش المقبرة ونحدد اسباب الوفاة، ان كان هذا الانسان مات حقيقة نتيجة اسباب جنائية تؤدي إلى القتل ونحدد هذه الأسباب كما ننبش المقبرة لمعرفة أنواع السميات وقد وجدنا دلائل كثيرة ولم يحدث ان قمنا بنبش مقبرة الا وجدنا دليلاً لسبب الوفاة، والله معنا في حلنا وفي ترحالنا وعملنا وتفكيرنا وفي موتنا وحياتنا ولابد ان يلهمنا القدرة الكافية لاداء هذه المهمة. ويقال ان السلطان الذي ذكره المولى عز وجل في سورة الرحمن العلم والله سبحانه وتعالى يعطينا هذا الادراك وسرعة البديهة والدقة المتناهية في هذه الاشياء وهي مدد من الله سبحانه وتعالى لا قوة إلا لله ولا حول إلا لله والمظلوم لابد ان يأخذ حقه في الدنيا في الأخرة. انه عندما تختفي الحقيقة يبقى النبش هو الدليل الوحيد لاثبات الجريمة ومن آخر قضايا النبش وقائع تلك الجريمة التي راح ضحيتها مغترب قادم من المملكة العربية السعودية حيث بذلت أجهزة الشرطة جهوداً مقدرة للقبض على المتهم الذي كاد ان يفلت بجريمته. وتعود تفاصيل الحادثة إلى قدوم المغترب عن طريق ميناء بورتسودان قادماً من السعودية حيث زامله المتهم في رحلة العودة إلى داخل ارض الوطن وتمكن من اقناعه بالذهاب معه إلى احدى ولايات السودان. وفي احدى قنوات الري القريبة من القرية تمكن من ضربه لكمة ادت إلى وفاته بالقرب من ترعة المياه وباكتشاف الجثة وارسالها للطبيب الموجود بالمنطقة جاء قراره الطبي بأن الوفاة نتيجة الغرق الا ان تحري الشرطة كان له رأي خاص بضرورة نبش الجثمان وعند النبش تأكد بأن المجني عليه توفى نتيجة الضرب من خلال التشريح لتتمكن الاجهزة الشرطية من القبض على المتهم بارتكاب الحادثة. أما قضية النبش التي سيقوم بها خلال الأيام المقبلة، فتعود وقائعها إلى ان المتهم وآخرين قاموا بالاعتداء على المرحومة «.........» بمدينة البرقيق بمحافظة دنقلا بالولاية الشمالية وذلك بعد ان شاهدته المرحومة يمارس افعالاً منافية فكان الانتقام منها بأبشع طريقة فالمرحومة اعتادت ان تذهب بالطعام لزوجها الذي يعمل في معدية في نهر النيل يعبر بها شرقاً وغرباً مع الركاب ويبدأ عمله في الصباح الباكر ويعود في المساء. وحسب افادة شرطة البرقيق وفي يوم الحادث ذهبت المرحومة المشهود لها بالاخلاق والسمعة الطيبة بالطعام كالعادة إلى زوجها وعادت لتعود له بطعام الغداء إلا انها لم تعد ثانية. فقد فعل المتهم وهو اخ زوج المرحومة فعلته فعندما عادت إلى منزلها بدأت ترضع طفلها الصغير بينما يلهو طفلاها الاخران بالخارج، دخل عليها المتهم وشركاؤه وقام احدهم بأخذ الطفل من امهامها ووضع وسادة على انفها وفمها وامسكها من عنقها ثم كان الاعتداء عليها بفعل قبيح بالتناوب مع خنقها وكتم انفاسها الى ان فارقت الحياة. بعد ذلك قام المتهمون باحضار جوال ووضعوها داخله وذهبوا بها إلى مخزن بالمنزل تمهيداً لنقلها خارجه. وبعد المغرب احضروا عربة كارو وحملوا الجثة تحت جنح الظلام إلى المزارع والقوها هنالك وسط غابة النخيل ووضعوا حزمة من الحطب بالقرب من جثتها وكمية من ثمار الليمون في ثوبها ليوهموا الناس انها كانت تحتطب وتجمع الليمون وان الاعتداء عليها كان خارج المنزل والنبش سيكشف حقائق هذه الجريمة الطبيب والقضاء القضاء جزء منا ونحن نعتز بأن نسمى الطبيب العدلي أو القضائي أو القانوني، واتمنى ان انضم إلى عائلة القضاء فأنا اسهر اشعر انني اقدم لهم الكثير من المساعدة واحل معهم الكثير لعلاقة «السببية» وهذه الكلمة لدى اخوتي القضاة ان نصل إلى الدواعي الحقيقية التي من اجلها حدثت الوفاة، يعني ما هو السبب الحقيقي الذي ادى إلى الوفاة وهل كانت الوفاة طبيعية ام كانت بفعل فاعل؟ وكيف حدثت الوفاة؟ ومتى؟ وآلية الوفاة؟ وكل هذه الاشياء يتطلبها القاضي، وهذه الوقفة التي يقفها الطبيب الشرعي امام القضاء لانجاز العدالة ولكي تتدلى كلمة العدالة في اسمى معانيها فنحن جزء من القضاة في القضايا الجنائية. هيبة المشرحة المشرحة يهيب منها الجميع حتى الطلاب والطالبات في مراحل الطب خاصة في المراحل الاولى، لان المشارح التي يدرس فيها هؤلاء الطلاب في المراحل الأولى ليست مشرحة بل هي غرف التشريح لتشريح جثث المتوفين لمعرفة الاجساد والاعضاء المختلفة وهذا هو التشريح وعلم التشريح يختلف عن علمنا الذي نحن بصدده، بالرغم من ان الطبيب الذي لا يعرف التشريح لا يستطيع القيام بهذا العمل. فالطلاب تشرح لهم الجثة لمعرفة اين المخ مثلاً وكيف يعمل وكيف تعمل هذه العضلة واين هذا العظم وكم عدد عظام الجسم وكيف تعمل هذه العظام. لا يوجد شخص يسمى مجهول الهوية وفي العالم المتحضر الآن يجب على كل شخص ان يحمل هويته أو بطاقته الشخصية، فالانسان الذي لا نجد في معيته ما يثبت هويته يصبح بدون هوية ولا اعتقد ان هنالك شخصاً في السودان بدون هوية ولكنهم نزحوا إلى المدينة من الارياف وجاءوا من اطراف الدنيا لهم اهلهم وقبائلهم وعشائرهم والسوداني له كامل الحرية ان يتحرك داخل السودان بدون هوية ودون ان يستوقفه احد، لهذا تجد من هو بدون هوية وقد يموتون في حوادث المرور والغرق وقد تنتابهم المنية في الطرقات، لهذا يجب ان نصلح هذا الحال وعلى الجميع ان يحملوا معهم أي ورقة ثبوتية حتى لا يطلق عليهم مجهولي الهوية. ومن الظواهر الاجتماعية التي ظهرت نتيجة للنزوح وسكنى المناطق العشوائية واطراف المدن في العاصمة المثلثة ان هنالك من يتوفون ولا يعلم احد بوفاتهم الا بعد مرور بعض الوقت، لأن هؤلاء قد يستأجرون غرفة واحدة في منطقة نائية وقد يكونون من كبار السن وقد تكون هذه الغرفة بعيدة عن الناس ومعزولة فتنتابه المنية في هذه الغرفة، وهذا يحدث كثيراً وقبل شهر احضروا جثة احد هؤلاء المسنين بعد ان اشتم الجيران الرائحة التي تفوح من الغرفة حيث قاموا بابلاغ الشرطة التي قامت بكسر الباب ووجدت الجثة. وعلى كل هذه الظاهرة لا تقدح في السلوك الاجتماعي للمواطن السوداني ولكنها نتائج النزوح فقد نزح الناس بكميات كبيرة إلى العاصمة لذا ظهرت ظاهرة مجهولي الهوية والموت الفجائي. لا يقتل نملة وعن قضية محمد آدم سفاح صنعاء الذي كان عاملاً في يوم من الأيام في مشرحة مستشفى الخرطوم اقول انني من الاطباء الذين لم يعملوا مع محمد آدم ولكنه عمل مع الدكتور عبدالمطلب رد الله غربته، وللأسف الشديد لم اعمل مع محمد آدم ولكنني سمعت عنه من الذين عاشروه من الفنيين والعمال الذين عملوا معه في المشرحة وذكروه بكل خير وليس كما صوره الاعلام بهذه البشاعة، فالانسان عندما يقع ضحية يفعل به كما يشاء. والذين عملوا مع محمد آدم يذكرونه بالخير وبالخير الكثير وهو كما يقول احدهم وهو مصر إلى الآن كلما تحدثت معه عن محمد آدم يقول لي «ان محمد آدم لا يقتل نملة». صبغة الشعر صبغة الشعر التي تتداولها المرأة السودانية بكثرة لها اثار جانبية سيئة والأمر الذي يمكن ان اشير اليه في هذا الصدد انه بعد المعلومة التثقيفية الصحية الجميلة التي قام ببثها الاطباء في مجال الانف والاذن والحنجرة والأطباء في المشرحة بدأت تقل حوادث صبغة الشعر لقد كنا نستقبل في الماضي يومياً حوالي اربع او خمس حوادث تسمم من صبغة الشعر واصبحنا الآن نستقبل في اليوم حالة أو حالتين. هناك من يقول ان المشرحة تعج بالمواقف الطريفة ولكن للحقيقة اقول ان المشرحة ليس بها اشياء طريفة والمشرحة كلها حزن والله سبحانه وتعالى سمى الموت بالمصيبة ولكن هناك من خلقوا لها النكات والطرفات ولكنهم بعيدون عن المشرحة ونحن في موقع العمل امامنا التهليل والتكبير والتحميد والتسبيح والله سبحانه وتعالى يقول «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي». وعندنا ترجع الروح راضية مرضية إلى ربها وتتدلى عند باريها، ويعرفني ابنائي الذين يعملون معي اننا لا نضحك في المشرحة ولا نتحدث الا بما يعجب الله سبحانه وتعالى في المشرحة فهي بعيدة عن الطرفة. الزبائن من الاحياء لقد اتيحت لي الفرصة ان اعمل بالجماهيرية الليبية كما تم ابتعاثي إلى الهند حيث نلت دراسات عليا، كما اتيحت لي الفرصة ان اعمل دراسات في التثقيف الصحي، ولم اتوقف من مباشرة عملي ومهنتي كطبيب وان ارى الاحياء والأموات. وأسال الله ان يمدني بالعافية والصحة وان استطيع ان اعطي الاحياء والأموات وارحب بـ «البيان» في عيادتي التي احبها حباً شديداً كما احب مشرحتي ولي أصدقاء وحبايب ومريدين وجيران كما احب اهل الصوفية والمتصوفين.