بيان 2: تطرح متغيرات العولمة تحديات كبيرة وجذرية على البلدان النامية وتشمل هذه التحديات مختلف الميادين الاجتماعية ومجالات النشاطات الاقتصادية. وتلقي هذه التغيرات بظلال قاتمة على نمو سوق العمل على وجه التحديد الأمر الذي سيفاقم من الاختلالات الاجتماعية حيث ستتقلص فرص العمل وتتراجع بشكل كبير في البلدان المتقدمة إلى حد ما وفي البلدان النامية إلى حد كبير. ولأن اليمن بخاصة يعاني من تخلف قطاعات الاقتصاد واعتمادها على المنتجات التقليدية والمواد الاولية، فانه سيواجه تحديات كبيرة يتعين الاستعداد لها منذ الآن عبر مجموعة من التدابير والاجراءات. وفي هذا الاطار نظم الاتحاد العام للغرف التجارية والصناعية باليمن بالتعاون مع منظمة العمل العربية، مكتب العمل العربي ندوة حول الافرازات السلبية التي تفرزها العولمة لاسيما على سوق العمل اليمنية. التقرير الثاني يسلط الضوء على مداولات الندوة. آثار خطيرة على قضايا العمل يقول حمدي احمد من منظمة العمل العربية في ورقته المقدمة للندوة بعنوان «المتغيرات الدولية والاقليمية المتعلقة بعالم العمل واثرها على الدول العربية ودور منظمة العمل العربية» ان الملامح الظاهرة على المستوى الكلي لاتجاه العالم نحو عصر التكنولوجيا كثيرة ومتعددة اهمها تزايد النمو غير المولد للاعمال حيث تشير الدلائل خلال السنوات الاخيرة ان دولاً ذات اقتصاديات متقدمة حققت نمواً في دخلها دون ان يتوافق ذلك النمو مع نمو في فرص التشغيل بل زادت معدلات البطالة، وتراجعت طرق تنظيم العمل حيث تقلصت الطريقة «الفوردية» بعد ان حكمت تنظيم الانتاج وزيادة مساهمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مراحل الانتاج بما في ذلك الانتاج العلمي والتكنولوجي وزاد الاعتماد على قطاع الخدمات اذ تراجع الاعتماد على الصناعات التحويلية وبدأ الاهتمام بصناعات جديدة في قطاع الخدمات لانتاج سلع في مجال الاعلام والاتصال والخدمات المصرفية والمعلوماتية وبذلك قل التعويل على العمالة غير الماهرة واصبح الاعتماد على استثمار المعرفة في الانتاج. ومن تلك الملامح ايضاً زيادة المنافسة وزيادة الاستثمار في البحث والتطوير في جميع الدول المتقدمة وكل تلك المؤشرات تدل على ان العمل في المستقبل سوف يعتمد على المعرفة والتقنية العالية وان مجال الخدمات يتوسع اكثر فأكثر والمعلوماتية في صناعة الحواسيب والبرامج اللينة والرقائق وشبكات المعلومات هي التي تقود النمو مشيراً إلى انه خلال السنوات القليلة الماضية كان النمو السنوي في هذه المجالات 15% وسوف يصبح دخلها بعد سنين قليلة ترليون دولار. ويستطرد حمدي احمد ليقول ان محاولات عديدة بذلت لرصد الآثار المحتملة لاتفاقيات «الجات» تأكد من خلال متابعتها مدى الاثار الخطيرة المحتملة على قضايا العمل في البلدان العربية مؤكداً ان الاشارة اليها لا تأتي في اطار اثارة المخاوف والاستسلام للقدر المحتوم ولكن للوعي بتلك الآثار الكامنة المؤثرة في المستقبل العربي والاستعداد الحثيث لمواجهتها خاصة في ظل تراجع دور الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتعاظم دور القطاع الخاص نتيجة للاصلاحات الاقتصادية على ان اخذ القطاع الخاص لزمام المبادرة يبقى محكوم بالعديد من الاعتبارات حيث اصبح هذا المعطى «البعد العالمي» من المسلمات في عصر العولمة ـ رضينا أم ابينا ـ وان يكون تناول القضايا وتحليل مسبباتها واقتراح الحلول لها مرتبط بأخذ البعد العالمي في الاعتبار اذا اردنا ان نخطط لحياتنا وتتماشى هذه القاعدة مع الفكرة المستحدثة فكر عالمياً ونفذ محلياً. ما يعني ان هذه المتغيرات والتحولات ستطرح اشكالات عديدة تنعكس على سوق العمل مثل التغير في عالم العمل، تكثيف رأس المال، التغير في نوعية المهن المطلوبة لسوق العمل، كثرة انتقال العمالة من عمل إلى آخر، انخفاض مستويات الاجور والخدمات العمالية، تفشي ظاهرة العمالة الزائدة، انتشار البطالة السافرة، نقص المهارات وانخفاض الكفاءة الانتاجية للعمالة القائمة، انخفاض الطلب على العمالة العربية غير المدربة أو انصاف المهرة الراغبة في الهجرة بقصد العمل، وهجرة العقول العربية إلى الدول المتقدمة، وبالنتيجة لابد ان تستعد البلدان العربية لها من الآن عبر الاستهداء بالتجارب الآسيوية في بعض بلدان جنوب شرق آسيا والتي من أبرز ملامحها اضطلاع الدولة بدور ريادي في تحقيق التنمية عن طريق جمعها بين الاستهلاك الترفي وانشاء مؤسسات قوية تقوم بدور الحكم الكفؤ النزيه ووضع آليات لطمأنة الافراد والجماعات حول نصيبهم من النمو وحماية اطر الفنيين والإداريين من التدخل السياسي وضمان تمتعهم بدرجة عالية من الكفاءة والنزاهة واعطاء أولوية للتعليم والتدريب. ضغوط على سوق العمل اليمني واذا كانت الاشكالية مطروحة على صعيد العالم العربي، فكيف سيكون عليه واقع الحال يمنياً؟ وفي هذا يقول الدكتور خالد راجح شيخ مستشار الاتحاد العام للعمال في ودقة حملت عنوان «اثر المتغيرات الاقتصادية والدولية على الاستخدام ـ الطلب على قوة العمل». ان واقع الاستخدام في اليمن والمشكلات المرتبطة به تكشفه مؤشرات عدة حيث ان اليمن تتمتع بوفرة نسبية في قوة العمل تتجاوز اربعة ملايين فرد 15 «سنة فأكثر» وهذه النسبة رخيصة الكلفة اذا ما احسن استغلالها يمكن ان تلعب دوراً ايجابياً في جذب الاستثمار وانعاش النشاط الاقتصادي وتلخص المؤشرات المتوفرة طبيعة وحجم هذه القوى والمشكلات التي تواجهها.. وافاقها المنتظرة على النحو التالي: 1 ـ المجتمع اليمني مجتمع فتي اذ يشكل الاطفال دون 15 سنة حوالي 50% من السكان اي حوالي 9 ملايين مواطن، وهذا نتاج ارتفاع معدلات نمو السكان 3.5% ومعدل خصوبة المرأة اليمنية وهذا يخلق ضغوطاً شديدة على الاستخدام، والخدمات كالتعليم والصحة وعلى الاعالة. ويفاقم مشكلات البطالة والامية وخلافه، والاهم المستوى المرتفع للتدفق على سوق العمل وطلب العمل إذ بلغ معدل نمو قوة العمل عام 1999م 4.55%. 2 ـ تدني معدل النشاط الاقتصادي الخام فقوة العمل 15 سنة فأكثر يشكلون فقط 23.6% من السكان «35.3% عند الذكور، و11.4% عند الاناث» فيما كانت 36% على المستوى العربي و39% في تونس و32% في سوريا و40% في مصر وواضح ان معدل المشاركة نسبته متدنية وان نسبة السكان خارج قوة العمل مرتفعة، وهذا تعبير عن حجم هدار من جهة ومحدودية النشاط الاقتصادي من جهة اخرى. «فنسبة المشاركة تصل إلى 60% في الدول المتقدمة» وارتفاع السكان خارج دائرة العمل مردها إلى ارتفاع نسبة الاطفال دون 15 سنة وتدني نسبة مساهمة المرأة إلى 21.8% فقط. وهذا الاهدار في قوة العمل يقود أيضاً إلى رفع معدلات الاعالة الاقتصادية إلى أكثر من 400% أي كل مشتغل يعيل اكثر من اربعة افراد. 3 ـ وعدا جوانب الاهدار الذي يعانيه عنصر العمل فانه يعاني أيضاً من الاهمال والتأخر وعلى سبيل المثال تشكل نسبة قوة العمل في الزراعة اكثر من 53% من القوى العاملة أي اكثر من 2 مليون مشتغل لم يتجاوز الناتج الزراعي لذات العام 1999م الـ 182 مليار ريال بانتاجية للعامل الزراعي حوالي 86 الف ريال «510 دولارات» واذا ما قسم هذا الناتج على نسبة السكان الذين يعيشون على الزراعة يكون نصيب الفرد السنوي حوالي عشرة آلاف ريال فقط، وهذا يدخل معظم سكان الريف وهم معظم سكان اليمن «75% من السكان» تحت خط الفقر. 4 ـ الانتاجية عموماً متدنية اذ كانت انتاجية العامل اليمني عام 1999م 1750 دولاراً و1000 دولار للقطاعات غير النفطية مقابل 6600 دولار في الأردن وقرابة 13700 دولار في لبنان. وكانت الانتاجية «غير النفط» مرتفعة في قطاعات التمويل والخدمات العقارية يليه قطاع النقل والمواصلات والتخزين، ثم الكهرباء والمياه والغاز والخامس قطاع الصناعات التحويلة وبعده قطاع البناء والتشييد وقبل الاخير قطاع التجارة والمطاعم والفنادق واخيراً في الزراعة، وللأسف فان نسبة كل قطاع من قوة العمل تقريباً معكوسة مع مستويات الانتاجية أي أعلى نسبة المشتغلين في الزراعة ثم قطاع التجارة والمطاعم والفنادق.. الخ تبرز تدني الانتاجية في اكثر القطاعات المشتغلة ما افضى إلى تدني مستويات الاجور والدخول فيها عند اغلبية القوى العاملة. التعليم هو المخرج ويقول راجح شيخ حول الاثار المحتملة للعولمة على سوق العمل في اليمن كثيرة ومتعددة ما يطرح ضرورة اتخاذ سلسلة من السياسات والمعالجات الهادفة إلى تعزيز فرص الاستخدام في ظل متطلبات وتحديات العولمة عبر اتخاذ جملة من الاجراءات والتدابير مثل الحفاظ على فرص العمل القائمة ورفع انتاجيتها بانتهاج سياسات تشغيلية تستهدف استغلال الطاقات وتقليص مستويات الفاقد والتالف والهدر، تطوير برامج التدريب اثناء العمل ومعالجة مشكلات قوة العمل الفائضة باعادة تأهيلها وتطبيق نظم التقاعد والاحلال بدلاً عن العمالة الوافدة والاخذ بسياسة فعالية التكييف وتطوير آليات الوقاية والحد من اثار العولمة على قطاع الاعمال واعادة هيكلة الاقتصاد الوطني لصالح القطاعات المدنية وعلى قاعدة ومبدأ التخصص ذات الميزة النسبية الموجهة للخارج كالصناعة والسياحة والخدمات والمناطق الحرة وخلق بيئة استثمارية جاذبة تقوم على الاستقرار والثبات والشفافية والامان والمصداقية وكفاية الخدمات. ويرى راجح شيخ ان التعليم هو السبيل إلى التشغيل الكامل نظراً لأن العلاقة بين التقدم العلمي التكنولوجي وعالم العمل في ظروف العولمة شديد التداخل والتعقيد وللتعليم والتدريب نتائج مزدوجة هي تنمية المهارات والمعارف التي ستساعد الناس والمنشأة والدول على اغتنام الفرص الجديدة من جهة ومساعدة المتضررين من اثار العولمة من جهة ثانية حيث التعليم والتدريب ضروريان للنمو الاقتصادي ونمو فرص العمل والتنمية الاجتماعية ولتحسين نظم ونوعية وانتاجية العمل ورفع مستويات الاجور والامن الوظيفي ووعي الفرد، وبالتالي يتعين زيادة الانفاق على التعليم بمختلف مراحله مشيراً في هذا الصدد إلى ان برامج التحرير الاقتصادي والتكييف الهيكلي قد دفعت إلي سياسات وبرامج مغايرة تماماً وتنطوي هذه المسألة على مخاطر حقيقية مستقبلاً ينبغي التصدي لها من الآن. سوق غير منظم من جهته يرى الدكتور محمد احمد الحاوري استاذ الاقتصاد بجامعة صنعاء في مداخلته تحت عنوان «انعكاسات التحول إلى القطاع الخاص على سوق العمل واثارها الاقتصادية والاجتماعية» ان سوق العمل في اليمن تتميز بأنها سوق اولية غير منظمة لا تستجيب بدرجة كافية للتغيرات الهيكلية في سوق العمل ولا تتحدد بدقة مؤشرات واضحة عن اتجاهات ونوعية التخصصات العلمية والمهنية والتقنية التي يتطلبها القطاع الخاص ومجالات التنمية الاقتصادية المختلفة فضلاً عن محدودية الاحصائيات حول سوق العمل والصعوبات التي تواجه مكاتب تشغيل العمالة الموجودة حالياً مضيفاً ان هذه السوق يهيمن عليها كبر حجم القطاع غير المنظم المتمثل في مجموعة الانشطة الفردية والعائلية والعمل الموسمي المؤقت علاوة على ان معظم القوى العاملة تنتمي إلى فئة الاميين أو الذين يقرأون ويكتبون اذ تمثل حوالي 80.5% من اجمالي القوى العاملة في عام 1995م وتراجعت هذه النسبة إلى 72.3% في عام 2000م أي ان هناك فائضاً كبيراً في العمالة غير الماهرة الأمر الذي يقود إلى اختناقات حادة في العمالة الفنية والمهنية والتخصصات العلمية وتتفاقم حدة المشكلة في ان هناك عدم مواءمة بين مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل والاحتياجات الفعلية من التخصصات المختلفة ما جعله يتصف بعدم التوازن بين مخرجات التعليم وبين نوعية الوظائف وفرص العمل التي يولدها الاقتصاد في المجالات الصناعية والتجارية والخدمية التي يتطلبها القطاع الخاص ما يدفعه إلى الاعتماد على العمالة الاجنبية في الوقت الذي يعاني السوق من انخفاض قدرته على استيعاب الداخلين الجدد إليه. يخلص الحاوري إلى ان عملية التحول الاقتصادي إلى آليات السوق نجم عنه اثار اقتصادية واجتماعية ايجابية وسلبية فمن ناحية يؤدي التحول إلى القطاع الخاص إلى رفع كفاءة تخصيص الموارد الاقتصادية وزيادة انتاجية القوى العاملة وتحسين مستوى الاجور وإزالة مظاهر الاحتكار الحكومي لبعض الأنشطة الاقتصادية وفي المقابل يؤدي إلى العديد من الاثار السلبية، مثل تزايد معدلات البطالة نتيجة عدم قدرة القطاع الخاص على استيعاب مخرجات التعليم الجامعي والمهني وتخلي الدولة عن سياسة التعيين للخريجين في مؤسساتها ومزاحمة الاستثمار الاجنبي للاستثمار المحلي وخاصة في جانب استقدام العمالة الاجنبية ما يؤدي إلى مزيد من الاختناقات في سوق العمل وتزايد حجم العمالة الفائضة، وأيضاً يبرز اختلال في التوازن الاجتماعي نتيجة لتخلي الدولة عن مسئوليتها الاجتماعية من خلال رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية ورفع اسعار الخدمات وانعكس ذلك على مستوى المعيشة للفئات والشرائح الاجتماعية ذات الدخل المحدود والثابت كما تزداد مساحة الفقر بين هذه الفئات في الوقت الذي يكون فيه الدور الاجتماعي للقطاع الخاص محدود. ويخلص الحاوري القول ان هناك بعض الظواهر الاجتماعية السلبية تتزايد كالرشوة في المؤسسات الحكومية والخاصة والنزعة نحو الجريمة والعنف. يبدو جلياً ان اليمن ليس أمامه من خيار تجاه حتمية اندماجه في مسلسل التكيف مع تحولات العولمة الا الاستعداد لها بالالتفات بجدية ومن الآن إلى تلك المخاطر على سوق العمل والشروع بمعالجتها انطلاقاً من تلك التصورات التي خلص إليها المختصون والدارسون كما بدا من خلال طروحاتهم.