يبدي الكثيرون رغبة قوية في تحسين ذاكرتهم او الحفاظ عليها في مواجهة شبح الهرم والخرف. وكلما ازداد فهمنا لكيفية تشكل الذكريات، كلما ازداد تفاؤل الباحثين بامكانية تطوير عقاقير لتقوية الذاكرة. لكن الدلائل بدأت تشير الى ان تحسين الذاكرة قد يكون له ثمن كبير يتمثل بازدياد حساسية المرء للالم. فالعلماء الذين يبحثون في كيفية استجابة الجهاز العصبي للألم ما انفكوا يكتشفون صلات غريبة تربط موضوع ابحاثهم بالطريقة التي تشكل فيها ذكرياتنا الجديدة. ويعتقد العديد من الباحثين الآن ان قدرة الكائنات البدائية على استكشاف منبه مؤلم معين بحساسية متزايدة في كل مرة تمثل الشكل القاعدي الاساسي لآلية التعليم. ما كان للالم ان يستمر لولا وجود الذاكرة لكن ايضا ربما ما كان لذاكرتنا ان تنشأ وتتطور لولا الالم، كما يقول هؤلاء العلماء. ومن تقنية البقاء البسيطة هذه، تطورت تعقيدات انظمة التعلم الخاصة بنا كافة. وبدأت الصلة بين الالم والتعلم تنتج بعض المفاجآت غير المتوقعة، التي تتم اعادة النظر بفكرة علاجات تقوية الذاكرة المقترحة لمرضى الزهايمر لتجنب معاناتهم من ألم مزمن بعيد الامد، وربما تفسر ايضا سبب شعور بعض الاشخاص بالالم من دون وجود اثر لسبب محتمل وراء هذا الالم، والآن بدأت دراسات جديدة تكشف النقاب عن التفاصيل الجزئية لكيفية تشكل الذكريات المؤلمة، فاتحة بذلك افاقا جديدة لطرق علاج الالم، اذ ربما يكون من الممكن التخلص من الألم ببساطة بنسيانه. واستخدم العلماء، سلالة ذكية من الفئران لتسليط الضوء على مدى اقتران الالم بالذاكرة. ولاحظ باحثو الدماغ طيلة سنوات انه مع اكتمال نمو الفئران، تنخفض درجة آلية تعلمها تدريجيا. ويحدث ذلك عن طريق تغيير مكونات خلايا «ان ام دي ايه» الدماغية المتلقية المسئولة عن تحفيز الخلايا العصبية الضرورية لتخزين ذكريات جديدة، لتحل محله نسخة بليدة بطيئة في المكون نفسه، وقد اثبت جوتسين وزملاؤه في جامعة برنستون ان بامكانهم عن طريق التلاعب الجيني تعزيز عدد الخلايا المتلقية وبالتالي استيفاء المكون الفتي. وهكذا ولدت «الفئران الذكية». وكانت تلك القوارض الذكية اسرع تعلما واقوى ذاكرة. وهذا ما دفع تسين الى التساؤل عن سبب تطور الفئران بشكل طبيعي على نحو يجعلها تتخلى عن هذه القوة الذهنية الخارقة. الاجابة على هذا السؤال جاءت العام الماضي حين لاحظ مين زو وزملاؤه في كلية الطب بجامعة واشنطن ان فئران تسين الذكية تستجيب للاذى الجسدي، تماما كما تستجيب الفئران الطبيعية. لكن ألمها يبدو أكثر ديمومة. في البداية ظن تسين ان الفئران كانت افضل في تذكرها لحادثة الايذاء الجسدي. لكن الآن يبدو واضحا ان التغيير الذي ادخل على خلايا «إن.إم.دي.إيه» الملتقية تزيد أيضاً قوة الاشارات في مراكز الألم بالدماغ. و هذا يعني أن الفئران المسنّة، بخفضها لدرجة جزيئات الذاكرة في دماغها، قد تصبح أبطأ في تعلم المهارات الجديدة، لكنها في المقابل تنعم بنوم مريح خالٍ من الألم في أقفاصها. إن قدرتنا على تشكيل ذكريات للألم تعني أن الشعور بالألم كثيراً ما يتعزز بالتجارب المؤلمة التي مررنا بها في الماضي. وبالنسبة لبعض الأشخاص فإن المرض أو الأذى الجسدي يضعهم على درج متصاعد من الألم، بحيث انهم في نهاية المطاف يشعرون بألم واسع الانتشار حتى عندما لا يكون هناك مصدر معروف للألم. حتى الآن، لم تكشف أي طريق لكبح فرط الحساسية للألم. فالمسكنات التقليدية تخدر الألم بصورة مؤقتة، ولا توقف الحساسية له، لذلك فإن الألم يمكن ان يعود بالقوة نفسها حالها يزول مفعول المسكن. ويبحث كليفورد ولف في كلية هارفارد الطبية وغيره من العلماء الآن عن أهداف جزيئية لإرغام الجهاز العصبي اما على نسيان الألم أو على عدم «علمه» أو حفظه في المقام الأول. ولسوء الحظ ان ذلك يبدو اصعب مما كانوا يتوقعون، لأن جملة من العمليات المعقدة والانزيمات تتدخل في آلية الاحساس بالألم وارتباطها في الجهاز العصبي والذاكرة. وكانت هناك آمال بأن تقوية جزيئات «إن.إم.دي.إيه» المتلقية في أدمغة مرضى الزهايمر يمكن أن تقاوم فقدات الذاكرة، لكن الآن يبدو ان هذا ربما يجعل المرضى أفضل ذاكرة لكن أكثر احساساً بالألم. وكذلك فإن استهداف الجزيء نفسه لمقاومة فرط الحساسية للألم عند المرضى الذين يعانون من ألم مزمن يثير خطر اعاقة الذاكرة. لكن إذا أمكن تعزيز نشاط الجزيء في منطقة «قرن آمون» الدماغية عند مرضى الزهايمر، وتثبيط نشاطه فقط في مقدمة المخ التي تعالج الألم، عندها يكون العلماء قد نجحوا في الوصول الى مبتغاهم. ويقول زو ان هذا سيكون هدف الابحاث في المستقبل. وبما أن كل تلك العلاجات لا تزال هدفاً مستقبلياً فإن بعض الباحثين يركزون الآن على كيفية استخدام المسكنات الحالية، ليس فقط لتخفيف الألم، بل ايضاً لتبطئ الحساسية للألم. فإعطاء المسكنات في مرحلة مبكرة بالمرض مثلاً يمكن أن يؤخر بداية الألم الشديد المزمن. إن الشكوى من الألم الخفيف أو المتوسط كثيراً ما تعتبر تذمراً طفولياً لا داعي له. ولذلك فقبل أن يوصي الأطباء بتناول المسكنات «الاحترازية» عليهم أن يعرفوا عند أي نقطة تبدأ حساسية الألم في تخزين مشكلات ذات آفاق مستقبلية. متى تصبح مخاطر الألم المزمن أهم شأناً من الآثار الجانبية لبعض المسكنات وخطر الإدمان على الأقراص المسكنة؟ هذا ما يعكف الباحثون جاهدين لمعرفته قبل المضي قدماً في معركتهم ضد الألم