التجربة الايطالية في فن الكاريكاتير تمتلك عراقة تاريخية تمتد الى مئات السنين، اذ يدعي الطليان بأنهم مؤسسو هذا الفن منذ ايام عصر النهضة الايطالية «1250 ـ 1550» حيث نما هذا الفن في اعمال الفنان الكبير تشيمبولدو الذي كان يرسم وجوه الامراء والسياسيين والقادة الكبار وبعض الوجوه الثقافية والفكرية من اشكال الفواكه والخضروات التي يركبها على بعضها بفطنة وذكاء ساخر لتحاكي صور الشخص المطلوب، كما عبر قبله الفنان ليورناردو دافنشي عن شخصية واستيائه من الحرب، فرسم معركة «دانجاري» الشهيرة التي وقعت بين الفلورنسيين واعدائهم بأسلوب تهكمي كاريكاتيري، تخلدت في بعض تخطيطاته بعد ان تقشعت الوانه الزيتية التي اعدها بنفسه من جدران قصر «فيكيو» التاريخي، ومن ثم تبعها العديد من الفنانين الذين مارسوا رسم اعمال كاريكاتيرية سواء بألوان الزيت اوالغواش او الحبر وحتى فترات قريبة من العصرالحديث، حيث رسم فونتانا وفارولي وكوتوزو وماريني ودي كيركو وعشرات غيرهم من الفنانين المعاصرين بعض الاعمال الفنية ذات النزعة الكاريكاتيرية. وايطاليا بلد السباجيتي والزلازل السياسية التي تعتبر اليوم القطاع الاكثر ضراوة وصخبا في جبهة الاتحاد الاوروبي لما يتميز به الطابع الطلياني العنيف الذي يرتديه الصراع الاجتماعي والسياسي المحتدم، فان شاشات الواقع الملغوم تشهد عروضا يومية تختلف في مقاصدها واهدافها الخفية والمعلنة كلية عن تلك التي تعرضها شاشة السينما الايطالية من زواج ناجح يصيبه الفشل لينتهي على الدوام بالطلاق، فأن فن الكاريكاتير يمتلك موقعا متميزا ومؤثرا لرصد مسيرة الحياة الاجتماعية والسياسية التي تكتنز بها الحياة اليومية، اذ لاتخلو الصحافة الايطالية التي يتجاوز عددها 50 صحيفة يومية رئيسية من رسام للكاريكاتير تتصدر رسوماته الصفحات الاولى او الاخيرة، اذ يدرك صناع الماكنة الاعلامية بأن الانسان الايطالي ميال بطبيعته اكثر من غيره في الاتحاد الاوروبي الى الفكاهة وروح النكتة والنقد الساخر لكل ما يحيط به، وفي بعض الاحيان يصل هجاؤه لنفسه حين تخلو الساحة امامه، ويدرك رجال الاعلام ايضا بأن كل ما هو ساخر ونقدي في الحياة اليومية قادر على استقطاب شعبية كبيرة بين الناس التي اصبحت متعطشة للاصطفاف مع كل من يضع يديه على الجروح التي تنزفها قرحتها المزمنة، وعلى اعتبار ان توجهات هذا الفن الذي اخذ حيزا كبيرا في واقع الحياة اليومية للناس، من اكثر التعبيرات قدرة على استخراج العديد من اشكال ديمقراطية الرأي والتعبير من جيوب الرقابة التي تفرضها هنا بعض الاحيان الاحزاب والمؤسسات الرسمية. رسوم الكاريكاتير التي تظهر على صدور الصفحات الاولى التي تحملها الصحافة والمجلات الاسبوعية، او تلك التي تظهر من خلال العديد من البرامج التي تبثها اكثر من الف قناة تلفزيونية خاصة في طول البلاد وعرضها وهي عادة سياسية نقدية يطلق عليها اسم «فينيتا» وهي اضافة الى ما تحمله من حس ساخر، فأنها تحمل توجهات خفية احيانا ومباشرة احيانا اخرى بالنقد، هدفها اعطاء المشاهد افكارا جدية وذات معنى عميق لما يدور داخل البلاد وفي العالم من احداث ومفارقات، فرسالة الفن الساخر السياسي الذي يستفيد من السخرية والفكاهة، ايقاظ سخط الناس وحقدهم على مشعلي الحروب والفتن والمزايدات السياسية، ومسببي الآلام والمصائب والمشكلات، وتشخيص مواقع الخلل والسلبية والبيروقراطية داخل الاحزاب سواء تلك التي تملك دفة السلطة او تلك التي تقف على ابواب المعارضة، التي لا تجيد الا سياسة التنديد والتحريض والصراخ. الضمير العامي الكاريكاتير الايطالي يمتاز بأن له قوة الرقابة الشعبية والقدرة على ملامسة الجوهر، فهو اقرب الى ضمير الانسان العامي وهواجسه، فمهمته ليست نكات رخيصة او وسهلة تقف خارج هموم العيش، بل لها القدرة في ايقاظ المخيلات وفضح الواقع السياسي ومن خلفه الكواليس التي تتم فيها الطبخات الكبيرة والصغيرة، وبلاغته بشارات ذكية تخرج من الصور لتلامس ذهن المشاهد واحيانا قلبه، من دون تعليمية او وعظ ومن دون مخادعة او اسفاف، وانما في سعي يحمل وعيا منحازا الى محبة الناس ومطالبها وما يتسلط عليها من مظالم واجحاف. لذلك تصدى فن الكاريكاتير الايطالي وبالذات منذ الاستقلال وبناء الجمهورية في 1947 للعديد من الهموم الاجتماعية كظاهرة انتشار المحسوبية والرشاوى، واهمال القطاعات الصحية، وتردي النظام التعليمي وظاهرة البطالة، وتدخلات رأس الكنيسة في الشأن العام الايطالي، وتلوث البيئة، وصعود ثقافة الفئات الجديدة من حديثي النعمة، والسيل الجارف لجرائم سرقة اثار البلاد التي تعتبر الاغنى في العالم، اضافة الى الموضوع الاثير لدى فناني الكاريكاتير لظاهرة الافعال الاجرامية التي تقوم بها عصابات الاجرام المنظم «المافيا» ليس في معقلها الذي تمثله جزيرة صقلية فقط وانما في جميع ارجاء البلاد. ويركز الكاريكاتير الايطالي هذه الفترة على المعارك الدائرة في الوسط السياسي بين احزاب اليمين التي تقود السلطة في البلاد واحزاب المعارضة اليسارية، ليفضح ما تحمله كراسي المسئولية من قدرة لتشويه طبائع كل من يعتليها ويغرق في زهوها. ان هذا الوسيط الشعبي الساخر يحمل نبضا خفيا للحياة يبدو في بعض الاحيان وكأنه بديهات الا انها تحمل دلالاتها الرمزية المبنية على الاساليب الفكهة والقادرة على تأسيس الكثير من القناعات التي تصبح عند الناس حقاق تمتد بجذورها في الواقع. ومن اشهر رسامي الكاريكاتير الايطالي يقف جورجو فوراتني «مواليد روما 1931» في المقدمة كنموذج للناقد الساخر اللاذع الحر الذي اختار ان يكون متخصصا في الحدث السياسي منذ بدايات عمله عام 1975 وبشكل يومي، حيث رافق صدور اول عدد من جريدة لاريبوبليكا «الجمهورية» اليسارية الواسعة الانتشار ولحد يوم استقالته عام 1999 بعد احتجاجه على تدخل مؤسسات الدولة في محاولة لعرقلة حرية التعبير، ليتقاعد من العمل الوظيفي وينتقل الى فتح شبكة خاصة به على الانترنت يرسم من خلالها صورة كاريكاتيرية بخطوط بسيطة لمحبيه الذين يتابعونه من شبكته بشكل يومي ويتجاوز عددهم المليون شخص. اصدر 36 كتابا كاريكاتيريا، باع منها اكثر من ثلاثة ملايين كتاب واقام عدة معارض فنية لرسوماته التي كبرها بحجم الاشخاص العاديين، واشتهر بحملاته ضد رئيس الوزراء الايطالي السابق جوليو اندريوتي الذي اطلق عليه اسم ثعلب السياسة الايطالية. وكان فوراتيني اول من رفع اصبع الاتهام متهما الرجل الذي شغل منصب رئاسة الوزراء سبع مرات بالتعاون مع عصابات المافيا، ومن ورائه الحزب الديمقراطي المسيحي الذي حكم البلاد اكثر من اربعين عاما وانهار بفعل الفضائح السياسية والاخلاقية التي نخرت جسمه وجعلته مجرد تجمعات صغيرة خرجت من رحم الام التي ساهمت بتشويه صورة ايطاليا المعاصرة، كما اشتهر فوراتيني برسوماته اللاذعة ضد رئيس وزراء ايطاليا وزعيم الحزب الاشتراكي الايطالي الراحل بتينو كراكسي الذي ظل يرسمه حتى النهاية على هيئة موسوليني بقميصه الاسود وجزمته الطويلة، فعجلت رسوماته الساخرة بسقوط كراكسي سياسيا ومات في تونس فارا من وجه العدالة. ولم يستثن كبار الفاشيين في عصر العولمة الذي صب جام غضبه عليه، وعلى رأسهم المجرم شارون الذي جعله في معظم رسوماته كتلة كبيرة من لحم الخنزير لاتنام الا على انغام موت اجساد اطفال فلسطين، وكثف حملته في الآونة الاخيرة من خلال نافذته الالكترونية على رئيس الوزراء الايطالي الحالي سيلفيو بيرلوسكوني الذي بدأ ينبش بأفكاره وممارساته الفاشية في تحويل ايطاليا الى اليمين المتطرف بالتنصل والالتفاف على كل المكاسب التي تحققت بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط الفاشية، ليحذر ايطاليا من مجيء رياح فاشية قادمة من جديد، فمرة يرسمه على شكل ماسح صغير يلمع احذية امبراطور العالم الجديد بوش، واخرى يصوره وكأنه ذيل لفأر صغير يتذلل من اجل الدخول الى احد محاجر البيت الابيض. موسى الخميسي ـ روما


