على الدوام كان لفن الكاريكاتير دوره الكبير في حياة الشعوب، حيث استطاع رسام الكاريكاتير من خلال هذا الفن أن يسلط الضوء على سلبيات مجتمعه وهموم وطنه وأمته من خلال لغة جميلة بسيطة يفهمها الجميع، ورؤية واضحة تستند في الغالب الى ايديولوجية سياسية ثابتة.. في هذا اللقاء نحاور اثنين من رسامي الكاريكاتير المصريين هما عمرو سليم وعمرو عكاشة للحديث عن الدور الحقيقي لفن الكاريكاتير سياسيا واجتماعيا، ومدى تأثر هذا الفن بتقنيات الاتصال الحديثة من كمبيوتر وانترنت، وحقيقة واقع الرسم الكاريكاتيري عربيا، ومدى تفاعل الكاريكاتير مع الأحداث الاقليمية والدولية. فرق كبير بداية يقول رسام الكاريكاتير عمرو سليم: هناك فرق كبير بين الكاريكاتير والنكتة، فالكاريكاتير له دور كبير في خدمة قضايا المجتمع وفي تسليط الضوء على كل ما يعوق تقدمه، ومن هنا فرسام الكاريكاتير لابد أن يكون مهموما بكل هذه القضايا ومنحازا للبسطاء الكادحين الذين هم أغلبية هذا المجتمع وبحيث يجد هؤلاء في الكاريكاتير ملاذا من همومهم التي تطاردهم ليل نهار، كما يجب أن يمتلك الرسام أيديولوجية سياسية واضحة تتيح له تقديم طرح مناسب وموقف واضح من كل ما يهم أمته وشعبه، بل حتى القضايا الخارجية فهي الأخرى ليست بعيدة عنا ونتأثر بها من قريب أو بعيد ولذلك فمن المهم لرسام الكاريكاتير أن يكون متابعا لها ومتفهما لابعادها المختلفة. لقد أثير في السنوات الماضية حديث طويل عن العولمة وغيرها، واذا لم تكن لرسام الكاريكاتير رؤيته وأيديولوجيته السياسية الواضحة فكيف سيكون له موقف في هذه الأمور. لقد وصل الأمر ببعض الرسامين الكبار لأن يتنبأوا بالأحداث السياسية قبل وقوعها، وهذا من فرط انغماسهم في كل القضايا التي تواجه مجتمعهم وشعوبهم وكذلك قضايا الآخرين من الذين يعيشون معنا على كوكب الأرض. والكاريكاتير من وجهة نظر عمرو سليم كله سياسي، فحتى العلاقة بين الرجل والمرأة وما يشوبها من مشاكل وتوتر حول الكثير من الأمور هي سياسة، والكاريكاتير الفني سياسة، والرياضي سياسة، لأنه في كل الأحوال لابد لرسام الكاريكاتير من رأي ووجهة نظر يريد توصيلها في هذه القضايا والمشاكل التي تواجه أفراد المجتمع من الفئات المختلفة، ومن أجل ذلك هناك نقد يوجه ورؤية تقدم وهذه سياسة وتبنى على أيديولوجية سياسية واضحة يجب أن يمتلكها فنان الكاريكاتير حتى تكون فكرته واضحة وغير مشوشة، وخاصة أن الفكرة هي أهم شيء في الكاريكاتير والوصول اليها هو أصعب مراحل العمل الفني الذي نراه على صفحات الجرائد والمجلات، وهي لا تأتي غالبا بالسهولة التي قد يتصورها البعض ولكنها تستغرق وقتا طويلا وتوترا وعشرات من فناجين القهوة، حتى تأتي الومضة والالهام.. فميلاد الفكرة هو الميلاد الحقيقي للكاريكاتير لأن عملية تحويلها الى رسم أبسط بكثير من الوصول اليها.. فهي البطل الحقيقي في فن الكاريكاتير، ولذلك فمن يقول أن الحصول على الفكرة أمر سهل هو غالبا لا يفهم حقيقة دور الكاريكاتير. ديكتاتورية الفنان وفي عالم الكاريكاتير هناك من يرحب بوجود الثنائيات، بمعنى كاتب ساخر يبحث عن الفكرة حتى يجدها ورسام بارع خطوطه متميزة يقوم بتحويل هذه الفكرة الى كاريكاتير، كما يوجد من يرفضها ومنهم عمرو سليم الذي يؤمن بديكتاتورية فنان الكاريكاتير وتسلطه على عمله دون أن يشاركه فيه أحد غيره، ديكتاتور بفكرته بريشته، برؤيته، لأن دخول وسيط أو شريك على الخط قد يجعل العمل مشوها باردا ليست فيه الحرارة المطلوبة، فلا يجب بأي حال من الأحوال أن يتحول رسام الكاريكاتير الى مجرد منفذ لأفكار الآخرين. وهو يرى أن القول بأن هناك مدرستين للكاريكاتير واحدة تقوم على هذه الثنائيات والأخرى تتمسك بدكتاتورية، هو قول مغلوط ويرجعنا للوراء، يوم أن كان هناك من يفكر للآخرين، وهم ينفذون ويرسمون فقط، الفكرة يجب أن تكون من ابداع الفنان حتى يكون مولوده الفني خالصا له لا يشاركه فيه أحد. ووفقا لهذه الرؤية لا يرحب عمرو سليم كثيرا بالتقنيات الحديثة كالكمبيوتر في عالم الكاريكاتير، فهو يرى أن هناك علاقة حميمة للغاية بين القلم ورسام الكاريكاتير.. والورق ورسام الكاريكاتير.. الفكرة ورسام الكاريكاتير.. هناك حياة في اليد التي ترسم الكاريكاتير أما استخدام «الماوس» في الرسم الكاريكاتيري فيجعل الفنان الحقيقي يشعر بأن هناك حاجزا بينه وبين أدواته ومن هنا تخرج رسوماته باردة فيها شيء أشبه بالثلج تفتقر للحرارة المطلوبة في العمل الفني. الفنان يجب أن يكون مطلق السراح، حرا في عمله، أمامه أوراقه وأقلام الرصاص، يرسم، يقطع، يشخبط، فقد يصل الى خطوط جديدة، أفكار جديدة وهو في هذه الحالة، أما الجلوس أمام شاشات الكمبيوتر فهو يكون مفيدا ولكنه بلاشك لا يستطيع أن يأتي للفنان بمتعة أن يجلس الى أوراقه وأقلامه. وصول الرسالة وكما لعمرو سليم رأيه في الثنائيات في عالم الكاريكاتير له أيضا رؤية واضحة فيما يتعلق بموضوع كتابة التعليق على الرسم الكاريكاتيري من عدمه حيث يعتقد بأن الرسم الكاريكاتيري رسالة لابد أن تصل للمتلقي، واذا كان وصولها يحتاج كتابة التعليق فلا مانع، واذا كان لا يحتاج فلا بأس، أي أن أهم شيء هو وصول الرسالة، وإن كان البعض لجأ الى هذه التصنيفات بتعليق وبدون تعليق، على اساس أن النوع الأخير هو الذي يؤهل من وجهة نظرهم الى العالمية، وعموما بالنسبة لنا فاللهجة المصرية جميلة جدا وكاريكاتيرية. ويرى أن افتقار الساحة الصحفية العربية لفنانات الكاريكاتير تعود الى خطأ في التربية حيث تعود الفتاة المصرية أو العربية منذ البداية على ألا تكون جريئة، لا تقدر على توجيه النقد للآخرين، أي أنها لم تتعود على شجاعة النقد، وهذا يجعلها ومنذ البداية غير مؤهلة للدخول الى هذا العالم الذي يحتاج قدرة وقوة على النقد ومن خلال كلمات بسيطة موجزة وفكرة واضحة وخطوط متميزة. وعن واقع الرسم الكاريكاتيري عربيا يشير عمرو سليم الى وجود العديد من فناني الكاريكاتير العرب الذين يتميزون بمستوى فني عال جدا، منهم عبدالرحمن ياسر ونعمة مؤيد وضياء الحجار وخضير الحميدي في العراق، وسعد حاجو في لبنان، عماد حجاج في الأردن، وخالد الهاشمي سوري يعيش في فرنسا، ويوسف عبدلكي وغيرهم كثيرون، فالتطورات والتغيرات التي تحدث في المجتمعات العربية تدفع باتجاه وجود رسامي كاريكاتير رائعين. تقنيات حديثة على الجانب الآخر يرى رسام الكاريكاتير عمرو عكاشة أن التقنيات الحديثة مثل الكمبيوتر والانترنت قد أفادت الكاريكاتير كثيرا حيث ساهمت في انتشاره، حيث أنك تستطيع الآن ومن خلال البريد الالكتروني أن ترسل برسوماتك الى أي مكان في العالم في ثوان معدودة، كما يستطيع الفنان من خلال هذه التقنيات توظيف العناصر الفنية والشبكات والألوان بما يخدم الرسم، ويضيف اليه بعض الجماليات، أما اذا تم الاعتماد في الرسم بصورة كاملة على الكمبيوتر ففي هذه الحالة سوف يخرج الرسم الكاريكاتيري بلا روح، أي أن الأمر يتوقف على كيفية الاستخدام لهذه الوسائل. والكاريكاتير من وجهة نظره له دور مهم جدا في خدمة قضايا المجتمع حيث أنه يسلط الضوء ومن خلال رسالة شيقة جذابة على السلبيات الموجودة في هذا المجتمع.. هذه الرسالة يفهمها الصغار قبل الكبار أي أن الذي لا يستطيع الكاتب توصيله للفئات العمرية الصغيرة يستطيع رسام الكاريكاتير أن يوصله بسهولة تامة من خلال رسم كاريكاتيري فيه كل المعنى والهدف المطلوب من الرسالة، ولذلك فهو كثيرا ما يتلقى رسائل من أطفال صغار يعلقون فيها على رسوماته الكاريكاتيرية، وعموما فإن تركيز الرسام على السلبيات وتوجيه النقد البناء يؤدي الى نتائج ايجابية ويؤدي بالكثير من المسئولين عن وجود السلبيات للاتجاه نحو اصلاحها. ولابد لرسام الكاريكاتير في رأي عمرو عكاشة أن يكون مهموما بجميع قضايا ومشاكل وطنه وأمته وعالمه، فهو يجب أن يكون منغمسا في هذه القضايا وملما بها حتى يستطيع أن يكون رؤية واضحة حولها، وهو لا ينسى في هذا الاطار كاريكاتيرا رسمه عن زيارة نتانياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق للقاهرة أظهر فيه عدم ترحيبه بهذه الزيارة وخاصة في ضوء الممارسات العدوانية التي كانت تقع من هذه الحكومة ضد الفلسطينيين، وهو ما أثار مشكلة بين الصحفيين الاسرائيليين والمصريين أثناء هذه الزيارة. نسبة معينة ويوافق عمرو عكاشة على وجود الثنائيات في عالم الكاريكاتير ولكن بنسبة معينة، أي أنه يرى بامكانية أن يوزع رسام الكاريكاتير جهده وعمله في اتجاهين، الأول يعتمد فيه على نفسه تماما من حيث اختيار الفكرة وتنفيذها، والآخر يعتمد على الآخرين في الحصول على الفكرة ويقوم هو بتنفيذها، وخاصة إذا كانت هذه الأفكار هي خلاصة تجارب كاتب ساخر فعندما تجتمع مع خطوط رسام ماهر فسوف يكون هناك عمل كاريكاتيري متميز. ويلخص عمرو عكاشة المشاكل والتحديات التي تواجه الكاريكاتير العربي في عدة نقاط، أولها أن الكاريكاتير في العالم العربي ورغم ما له من قدرة على التغيير أصبح مجرد تنفيس الآن فقط وكأن رسام الكاريكاتير ينفخ في قربة مقطوعة، كما أن الحرية تشغل بال كل الفنانين العرب ومن هنا نجد لجوءهم للرمز ولكن يظل عدم وجود استجابة هو الأمر الذي يؤرقهم كثيرا، أيضا هناك كثيرون في العالم العربي لا يتذوقون الكاريكاتير حتى أن البعض يرى عدم جدواه ويطالب بالغائه، فضلا عن أن رسام الكاريكاتير يشعر أنه مهضوم الحق في جريدته، وهناك بعض الصحف ما زال المسئولون عنها يعتبرونه مجرد سد خانة يلجأون اليه اذا أرادوا سد مساحة معينة، وقد يستغنون عنه اذا وجدوا مساحة تحريرية أو اعلانية للنشر مكانه.
عمرو سليم:الحصول على الفكرة أصعب مراحل العمل الكاريكاتيري، عمرو عكاشة: رسام الكاريكاتير العربي ينفخ في قربة مقطوعة
