تعتبر التجربة الكاريكاتيرية في لبنان والاعلامية منها بشكل خاص، مميزة ومتفردة سواء كان اصحابها لبنانيين، ام من الفنانين العرب او الاجانب، نظرا لما لهذا البلد المحاصر بتخوم جغرافية ضيقة من افاق اعلامية (مطبوعة ومرئية ومسموعة)، وارضية فكرية وثقافية تغني (بضم التاء) وتغنى (بفتحها والنون)، وافاق شاسعة من الحرية والمناخات المحرضة والمشجعة على العطاء والتنوع، والابداع حينا، او الدنو الى اقرب نقطة منه احيانا. كذلك هو حال تجربتي الفنانين الكاريكاتيرين: حسن ادلبي (في مجلة «النقاد) و(دار رياض نجيب الريس للنشر ببيروت)، وسعد حاجو (في جريدة «السفير»). فبالنسبة اليهما فان الكاريكاتير فن تحريضي بأسلوب ساخر، لا يقبل السكوت ويرفض ان يكون «شيطانا اخرس» من دون ان يخلو من الاضحاك او التسلية، وهو لا يحتمل الترفيه وثمة فارق بينه وبين فن النكتة اما الحرية فهي الاوكسجين المطلوب له، وبدونها لا تطوير فيه. لذا يتأثر الكاريكاتير بالاحداث الجسام، والتغيرات العالمية المفصلية، كمحطة تفجيرات واشنطن ونيويورك في 11 سبتمبر الماضي، على سبيل المثال، حيث ساد على المستوى العالمي والاقليمي والمحلي ومازال منع للديمقراطية، وفرض حظر تجول على الافكار تماما كذلك التحنيط الذي اصاب الديمقراطية عندما القى الامريكيون قنابلهم الذرية على هيروشيما وناجازاكي (مثلا ايضا). وفي مختلف الاحوال يجمع الرسامون والفنانون على القول ان رأس الكاريكاتير العربي يبقى المطلوب في مختلف الامكنة والازمنة لهذا تبرز بالنسبة للفنانين حاجو وأدلبي، وسواهم، اهمية اقامة ملتقيات الكاريكاتير بأية مستويات كانت «لأنها تثري، وتنوع، وتفيد، وتحقق التواصل المنشود». ويسلط ادلبي وحاجو، في اجاباتهما على اسئلة «البيان» الاضواء على بعض تلك الجوانب: ـ ماهو الدور الحقيقي لفن الكاريكاتير: سياسيا واجتماعيا؟ ـ سعد حاجو: ـ الكاريكاتير هو فن التحريض بامتياز وبحسب تعريفي «هو المبالغة بتصوير الواقع .. كما هو» وهو حتما ليس للمديح ولا للتبجيل انه محاولة لتصوير وفضح الاخطاء بأسلوب ساخر. والكاريكاتير، بحسب تعريفي هو (باطل «على سبيل المجاز» يراد به حق) فمثلا حين تصور المستغل بشكل شخصي بدين سمين نجد ان هذا في الواقع ليس حقيقيا فالدراسات توحي بأن اجساد اصحاب الاموال صحية لقدرتهم على تناول الطعام الصحي والمفيد، وقيامهم بالرياضة في النوادي، بينما الفقير يعاني من سوء التغذية ويتناول النشويات كالبطاطا، بكثرة الى جانب اللحوم ولكن تصوير الغني بشكل بدين والفقير بشكل انسان ضعيف وهزيل فانه يستعمل الشكل للوصول الى المعنى فالاستغلال وتكديس الاموال وسبب الجوع هو الباطل «شكلا ومضمونا» ونظهره في الرسم كي نبرز الحق. وكل الانواع الاخرى ليست كاريكاتيرا فالحق الذي يراد به باطل يتمثل في كوكبة من الرسامين المأجورين الذين يغيرون الحقائق لتبييض صورة سياسي او تلميع قمع سلطة.. الخ، والباطل الذي يراد به باطل يفضح نفسه ولا يقبله القاريء. اما الحق الذي يراد به حق فهو تبجيل المنجزات والتهليل لها وهي رسوم تعبر عن واقع الحال، ولكنها ليست كاريكاتيرا فاجماع رسامي الكاريكاتير اثناء تحرير الجنوب على رسم واحد موحد هو قبضة اخترقت الاسلاك الشائكة واخترق جسد الجندي الصهيوني فتناثرت اشلاؤه على صفحات الرسوم، هو حق يراد به حق ولكنه ليس كاريكاتيرا. ـ حسن ادلبي: اذ كان «الساكت عن الحق شيطان اخرس» فان فن الكاريكاتير لايقبل السكوت انه الفن المشاكس والناقد والمنبه والمقاوم ضد الخطأ والظلم والنشاز كل ذلك ضمن اسلوب ساخر ناقد محبب يحافظ على مستوى راقٍ بالتعامل والمعاندة اما اجتماعيا فهو ينبه الى الاخطاء وسلبيات العادات والتقاليد الاجتماعية ومشاكل الحياة واجتماعيا لا يخلو من الاضحاك او التسلية احيانا. تحريض ام ترفيه؟ ـ الكاريكاتير السياسي هل هو اداة تحريضية ام مجرد وسيلة للترفيه؟ ـ حسن ادلبي: كما اسلفنا فان جزءا منه هو تحريضي يتماشى مع الحدث والموقف وهناك احداث لا تقبل ان يتسرب الترفيه اليها انها احداث مؤلمة ومفصلية ومؤثرة ومصيرية، هنا يصبح فنان الكاريكاتير جنديا ريشته سلاحه، والمواجهة او المعركة لا تحتمل الترفيه. ـ سعد حاجو: هناك فرق بين فن الكاريكاتير وبين فن النكتة، فكلما اقترب الكاريكاتير من فن النكتة ابتعد عن واجبه التحريضي مقتربا الى وظيفة تخفيف الاحتقان والتنفيس وهو عادة ما ترغبه السلطات من هذا الفن وتحاول جره الى هذا الجانب. تأثير التقنيات المتطورة ـ كيف تأثر فن الكاريكاتير بتقنيات الاتصال الحديثة من كمبيوتر وانترنت وغيرهما؟ وهل قلصت دوره ام فتحت امامه افاقا جديدة؟ ـ سعد حاجو: لقد استفاد اكثر من غيره بدخوله الى هذا العالم الافتراضي فهو فن افتراضي بامتياز واصبح مجالا يستطيع فيه رفع سقف النقد لغياب الرقابة الالكترونية حتى الساعة ووصوله الى كل انحاء المعمورة وبذلك عاد الى استعمال الرموز البصرية التي يفهمها كل البشر وقلصت من تقوقعه المحلي باتجاه افكار اكثر انسانية. ـ حسن ادلبي: ان ارتباط فن الكاريكاتير بالصحافة وتطورها يتأثر بالتطورات الحديثة للطباعة (كمبيوتر ـ انترنت) فهناك رسامو كاريكاتير يرسمون ويلونون على الكمبيوتر ويرسلون رسومهم الى اي نقطة في العالم وخلال لحظات يستطيع فنان الكاريكاتير ان يكون في قلب الحدث والمواجهة الميدانية وهو على بعد آلاف الكيلومترات في منزله. اين الاتحاد العالمي؟ ـ لماذا لايوجد اتحاد عالمي لجمعيات رسامي الكاريكاتير وهل تؤيد قيام مثل هذا الاتحاد؟ ـ حسن ادلبي: علينا ان نبدأ بالحلقة الاصغر فلا يوجد جمعيات محلية (سوريا ـ لبنان..)، وان وجدت فليس لها نشاط يذكر فكيف ان يفكروا بالتواصل مع العالم وجمعياته النشيطة، والمؤثرة، ففي فرنسا تقام معارض دولية في قرى فرنسية وهي منظمة وتستقطب مئات الفنانين من العالم. سعد حاجو: اعتقد انه يوجد وحتما أؤيد كل شكل من اشكال التجمع النقابي في مواجهة تكتلات الشركات الاعلامية العالمية الضخمة التي تحاول الاستفادة من الافكار التي هي وقود الكاريكاتير وتحولها الى سلعة تروج للسوق. سمات وتحديات ـ كيف تقيم واقع الرسم الكاريكاتيري عربياً وعالمياً؟ وما هي ابرز التحديات التي تواجهه؟ ـ سعد حاجو: ان الوطن العربي منذ القديم هو مادة خصبة للكاريكاتير ومركز من مراكز الاهتمام لدى الرأي العام العالمي، وعادت القضية الفلسطينية الى الواجهة بعد غياب عقدين من الزمن ويبقى معها موضوع حرية التعبير والهم المعيشي، والوضع الاقتصادي وما الى ذلك من العناوين الاساسية. ـ حسن ادلبي: الكاريكاتير العربي كغيره من الفنون يتأثر بالظروف السياسية والمعيشية والوظيفية فهو لا ينقصه شيئا من الناحية التقنية ووسائل النشر «صحف ومجلات» ولكنه تنقصه مسألة هامة ووحيدة هي الحرية المتوفرة في الدول الادبية، والحرية هي اوكسجين الحياة والفن، لا يتطور الكاريكاتير بلا حرية. اهمية الملتقى ـ ما الذي اضافه الملتقى العالمي للكاريكاتير الى هذا الفن؟ وما هي رؤيتك لتطويره وتفعيله؟ ـ حسن ادلبي: الملتقى هو عبارة عن شبكة خطوط وجسور توصل الفنانين من عدة دول، وتعرض اعمالهم في مكان واحد. وتعرف بطريقة التفكير عند الفنانين الذين لا يعرفون بعضهم. والمعارض ضمن الملتقى تقدم عصارة ارواح الفنانين والملتقى يجعل لهذا الفن اسساً وقواعد مشتركة ويرفع من مستوى المخيلة والاداء، وتظهر المنافسة بأجمل اشكالها الايجابية كما ان اجتماع الفنانين بمختلف اساليبهم يكشف بعض المبدعين العالميين والمقلدين لاساليب فنانين في الغرب بادعاء صاحب العلاقة انه هو صاحبها. ـ سعد حاجو: الكاريكاتير هو احد الفنون العالمية واللغات البصرية الاممية وكلما حصل في العالم محاولة تجميع لافكار من كل الشعوب كلما تحولنا من الهيمنة الاستهلاكية الى الانسانية العلمية. ما بعد 11 سبتمبر ـ كيف يتفاعل الكاريكاتير مع الاحداث الاقليمية والدولية ومرحلة ما بعد تفجيرات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة؟ ـ سعد حاجو: قسم لنا حكام الولايات المتحدة الامريكية العالم تاريخيا الى حقبتين الاولى هي مرحلة: ما بعد الحداثة وما قبل 11 سبتمبر، والثانية ما بعد 11 سبتمبر وما قبل الحداثة وصولاً الى العصر الحجري. وكأن العالم تغير بعد 11 سبتمبر فمنعت الديمقراطية وفرض حظر تجول للافكار، وفرض حتى على رسامي الكاريكاتيريين الامريكيين عدم رسم رسوم إلا ما يتوافق مع وجهة نظر السلطة الحاكمة، فأصبح الامريكيون اعضاء في نادي الشرق الاوسط واستلهموا تراث الديكتاتوريات العربية وديكتاتوريات الموز. لكني اعتقد ان التاريخ تغير فعلا قبل ذلك، وتحديداً حين لم يستفت حكام امريكا ديمقراطياً شعبهم قبل ان يرموا قنابلهم الذرية على ناجازاكي وهيروشيما، من وقتها تغير العالم وتحنطت الديمقراطية. ـ حسن ادلبي: بعد هذه الاحداث قلبت كثيراً من المفاهيم واعطت اسماء محددة وضيقة لكثير من الامور فتعريف الارهاب مثلاً جاء مفصلاً وضيقاً وشاع بسرعة نتيجة الاعلام الموجه من الدول الكبرى وهذا ضد الحرية. فكيف يقال عن المقاومة اللبنانية «حزب الله» مثلاً والمقاومة الفلسطينية ارهاباً في بعض وسائل الاعلام الغربية الموجهة اذاً.. أين الحرية؟ بيروت ـ وليد زهر الدين: