يكافح المرء في حياته لبناء اسرة يعتقد انها ستكون سعيدة وعندما يقترن مع الانثى المناسبة ويرزق بالبنين والبنات وعند بداية السعادة المفترضة والمتوقعة تبدأ مسيرة المشقة، وتزداد فرص التعاسة، بعد ان عجزت ميزانيته عن تحمل الاعباء، وبعد ان عجزت ظروفه الحياتية عن القيام بواجبها تجاهه فيضطر للرحيل مجبراً رغم انفه تاركاً وراءه قلبه واولاده وزوجته متعلقاً بأوهام يبحث عنها في الظلام ويرشده اليها السراب. انها خلاصة كل مغترب يسعى لحياة جديدة بكل معانيها، في البداية لا يعرف للنوم سبيلاً ولا للماء طعماً ولا للطعام مذاقا. شيئاً فشيئاً يبدأ الجفاء وينسى اول ما ينسى نفسه ثم يتناسى اهله وما تركه لهم من شقاء ويبقى بابهم مُشْرعاً في حالة انتظار ترى ماذا ينتظرون منه الرزق؟ «وقد قسّم الله بين الناس رزقهم ـ لا يخلق الله من خلق يُضيّعه» ام الآمال والوعود؟ اما كان من الافضل لو انه لم يغادر لكنه القدر الذي يعجز المرء في كثير من الاحيان عن فهمه وللوقوف على بعض هذه المشكلة كان لـ «دنيا الناس» هذه الوقفة. تقول سمية شعبان الاحمدي موظفة ان من اصعب الامور التي تواجه الزوجين في حياتهما فراقهما عن بعضها ايا كان نوع الفراق واصعب انواعه هو طلب الرزق خاصة اذا ما نظر المرء الى وضعه وتأكد من ان سفره وعدم سفره سواء ولا فائدة ترجى من هذا السفر. ولغياب الزوج عن الاسرة مساويء ومضار تطال كل فرد من افراد العائلة ويكون النصيب الاكبر للزوجة حيث تتحمل مشقة ليست بالقليلة فهي ستحمل حصتها وحصة زوجها وتلعب دورها ودور زوجها واذا فشلت بهذه المهمة ستكون العاقبة وخيمة ومن الطبيعي ان تفشل حيث اننا في هذه الايام نرى الكثير من الاسر منهارة بالرغم من وجود الآباء والامهات فكيف سيكون الحال في ظل غياب الراعي الاول وكيف ستتحقق مسألة الرعاية اذا كان الزوج غائبا؟. أسوأ من الجوع ويقول اسامة الموسى اختصاصي اجتماعي: لقد حمل الله الرجل مسئولية كبيرة وهي رعاية الاسرة والقوامة ليس معناها الافضلية بل تعني المسئولية فدور الرجل في القيام باسرته كبير جدا وهذا الدور يقتضي وجوده وتواجده دائما كي يطلع على كل شيء ويعالج الاخطاء ويوجه النشء من اولاده فهو سند وحماية وقاعدة لهذا البيت وبعض الرجال لاسباب ما يلقون هذا الحمل على زوجاتهم ويغادرون دون اية مبالاة فتراهم يهربون متعللين بعدم قدرتهم على تحمل المسئولية وبعضهم يغادر طلبا في تحسين دخل الاسرة وبموافقة زوجاتهم غير ان الزوجة لاتعرف انها مسئولية صعبة تناسب شخصيتها وتكوينها فغياب الرجل عن منزله فيه حرمان الاولاد والزوجة من الحنان والعاطفة والامان وهو اسوأ من حرمان الطعام لان الجوع العاطفي له تأثير سلبي على شخصية الانسان اكثر من سلبيات الجوع الغذائي ولذلك يجب ان يتواجد الرجل بين اهله وخاصة اثناء نمو اطفاله له يراهم ويرونه ويلاعبهم ويرشدهم وغيابه يعد بمثابة انذار بالضياع والتفكك للاسرة بأكملها. واحب ان انوه لامر هام وهو ان غياب الرجل عن اسرته اسوأ من كون الرجل ميتا وبالنسبة للزوجة فهذا موضوع مهم حيث ان من واجبه اي الزوج القيام بحقوق الزوجية على اكمل وجه لو نظرنا في حال عودة الرجل الى اهله بعد غياب سنتين او ثلاث سنوات فسنرى بان كلا الزوجين اصبحا عصبيين لايطيقان سماع كلمة واحدة وتراهما كثيراً ما يفشلان في اعادة بناء حياة زوجية جديدة فيما بينهما لان فترة الانقطاع هذه ولدت لدى الزوجة نوعا من الشك في الرجل بحبه لها واشتياقه وغير ذلك وتقول في نفسها لو كان يحبني لما استطاع الابتعاد عني كل هذه المدة وتبدأ الشكوك والظنون تدور في فكر المرأة وهذا ما يترجم عدم تقبل احدى الطرفين للآخر بعد غياب طويل. مشاعر تموت ويضيف: وقد يظهر نمط آخر وهو ان كلا الزوجين يكونان بحالة شوق كبير لبعضهما وعندما يلتقيان يشعر كل منهما بان الواقع غير ما كانا يتوقعان وتبدأ علاقتهما مع بعضهما تبرد شيئا فشيئا حتى يصلا الى طريق مسدود تتمنى فيه الزوجة رجوع زوجها الى غربته ويتمنى فيه الزوج لو انه لم يأت اصلا.ونصيحتي لكل مغترب متزوج الا تطول فترة غيابه كثيرا ويحاول زيارة اهله بين الفترة والاخرى على الا تزيد على ستة اشهر ويحاول ان ينهي هذه الغربة باقرب وقت فالايام التي تذهب لاتعود. لقمة العيش ويقول نعمان محمد المنياوي موظف: يضطر المرء في الحياة الى فراق اهله واحبابه واصدقائه في سبيل لقمة العيش واملا في زيادة دخل الاسرة وتحسين ظروف معيشتها فدخلنا في بلدنا بالكاد يكفي المرء وحده دون مساعدة اهله او القيام باعباء اسرته. ولا يكون السفر دائما لصالح المرء فكثيرا ما تكون الغربة سببا من اسباب التعاسة خاصة اذا لم يكن المرء ذا معرفة بالمسالك الصحيحة للحصول على عمل مناسب في بلد الغربة فمثلا انا اول سفر لي كان منذ ثماني سنوات وعملت في الشهر الواحد براتب قدره مئتا درهم وحتى هذا الراتب الزهيد كنا كثيرا ما نلاحق رب العمل للحصول عليه وبالنسبة لأولادي وزوجتي فانا اعيش هنا وكأني بينهم اكلمهم مرتين في الأسبوع واطمئن عليهم وآخذ جميع اخبارهم غير ان الغربة لا تخلو من التعب والمشقة. البدنية والنفسية فشوقي لهم يزيد يوماً بعد يوم وبالنسبة لسفري لم يحصل ان سافرت مرة دون موافقة واستشارة زوجتي فكل مرة كنت اسافر كانت زوجتي موافقة وهذا امر ضروري حث عليه الاسلام فحقها محفوظ الا اذا تنازلت عنه ولو لم توافق لما كنت فارقتها ساعة واحدة وهي بالتأكيد لم توافق الا لعلمها بضرورة ذلك فمتطلبات الحياة صعبة والحمد لله اوفر لهم كل ما يطلبونه وهذا ما يعوضني ويجعلني اصبر واتحمل. وللمرأة دورٌ كبير في تصريف ظروف الحياة بشكل جيد وسليم اثناء غياب الزوج لأن الجهد يصبح مضاعفاً ويجب ان تقوم برعاية الاولاد وسد حاجاتهم المادية والنفسية وقليلات هن اللواتي يستطعن تحمل مثل هذه المسئولية وبالنسبة لحاجة الزوج وحاجة الزوجة كلٌ للآخر لا يصبرهما عن بعضهما الا التقوى وحفظ الامانة التي حمّلنا إياها الله تعالى. حسب الزوجة ويقول محمد رزق حسن سيحة موظف: انا اب لاربعة اولاد واول مرة بعدت عنهم قبل تسعة عشر عاماً. وكانت اطول فترة غبت بها عنهم ثلاث سنوات وكانت اصعب ايامي فكنت كثيراً ما يغلبني شوقي اليهم وعندما عدت جلست بينهم شهرين استعضت خلالهما ما فاتني خلال غيابي وعوضتهم كل الحنان الذي افتقدوه ولم يكن سفري الا لظروف صعبة يعلمها الجميع ففضلت التعب في سبيل توفير الراحة لهم. وبالعموم لا يحب او يفضل ترك زوجته واولاده غير ان ظروف الحياة تجعله يهاجر لأجل الرزق والحمد لله حالنا الان احسن واولادي يدرسون في المدارس وقد وفرت لهم كل متطلباتهم وزوجتي امرأة ذكية قامت بكامل واجبها وسدت ما تركت من ثغرات اثناء سفري وعوضت الاولاد ما نقصهم بغيابي وانا اؤكد على دور الام اي الزوجة في الدرجة الاولى فمن الضروري كونها اما صالحة وتقية وذات شخصية قوية ومتميزة ولا يشترط كونها متخرجة من جامعة يكفي ان تكون تعلمت من الحياة ومن الايام كيف تقوم بتربية اولادها في ظل غياب والدهم، ونحن عامة المغتربون دون زوجاتهم نجعل الصبر زادنا وتقوى الله فقد قال تعالى في كتابه على لسان سيدنا لقمان ناصحاً لابنه. «يا بني اقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما اصابك ان ذلك من عزم الامور». فهذا هو الدواء لكل مغترب مفارق لأهله ولزوجته. وتقول اميرة الحبيب اختصاصية نفسية تضطر ظروف بعض الازواج للسفر بعيداً عن اسرهم لفترات طويلة ربما تصل الى سنوات بغرض العمل او الدراسة وغيره.. وهذا قد يترك آثاراً نفسية واجتماعية سلبية على الاسرة وخاصة الزوجة والابناء. فبالنسبة للزوجة البعد الزمني والجغرافي للزوج يفقد حياتهما الزوجية الحميمية التي ترغب فيها كل الزوجات المحبات لازواجهن وهذه الحميمية هي تلك العلاقة الخاصة التي تكون بين الزوج وزوجته والتي تتمثل في الحديث اليومي لهما ومناقشة ادق الاسرار بتفاصيلها سواء بالنسبة للأولاد او التي تخص علاقتهما الزوجية وهذه العلاقة تترفع عن العلاقة الزوجية العادية في الانسجام التام والفهم المتوازن لافكارهما وقراءة كل طرف منهما للآخر قراءة متعمقة وعاقلة. والزوجة المحبة لزوجها تفتقد وجوده في حالة سفره الدائم في مناقشة تدبير امورهم المادية.. وفي اسلوب التعامل مع الاطفال، ويتعقد الحال اذا كان الابناء في سن المراهقة فهذه المرحلة بالذات يحتاج المراهق لوالده قريباً منه ليلفت انتباهه الى الخطأ في طوره الاول، ليهذب سلوكه ويرشده الى طريق الصواب. ويعلق على تصرف اصدقائه الذين التقى بهم الاب خارج المنل ويناقش معه احلامه وافكاره المستقبلية. والبنت تحب وجود والدها معها تفرح عندما يناقشها في دروسها وعندما يسافر تحلم بنزهة معه في حديقة. كل هذه التفاصيل الحياتية تشكل العلاقة السوية بين الزوج وزوجته وبين الاب والابناء. وقد يطول غياب الزوج ويكبر الابناء وتكبر المشاكل التي قد تكون الام غير قادرة على احتوائها، وهنا تظهر المشاكل الاجتماعية التي قد تتمثل في انحراف احدهم او فشل الاخر دراسياً وهذا ايضاً يقود الى تردي الحالة النفسية للأم الشيء الذي قد يقود الى انهيارها في حالة اكتئاب او قلق نفسي او ربما الى المرض العقلي الذي قد يدمر الاسرة بكاملها ويكون الغياب كاملاً للوالدين. والاب الذي يغيب طويلاً عن اسرته للعمل وجمع المال ربما يجد من غاب لاجلهم قد تفرق شملهم وغاب كل واحد منهم في عالمه، ولا يستطيع عمل شيء في هذه الحالة لانهم لم يتعودوا على وجوده وسطهم ليتابع حياتهم، ويتابع دراستهم، والاهم من هذا يأكل معهم ويعرف ماذا يحبون وماذا يكرهون. لهذا كله الاسرة السوية التي يتسم افرادها بالتوازن النفسي والسلوكي هي تلك الاسرة التي تعيش في استقرار كامل ويوجد الحوار والتناغم الجميل بين كل افرادها. للضرورة أحكام يقول الدكتور الشيخ انس مهرة: إن الله تعالى جعل الحياة الزوجية سكنا واستقرارا لنفوس البشر، وكلف كلا من الزوجين حقوقا لا مناص من تأديتها لتستمر حياة الزوجين هانئة سعيدة، وقد بين الشرع الحنيف ان السفر يكون على قسمين، السفر المباح لبلوغ قربة كالحج والجهاد وزيارة الوالدين أو لطلب السعة في العيش، كما يباح السفر ايضا للتجارة وللنزهة، والثاني فهو السفر المحرم كالسفر لارتكاب المعاصي مثل الزنا وشرب الخمر والقمار. ففي حال السفر المباح أوجب الاسلام حقوقا على الرجل تجاه زوجته كالنفقة وتأمين حاجات البيت طيلة فترة غيابه عنها، وقد بين السادة العلماء ان السفر وان كان مباحا فلا ينبغي ان يطول أكثر من ستة أشهر. وقد يغيب الرجل أكثر من ستة أشهر لأمر ضروري لا مفر منه كالسعي في طلب الرزق إذا تقطعت به أسباب تحصيله في موطنه أو في دار اقامته مع زوجته، فإن كانت الزوجة تحتمل طول الغياب فهي مأجورة عند الله تعالى بصبرها واحتسابها، ولكن إن غاب أكثر من ستة أشهر لغير عذر وضاقت المرأة ذرعا إذ لم تحتمل البقاء من غير زوج، فبعض أهل العلم يقولون: يراسله الحاكم، فإن أبى ان يرجع الى زوجته فسخ الحاكم زواجه، وبالتالي بعد الفسخ وقضاء العدة يجوز للمرأة ان تتزوج من رجل آخر. إن هذه الاحكام الشرعية البينة تظهر مدى اعطاء الاسلام كل ذي حق حقه، ويستشف المسلم العاقل ان هذه الاحكام لم تكن الا لمصلحة الامة جمعاء، وتحليل ذلك يكون من خلال معرفة الانسان لفطرته البشرية ولمحيطه الاجتماعي، فلو محص جيداً لوجد ان كلا الزوجين اذا غابا عن بعضهما اكثر من ستة اشهر فإن انعكاساً سيطرأ على حياتهما الاجتماعية والجنسية، فالمرأة ستعاني من الوحدة والوحشة، فتخشى لحظة الضعف في اتباع هواها، بل ربما ترتكب الفاحشة ان سولت لها نفسها، إلا اذا تذكرت خشية الله تعالى وعقابه الأليم على فعل الفحش، ثم ان كان للمرأة أولاد فإنها ستعاني من عبء كبير في تربيتهم وحسن تنشئتهم، لأن الاولاد سيعيشون في منأى عن عطف الأب ومراقبته واهتمامه، وإن الرجل إذا طال غيابه وبعده عن زوجته وأولاده فلن يسلم من المشاكل ايضا، فهو بحاجة الى زوجته كي يتحصن بها من الزنا ودواعيه، وليشعر معها بالسكون والمودة والرحمة، وليعيش معها الحياة السعيدة تحت سقف واحد، وبذلك يتبادلان الاهتمام في الحق المشترك بين الزوجين وهو تربية الاولاد، فللأم دورها الفعال، وللأب ايضاً دوره وهيمنته فبيده حسن الادارة والتوجيه للأسرة بأكملها، لذلك يرى كل عاقل ان من الحكمة إذا سافر الرجل سفرا طويلا ـ أي أكثر من ستة أشهر ـ فإنه ملزم بزوجته اما يصحبها معه أو عليه التردد عليها بين الفينة والأخرى للنظر في شئونها ومستلزمات بيت الزوجية، وبذلك يرتق فتق الجفوة والبعد الذي أحدثه السفر والاغتراب عن زوجته وأولاده، وقد علّمنا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم من منهجه القويم هذه المعاني الاجتماعية والدينية الحكيمة، حيث ثبت انه عندما كان يقصد السفر للجهاد في سبيل الله كان يجري قرعة بين أزواجه فيأخذ منهن، فإذا رجع من سفره بات عند أزواجه اللواتي تركهن ولم تقع القرعة عليهن، وأما اللتان كانتا معه فإنه يتركهما بمقدار فترة صحبتهما له، وما هذا الا محض عدل يتفجر من حكمة بالغة، فحبذا لو ان المجتمعات التائهة في خضم هذه الحياة تصحو من غفوتها وتقتدي بالمنهج الاسلامي العظيم لتسلم الاسر قاطبة من أي نزاع يعكر صفو حياتها ولتحظى بالسعادة والسرور والأمان بإذن الله تعالى وتوفيقه. محمد زاهر