مع ظهور الفنانين يوسف المقبل ولينا مراد على خشبة المسرح لإهداء جهدهم وجهد زملائهم للدم الفلسطيني، ودعوة الجمهور للوقوف دقيقة صمت على أرواح شهداء القدس، بدأت أولى عروض مسرحية «موت عابر» للكاتب والمخرج طلال نصر الدين، التي تقدم في إطار المسرح القومي على مسرح اتحاد نقابات العمال بدمشق، وإذا كان طلال قد غاص في عرضه السابق «الديك» في قاع المدينة واستنطق البؤس الغافي في جنباتها، فإنه في عرضه الجديد هذا لم يخرج عن هذه المنطقة. وإن كان قد أهدى النص والمقولة لعذابات المرأة بشكل خاص، لكأنه في عمليه يحاول أن يؤكد انحيازه الكامل لأولئك الذين لا صوت لهم، أو لكأنه يصبو أن يغدو صوت الضمير حين يستيقظ فجأة ليدلي بشهادته ويحاسب المسئولين عن خراب أعمارنا بمباشرة وجرأة، لا تعوزها الحساسيات المرهفة لتحويل الواقع إلى فن العرض الذي لم تتجاوز مدته الساعة والنصف، تمحورت أحداثه حول قصة عليا ( ناديا حنانا ) ذات السبعة عشر ربيعا، التي تلتجئ ليلا إلى منزل أحد فقراء المدينة أبو العز ( يوسف المقبل ) هربا من تحرش البعض، وتدعي أن زوجها الذي خطفها قد توفي، وأن أهلها وأهله لا يرغبون بها، ثم نكتشف في النهاية أن رجلا أحبته قد غرر بها وحملت منه، فهربت خوف العقاب من منزل أهلها، وهي مطلوبة للشرطة، وينتهي العمل بمقتل هذه المرأة الصغيرة دفاعا عن الشرف وبهذه النهاية التراجيدية يستثير العرض الكثير من الأسئلة التي تتعلق بمفاهيم اشكالية وتابوهات اجتماعية، ترتبط بالحرية الفردية والشرف والمنظومة الأخلاقية ككل ولكي يوسع الكاتب والمخرج طلال من دوائر موضوعه، ويكسبها أبعادا وظلالا أشمل وأغنى، قام بنسج مجموعة من الشخصيات الدالة بمعاناتها الشخصية، والدالة بعلاقتها مع هذه المرأة التي دخلت حياتهم بالصدفة، فأبو العز رجل يدفن إحباطاته وفقره في الخمر و ما إن يشرب حتى يبدأ بضرب أخاه المعاق (علاء الزعبي ) وأخته الخرساء نبع الحنان وأكبر الضحايا ( لينا مراد )وزوجته التي هجرته بسبب الضرب، كذلك في منزل أبو العز نتعرف على غسان ( سهيل الجباعي ) السجين السياسي السابق، الذي قضى في المعتقل إحدى عشرة سنة، ولم يزره أحد من أسرته المتدينة لأنه شيوعي، وما إن خرج حتى انفصل تماما عن هذه الأسرة، وبات همه أن ينجز رواية تحكي عذاباته خلال فترة سجنه، نتعرف أيضا على جايد (ابراهيم عيسى) الطالب الجامعي الذي يسعى بكل ما لديه للهجرة، لأنه يريد أن يحيا حياة كريمة، لدينا أيضا الحشاش ورئيس مفرزة الأمن، وكلها نماذج بشرية منتقاة ومسبوكة بعناية ومحملة بالدلالات والرموز لتكشف مناطق العتمة في عالمنا المحيط وبؤر النور في أعماقنا، ولتؤكد سلسلة القمع التي نقع ضحيتها بتراتبية الأضعف اجتماعيا، والتي تشكل المرأة أكبر ضحاياها لكي لا يقع طلال أسير المباشرة والجدية الضاغطة لموضوع كهذا، فقد لجأ إلى واقعية ساخرة في نسج موضوعاته وشخصياته، وإلى لعبة التشويق والإثارة في سكبها، حيث كان يبدأ بالحدث الرئيسي أي بحدث التحول الدرامي، ثم ينتقل إلى التفاصيل التي ينتظرها المتلقي بعد صدمة البدء، كذلك ابتكر حلولا درامية شديدة الحساسية، أضفت مناخا هادئا وشفيفا على هذا الموت العابر، فالفضاء المقسوم إلى مستويين في الخلفية والمؤطر بألواح متنقلة في الأمام، أتاح فرصة التنقل بيسر ما بين غرف منزل أبو العز وما بين الحارة، وأتاح للمثلين حركة تشبه ما هو معروف في المسرح الشرق آسيوي، كذلك الفواصل الموسيقية ما بين اللوحات التي ترافقت مع وقفات الإظلام والتي ألفها أسامة البني، كانت شديدة الغنى من حيث مناخها الدرامي بالرغم من كل هذه الحوامل التي وظفها المخرج، فإنه لم يهمل دور الممثل الذي ظل هاجسه الأساس، وعلى حد تصريحاته فقد أكد أنه قبل البدء في بروفات العرض، قد أرسل ممثليه لمعاينة نماذج شخصياتهم على أرض الواقع، مثلا لينا ذهبت إلى مدرسة الصم والبكم، و ذهب علاء إلى مدرسة المعاقين، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى أداء جميل مفعم بالحياة رسم ملامح محببة وعفوية وصادقة لشخوص العرض كلهم ونخص بالذكر يوسف ولينا وسهيل، وبهذا الأداء الرفيع استطاع العرض أن يقارب كلمات طلال نصر الدين التي كتبها على برشور موت عابر: لحظة من الجمال، لحظة من النزاهة، تجعلنا نشعل أرواحنا لنكنس العث الذي يسكننا، تجعلنا ننتصب على أقدامنا لنواجه كل ما يعترينا من قبح وبشاعة، لأننا في حقيقة الأمر لسنا قبيحين أبدا أبدا ممثلون وفنيون لم يأت ذكرهم : تمثيل: كميل أبو صعب، علي الصطوف، بسام داوود، مخرج مساعد: إيمان سعيد مساعد الإخراج: رشا فائق الديكور والأزياء: عاليا الخير الإضاءة: نصر اله سفر تصميم إعلاني: زهير العربي مكياج: سلوى حنا مدير منصة: خالد دالاتي دمشق ـ تهامة الجندي