لدى زيارة المرء لدلتا نهر الدانوب للمرة الأولى ينتابه احساس عميق بأنها لا تمت للقارة الاوروبية بصلة، لاسيما في ضوء أجواء البساطة والهدوء غير المألوفين، في المدن الاوروبية بما يواكبها من مظاهر تقنية معقدة وتقدم عمراني هائل وأجواء من الضجيج يبدو التمتع بالهدوء والسكينة معها شيئا مستحيلا بسبب سيطرة الآلة والمادة على كل شيء، غير ان دلتا الدانوب تأتي على عكس هذا كله، وترجع بالانسان الى حضن الطبيعة الدافيء، الذي قلما نجده الآن في أجواء أوروبا الصاخبة. ودلتا الدانوب تستمد اسمها من نهر الدانوب الذي يلقب بالنهر العظيم في أوروبا، حيث يعد هذا النهر ثاني أكبر الانهار الأوروبية، وتوجد منابته في جبال منطقة الغابة السوداء في ألمانيا، حيث يجري منحدرا في السهول من تلك الجبال لمسافة طويلة قبل ان يصل منطقة تولسيا في رومانيا، حيث يتفرع هناك الى ثلاثة أنهار، هيك شيليا، سولينا وجيورج، وذلك قبل ان يصب في النهاية في البحر الأسود. ولدى تفرعه في رومانيا يشكل النهر ما يعرف بدلتا الدانوب، التي بدورها تعد ثالث أكبر دلتا في أوروبا قاطبة، حيث تغطي مساحة تبلغ 891670 فدانا كلها ثرية بالغابات والبحيرات والمستنقعات والكثبان الرملية والغدران والقنوات المائية التي تصب في نهاية الأمر في البحر الأسود. وتعد هذه المنطقة أهم المناطق المائية في القارة من الناحية البيئية وذلك بسبب ثراء الحياة الحيوانية والنباتية بها وقد أدرجتها اليونيسكو في قائمة مناطق التراث العالمي، وبها العديد من المناطق التي لا يسمح للجمهور بدخولها، وذلك بغرض حماية الحياة النباتية والحيوانية النادرة هناك. وعند اقترابه من منطقة الدلتا ينقسم النهر الذي يبلغ طوله 1800 ميل الى ثلاث قنوات، أما القناة الشمالية فتكون الحدود الرومانية مع أوكرانيا، بينما تؤدي القناة الوسطى الى ميناء سولينا الروماني الذي يعد من أنشط الموانيء الرومانية، في حين تتجه القناة الجنوبية الى ميناء سفانتو جيورج الصغير، ويتفرع من هذه التفريعات عدد هائل من القنوات المائية تتسع في بعض المناطق لتشكل بحيرات تحفها الاشجار من كل جانب وجزرا تحتوي على نبات القصب، حيث تعد الدلتا أكبر المناطق احتواء على القصب في أوروبا كلها. ويعمل بها عدد كبير من العمال الذين يعيشون من عائد بيعه للتجار في المدن سواء في بوخارست أو سولينا أو غيرها من المدن الرومانية. وتتمتع هذه الدلتا بمناظر طبيعية خلابة يزيد من جمالها وجود أكثر من 1200 فصيلة من الأشجار والنباتات بجانب احدى أكثر البيئات الحيوانية ثراء في القارة الاوروبية وأكبر مستوطنة للبجع الأبيض في اوروبا، حيث تتجمع جميع تلك الفصائل النباتية والحيوانية حول المسطح المائي للدلتا الذي يشغل 80% من مساحتها مما يجعلها ايضا من أكبر المناطق تمتعا بنداوة التربة في القارة العجوز. وتمثل دلتا الدانوب أحد أهم ممرات هجرة الطيور في العالم وليس في القارة الاوروبية وحدها، فأكثر من 330 فصيلة من الطيور تزور المنطقة وحوالي 70% منها تأتي من مناطق بعيدة للغاية، مثل الهند والصين، مما منحها لقب جنة الطيور، ذلك اللقب الذي أطلقه عليها علماء البيئة والطيور في العالم. وبجانب هذه الحياة النباتية والحيوانية الثرية، تأتي الاسماك لتمثل الغالبية العظمى للكائنات الحية التي تعيش بالمنطقة ومعظمها من أصل أوكراني، لذا فإنه من المألوف رؤية طابور طويل من قوارب الصيد مربوطة معاً ويجرها زورق يعمل بمحرك الى مناطق الصيد البعيدة، ويمثل الصيد أحد الانشطة الرئيسية بالمنطقة حيث تعمل به الغالبية العظمى من سكان القرى التي تقع على حافة الدلتا وجوانبها، حيث يعيش في مياه الدلتا أكثر من 150 فصيلة من الاسماك مع تغير أعماق الماء حيث يعيش بعضها في المياه الضحلة والآخر في الاجزاء العميقة من الدلتا. وبجانب الأسماك هناك عدد كبير من الحيوانات البرية مثل الثعالب والذئاب والقطط البرية والأرانب والفئران والسلاحف التي تنتشر في مناطق الكثبان الرملية الموجودة في بعض مناطق الدلتا وكذلك أنواع نادرة من السحالي والثعابين والأفاعي، الأمر الذي يجتذب عددا كبيرا من علماء البيئة والحيوان الذي يجيئون للمنطقة لدراسة سلوك تلك الأنواع النادرة من الزواحف والثدييات. وتأتي السياحة لتمثل ثاني أهم الانشطة في منطقة الدانوب بشكل عام، لاسيما وان المنطقة تجذب أعداداً كبيرة من عشاق الطبيعة والجمال والهدوء والسكينة من مختلف انحاء أوروبا والعالم الى جانب أعداد كبيرة من علماء الطبيعة المهتمين بالفصائل النباتية والحيوانية التي تقطن المنطقة. وبسبب الأهمية الطبيعية الكبيرة للمنطقة، قامت منظمة اليونسكو عام 1990 بضم دلتا الدانوب الى مناطق المحميات التابعة لها وذلك خوفا عليها من التأثر بالامتداد الصناعي حولها من المدن الرومانية. وتعد مدينة تولسيا هي بوابة زيارة الروائع الطبيعية التي تحفل بها منطقة دلتا الدانوب، حيث تحيط بالمدينة سبعة تلال تزيد من جمالها الطبيعي، وقد أصبحت المدينة في الفترة الأخيرة من أهم الموانيء الرومانية ومركز صناعة الاسماك بالدولة. وتحتوي المدينة على العديد من المنشآت السياحية والترفيهية التي تساعد على نمو السياحة بالمنطقة. ولا يبقى إلا ان نشير الى ان منطقة الدانوب تتمتع بمناخ قاري يتأثر بالمسطحات المائية الموجودة حوله، مما يلطف من درجة الحرارة ويجعلها صالحة للزيارة طوال أشهر السنة. حاتم حسين