بمرونة جسده وطواعيته النادرة، تنقّل رفيق علي أحمد برشاقة الممثل المقتدر على خشبة مسرح المجمع الثقافي في أبوظبي السبت الفائت، حيث أعلن جنونه الجميل مطلقاً صرخته المدوّية بوجه التعصّب، وكاشفاً أحلامه المتكسّرة التي رمت به بعيداً عن قريته في مصح عقليّ يحيط به عالم زاخر بالتعقيدات والأوهام وأسباب اليأس. العرض الذي حمل عنوان «قطع وصل» انطوى على مضامين عدة معبّرة عن واقع الحال في لبنان. وكشف لنا عن سلاسة رفيق علي أحمد المؤلّف الذي كتب نصّاً إنسانياً اتخذ صفة الشمولية الكونية في معانيه. كما أكّد مجدداً على الموهبة الفذة لـ «رفيق الممثل» في تقديم المونودراما المسرحية مؤكّداً ريادته في مسرح الممثل الواحد، إذ رسم بحركته المتواصلة لوحات تشكيلية متقنة، جعلت من الخشبة مساحة حيوية تضجّ بصخبها المعبّر. مرة أخرى، تأتي الدعوة من جمعية خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت (فرع أبوظبي)، التي دأبت على استضافته في دولة الامارات، حيث قدم رفيق علي أحمد سابقاً العملين المسرحيين الشهيرين «الجرس» و«المفتاح». وكالعادة، كان الحضور مميزا بكمه ونوعه، تقدمه السفيران اللبناني والفلسطيني لدى الدولة والوكيل المساعد لشئون الثقافة والفنون بالمجمع الثقافي خلفان مصبح المهيري، فيما غصت القاعة بحشد كبير من المهتمين وذواقة الفن الملتزم. هذا العمل، أخرجه ناجي صوراتي ولعب خلاله في اطلالتين فريدتين دور الممرض «ابراهيم» الذي كان يعتقد أنه بإبر المهدئات قد يخفف من توتر «رضوان» ويوقف أحلامه ولم يدر أنه كان بذلك يؤججها أكثر فأكثر. وبصوته العالي كان «إبراهيم» يصرخ مخاطباً «رضوان»: «سأعطيك حبة تنهي أحلامك». فيجيبه «رضوان»: «حُلّ عنّي.. أنا مش مش مجنون، الحبّة اللي بتعطوني إياها بتوعّي العاقل في داخلي». وقد تناغمت عناصر العمل لتؤلف فيما بينها عرضا متكاملا من حيث البناء الفني، فالديكور على بساطته شكل لاعبا أساسيا، فيما تجلت براعة السينوغرافيا في استخدام الاضاءة على الأبواب التي تحولت الى مرايا للذاكرة وعاكسة للأحداث المروية بلسان الممثل وهو يعيش ذروة أحلامه ووعيه، فتشكّلت معها مشاهد بديعة، واستحال «رضوان» مجموعة من البشر يحملون هموماً مختلفة وهويات متناقضة: الممثل، المثقف، رجل المخابرات، المناضل، الطالب، رجل الشارع». ورقص «رضوان» مرّة من الألم كأنه طائر مذبوح، ومرّة فرحاً على إيقاع أهزوجة «الهوارة» كتعبير عن فرح نادر يمرّ كطيف في مناسبة عابرة. وعلى مدى حوالي تسعين دقيقة، لم يهدأ رفيق علي أحمد، ظل الكلام يتواصل، تقطعه بين الحين والآخر موسيقى حزينة أو أصوات من الذاكرة: حيث استعاد أخته الراحلة «أميرة» التي قضت ضحية تمردها على قانون العائلة، والحداء الخفيض الطالع من صوت أنثوي مختتما به الوجع الطاغي في ثنايا العمل برمته. «رضوان» هو مجنون الأمل لكنه العاقل بامتياز، مواطن يحلم بحياة حرة كريمة، لكن اصطدامه بواقع مجتمعه القاسي ورفضه للتعصب في هذه الأرض وتوقه للانفتاح على الآخر أفقده تركيزه وتوازنه، وأودى به الى مستشفى الأمراض العصبية حيث راح يهذي ويحكي انكسار أحلامه وحبه المستحيل وغربته عن مجتمعه وواقعه الذي رفضه. وبينما هو يسرد أوجاعه يصرخ لان يتوقف التعصب، من دون أن ينسى المرض الناجم عن الطائفية في بلده الذي حول جناحي البلد الى ريش متنافر كل ريشة منه تغني على ليلاها. ومن موت الاطفال جوعا في العراق، الى مصرع فتية الجنوب اللبناني بالألعاب الاسرائيلية المفخخة، وصولا الى زيتون فلسطين الذي يجرفه الاحتلال في اطار حرب مجازره ضد البشر والحجر هناك. حاول رفيق علي أحمد أن يجمع كل ما يعتمل في روحه من وجع ويلقي به على الخشبة. «في فلسطين كل ما بيخلق ولد يزرعون له شجرة زيتون، الزيتونة صارت مثل الأخت والأم والوالد». وإزاء تلك الفجيعة التجأ «رضوان» الى ثقافته وذاكرته وتخيله انه عاش في حيوات سابقة يتقمص شخصيات تاريخية ومسرحية، مثل: سقراط وغاندي وأبو ذر الغفاري، وهاملت، ويوحنا المعمدان، وعمر الخيام، يستحضرها ليؤكد صحة أفكاره، ولكي يحطم بمخيلته كل القيود التي منعته من تحقيق أحلامه في الواقع. معبراً في مشاهد كثيرة عن لوثة التعصّب التي أصابت أيضاً المثقفين أنفسهم. وبينما كانت المشاهد تتواتر مسرعة حيناً وبطيئة حيناً آخر، منتقلة من الحزن إلى الفرح بشكل فجائي، كان الأمر يلتبس على بعض الجمهور الذي تفاعل بسذاجة، فانطلقت ضحكات وسط مشهد يصل ذروة تراجيديته. فيما كان التصفيق يعكّر لحظات مسرحية جميلة لمجرّد مرور عبارات وطنية أو ساخرة. كانت انفعالات «رضوان» المتأججة، أشبه بمرآة تعكس تعصّب مجتمعه، فصار ضحية توقه لوصل ما انقطع في هذا الوطن وشغفه باستعادة قيم التسامح بين أبنائه. «كنت أزور الدكتور حداد في مدينة صور، كان يداوي أهل المدينة بكافة طوائفها ومذاهبها، وحين مات أوصى بعد إقامة الجنّاز في الكنيسة، أن ينقلوا نعشه في سيارة تبث عبر مكبّر الصوت آيات من القرآن الكريم». و«رضوان» في «قطع وصل».. لم يكن مجنونا، بل كان العاقل الذي يريدنا أن نسمع صوته ونتحاور. وقبل أن يغادر الخشبة، انحنى رفيق علي أحمد ممتناً المحبة الغامرة، وحيا المجمع الثقافي على رحابته وجمعية الخريجين على ثقتها وتقديرها للأعمال الجادة، مؤكدا على المضي في رسالته الفنية الإنسانية نقيباً للممثلين ولاعباً على الخشبة وأمام الكاميرا