تميز الفنان والكاتب محيي الدين اللباد (61 سنة) بأعماله المتنوعة في رسم الكاريكاتير وكتابة قصص الأطفال، ورسم واخراج الروايات، والتصميم الفني لأكثر من صحيفة ومجلة، والمشاركة في رسوم الكاريكاتير فيها، كما شارك في تأسيس مجلة الاطفال في مصر ودار لنشر كتب الأطفال في بيروت ومنذ 1997 يعد رسومات الطبعة العربية لمجلة (الموند دبلوماتيك) الشهرية ويختار رسومات مشروع «كتاب في جريدة» الذي يصدره اليونسكو وبعض المؤسسات العربية وينشر شهريا مع عشرين جريدة عربية. وقد منح اللباد جائزة أحسن كتاب عربي للأطفال من معرض بيروت 1979، وميدالية فضية بمعرض الكتاب الدولي في لاينبرج بألمانيا 1985، والثقافة الذهبية لبينالي الرسم الدولي ببراتسلافا ـ سلوفاكيا ـ 1989، وجائزة مؤسسة الطفولة والشبيبة بفرنسا ـ 1993. في نوفمبر الماضي احتفى به الصالون الدولي لكتب الاطفال والناشئة الذي افتتح في باريس في 6 نوفمبر 2001 وكرمه بإقامة معرض خاص لاعماله المختلفة بعنوان (محيي الدين اللباد صانع الكتب). ولأن اللباد فنان شامل كان لقاؤنا معه شاملا تناول جانبا من رحلته الشخصية لم تقتصر على فن الكاريكاتير وإنما إمتد إلى فنون أخرى بالاستوديو الخاص به بضاحية مصر الجديدة، بين الكتب واللوحات والألوان وأجهزة الكومبيوتر والانترنت في محاولة للتعرف على مسيرته في كل هذه المجالات. النقلة الأولى قال محيي الدين اللباد: قد يتبين لي الآن وانا استرجع ما كان انني عندما قررت ترك كلية الطب للالتحاق بكلية الفنون الجميلة انني لم التحق بها لأكون فنانا في النحت أو التصوير بالمفهوم الغربي، فلم يكن بيني وبين لوحات التصوير أو النحت علاقة قوية، لم تكن هذه الفنون تجذبني بل لم أكن ارتاح اليها، لأنني منذ سن مبكرة كنت متعلقا بالكتب والمجلات المصورة، مع أنها لم تكن متوفرة في البيت فقد كان والدي استاذا بالازهر وعنده مكتبة للكتب القديمة، لكني كنت اشتري بنفسي المجلات والكتب المصورة وتعلقت برسومات الفنان حسين بيكار التي كانت تسحرني أنا وابناء جيلي في مجلة (سندباد) التي كان يرأس تحريرها الاستاذ محمد سعيد العريان ـ كانت المجلة نقلة هامة في صحافة الاطفال ـ كان يحرر فيها كتاب كبار مثل محمد فريد أبوحديد وكانت دار المعارف تتولى اصدارها وتخطط اعمالا هامة في مجال أدب الأطفال، كنت أتمنى العمل فيها وفعلا اختارني بيكار وكان استاذي بالكلية وأنا مازلت في السنة الثانية، فتحولت من قارئ الى أحد أفراد أسرة (سندباد) بدأت باعداد رسومات لمشاهد قصصية لا تزيد عن ثلاثة، ثم انتقل بيكار الى دار اخبار اليوم واشرف على اصدار سلسلة من الكتب دعا بعض تلاميذه الى رسمها كنت منهم مع جورج بهجوري وايهاب شاكر، ولابد أن اذكر هنا فضل وسبق دار المعارف في اصدار كتب الاطفال فقد صدرت عنها أول مجموعة قصص مصورة عام 1912 وقامت الدار بتجربة اصدار (الأيام) لطه حسين بالرسوم التي رسمها بيكار، واستمرت تجربة اصدار كتب وروايات مع رسوم من 1952 حتى 1963 ثم توقفت. ـ كيف بدأت مسيرتك الاحترافية؟ ـ اتصل بي صلاح جاهين وكنت في السنة الاخيرة بكلية الفنون الجميلة (1952) لكي أعمل معه في دار روزاليوسف مع زملائي صلاح الليثي ورؤوف عياد، اكتشفنا بعد أسبوع اننا استدعينا لنحل محل جاهين الذي انتقل الى (الاهرام) واصدر أحمد بهاء الدين مجلة (صباح الخير) تحمل شعار (للقلوب الشابة والعقول المتحررة) لتعبر عن نقلة اجتماعية، ولكني اكتشفت ان خطة المجلة كانت تلقائية، وان ماطلب مني ومن زملائي لا يليق بخبرتنا مثل رسم كاريكاتير على عمود أو عمودين بورتريه، مما جعلنا نفكر في طريق اخر وان لا نكرر مافعله صلاح جاهين، حاولنا ان نفكر في خطة مابعد جاهين وفيما حدث من تطور في فن الكاريكاتير في العالم بعد ثورة الشباب 1968 وكيف نعبر عن أنفسنا وموقفنا، في تلك الفترة شاركت في اصدار مجلة الاطفال (كروان) التي صدرت عن دار التحرير برئاسة تحرير الكاتب نعمان عاشور.. وكانت تجربة هامة ولكنها توقفت بعد قليل.. ـ ما ظروف اصدارها ولماذا توقفت؟ ـ أوكلت الى دار التحرير التخطيط للمشروع ولما كنت شابا صغيرا وقتئذ (24 سنة) اسندت رئاسة التحرير الى اسم معروف وأكبر سنا هو نعمان عاشور ويملك روحا شعبية، وقد خططنا للمشروع ان يكون مصريا عربيا لا يعتمد على أي مادة اجنبية أو مجلات الأطفال الأمريكية مثل (باتمان) و(سوبرمان) و(الشبح) و(طرزان) وغيرها مما كان مصدرا أساسيا لأكثر المجلات العربية والمصرية القائمة، وخرجت اشاعة وقتئذ أن عبدالناصر هو الذي أمر باصدارها لأن أولاده كانوا في سن القراءة وللأسف حينما تغيرت قيادة دار التحرير وعين كمال الحناوي وزيرا للوحدة، وجاءت قيادة جديدة قامت باغلاقها بعد عام واحد، ورغم عمرها كان لها تأثير على القراء وعلى المجلات الاخرى رغم ان طباعتها بسيطة مثل الجريدة اليومية ممايؤكد ان فخامة الطباعة ليست وراء النجاح. المرحلة الأهم ـ ما أهم المراحل في حياتك الفنية بعد هذا؟ ـ سافرت عام 1972 في دورة الى المانيا الشرقية (الديموقراطية) أعدت لتخريج قياديين صحفيين. كانت هذه الرحلة الأولى لأوروبا مدعاة أن أفكر في علاقة الفن بالناس ومعنى مصادر الفن واننا كنا مخدوعين لا يجب ان ننقل نتائج أي فن من الخارج لأن الفن يعبر عن حضارة خاصة سواء في الطبيعة أو التاريخ، وعملت في ألمانيا في مجلة ساخرة للكاريكاتير اسمها ما معناه (مرأة البومة) ثم قضيت فترة في تشيكوسلوفاكيا استفدت تقنيا من البلدين لكن رحلتي الأهم كانت الى فرنسا حيث اكتشفت عالما آخر، اكتشفت تأثير ثورة الشباب 1968 من خلال مجلات الكاريكاتير في تلك الفترة اشتريت كثيرا من اعدادها القديمة، فهم يحتفظون بكل اصدار في مجموعات مجلدة مثل مجلة (المسعورة) و(مذبحة سينيه) وكان سينيه فنانا قاد مجموعة رسامي شباب 1968. تعرفت على اعمال ليس لها مثيل وقد اسعدني ان التقى بالفنان سينيه نفسه بعد أن قرأت خبرا أنه سيقوم بتدشين كتاب بتوقيعه وكنت قرأت الكثير له وعنه، فقد كان من أهم الفنانين الذين عبروا برسوم الكاريكاتير عن ثورة 1968 وكان سرا عضوا بجبهة التحرير الجزائرية كان يساهم كرجل طباعة سابق في اعداد وتزوير الوثائق والمستندات التي تخدم القضية الجزائرية وكان يعمل في جريدة الاكسبريس التي تغير موقفها السياسي بعد 1968 اذ رفضت رسومه، مما دعاه الى نشرها تحت عنوان (الرسوم المرفوضة) واضطر ان يعمل في شركة بترول، وان يشرف على اعداد تقارير سنوية لبعض الشركات، زرته في بيته وكان يدافع عن عمله في شركات رأسمالية في مواجهة اتهام البعض له بالتنازل عن آرائه السياسية السابقة، فإن هذا عمل للارتزاق وفي نفس الوقت يمارس حريته في رسومه ووجدت في موقفه هذا مايبرر موقفي واخرين في العمل في التصميم الفني من أجل الرزق، الى جانب ممارسة حريتي في الجانب الثقافي، خاصة في عهد السادات الذي وضعنا في مأزق كصحفيين وفنانين اصحاب رأي اما ان نوافق على سياسته ونؤيده أو لا يكون لنا مكان في المؤسسات الرسمية، وهذا ما ألمني الى ان تقدمت باستقالتي من (روزاليوسف) ولكن زملائي اقنعوني بسحبها حتى لا افقد حقي في التقاعد، فأخذت أجازة بدون مرتب لعدة سنوات، ومارست بعض مشروعاتي وعدت لاشرف فنيا على سلسلة الكتاب الذهبي واعتز باصداري كتاب لحسن فؤاد جمعت فيه أعماله. ثوار.. وفوضويون ـ من لهجتك في الحديث عن ثورة الشباب في فرنسا يبدو أنها تركت اثرا كبيرا فيك وفي جيلك.. كيف ترى دور هذه الثورة في تغيير المجتمع وعلى فن الكاريكاتير؟ ـ ثورة الشباب استهدفت اعادة نظر في كل القيم والمؤسسات والاسرة، والمجتمع الابوي، ونظام التعليم، اباحة في كل شئ بصراحة الاجهاز على آخر القيم البرجوازية، بدعوى انهم اصحاب الثورة الفرنسية، ولكن في النهاية اجهضت هذه الثورة وسيطرت الصيغة الانيقة للبرجوازية، والرأسمالية حتى اعتبرت ثورة الشباب اقرب الى الفوضوية حتى ان اليسار الوسطى كان محل ادانة ووضع في سلة واحدة مع ديجول ـ الشيوعيون واندريه مالرو ـ وظهر نوع من اليسار الجديد أقرب الى الفوضوية هذا كان له معادل.. قبل 1969 كان هناك رسامون يساريون وشيوعيون لهم أيديولوجيتهم ولهم تحيزاتهم كل شئ عندهم كان قابلا للسخرية، قدموا صدمة للناس الذين تلقوا هذا التعبير باهتمام ولكن الثورة لم تستمر كثيرا ولم تخرج عن الحي اللاتيني لكنها اثرت في المجتمع ككل، وتخصص بعض الناشرين في أدبياتها، وظهر فنانو كاريكاتير كبار مثل سينيه الذي كان له تلاميذه.. حينما زرت باريس 1972 كان هؤلاء التلاميذ قد كبروا وانشأوا لهم مجلات مثل (شارلي) الاسبوعية (وشارلي) الشهرية كسروا المحرمات وكانوا ضد البوليس والجيش الذي كان استعماريا وقتئذ، والقضاء والاسرة وكلها رأوا فيها رموز الدولة البرجوازية. هذه المجلات وغيرها قد تكون ساهمت في تغيير المجتمع، ولكن في المقابل وضعت خطة مصيرية ايضا ومن أجل ازالة تأثيرها اصدر أصحاب هذه الخطة شعارا مختلفا على هيئة وجه درامي بعنوان (ابتسم) يحمل دعوة لنسيان ما فات! وعلى مدى الزمن منتصف الثمانينيات بدأ المجتمع كله يعادي آثار الثورة بل ان زعماء ثورة الشباب 1969 اصبحوا مديري بنوك وشركات واصحاب مصالح، وقد انعكس هذا الى حد ما على الكاريكاتير.. جريدة «الفيجارو» مثلا استخدمت فنان كاريكاتير يمينيا. ولم يمنع هذا من ظهور بعض الفنانين التقدميين في السنوات الاخيرة. وقد احتفل مؤخرا بمرور مائة عام على مجلة تسمى (طبق الزبدة) كانت تجمع كل الفنانين المناضلين في العالم الذين كافحوا ضد الظلم والاستغلال وضد القوة الصناعية أي أن هناك اذن تراث ثري قد تتوقف المسيرة احيانا لكنها تتقدم من جديد. مجلة (تشارلي) مثلا وقفت في حرب افغانستان رغم سخريتها من جميع الأطراف ضد ضرب افغانستان وقتل المدنيين. الخطاب البصري ـ مساهتك في تأسيس دار الفتى العربي في بيروت من الواجب ان نناقشها الآن لمراجعة دورها ومشروعها القومي في فترة هامة من تاريخ الأمة العربية؟ - لقد طلبوا منى رأيي.. ذهبت الى بيروت عام 1974 ولم أجد في شقة هي مقر الدار الا بعض المكاتب وبعض الملفات وأوراقا وقصصا غير مصنفة وبلا خطة، ولكنها مجازة من قبل الرقابة السياسية، وأحب هنا أن أشير إلى تصور البعض أن دار الفتى العربي أسستها منظمة التحرير الفلسطينية وهذا غير صحيح، فقد كان رأسمالها من قبل بعض رجال الاعمال الفلسطينيين، ولم تستهدف الربح وكان يرأس الدار الدكتور نبيل شعث وكان وقتها عميدا لكلية التجارة بالجامعة الأمريكية ـ بيروت وكان في نفس الوقت رئيس تخطيط القسم الفلسطيني، قمت بإعداد خطة بدأت في أول مايو 1974، وكانت حصيلتها في أول يناير 1975 أربعة وستين كتابا، وكانت الدار بمشروعاتها بمثابة نقلة هامة التف حولها المثقفون، وكان الناس بعد 73 بحاجة للأمل. ولكن اليوم بعد مرور خمسة وعشرين عاماً أو أكثر في محاولة للتقييم نجد أن الاصدارات كانت كتيبات صغيرة أكثر منها كتبا، وان أغلبها قصص مصورة، وكانت الكتب أقرب لهموم الكبار السياسية مسقطة على الصغار مخاطبة الصغار بالشعارات السياسية رسالة لا تصل، ودور هذه الدار ـ التي شاركت فيها ـ يجب أن يقيم في ظل ظروف الأجيال الجديدة الأكثر خبرة باللغة البصرية هم جيل اللغات البصرية في حين كان آباؤهم من جيل الخطابة والشعر، أقصد جيل عمر الثلاثينيات، ولهذا لابد أن يخاطب بصريا بشكل مختلف وهذا ماحاولته لتكون على نسق واحد سواء في رسوم الأطفال أو الكاريكاتير أو التصميم الجرافيكي.. فأنا في نفس الوقت رسام لكتب الأطفال وكاتب ومصمم. ـ ودورك في مجلة الموند ديبلوماتيك؟ ـ هي مجلة شهرية سياسية، وفي كل عدد يكلفون فنانا يقدم أعمالا تشكيلية فيها المعادل البصري، ويختار مسئولو المجلة الفنانين من كل انحاء العالم وباريس طبعا هي من عواصم الفن، لوحات تعلق أو تسخر من الموضوع يرسلون لي المادة الفرنسية أقرأها قبل ترجمتها للعربية وعن طريق Email أرسل اليهم رسومي.. لتنشر في الطبعة العربية التي تصدر عن طريق جريدة عربية لبنانية (النهار) وقد استقبل نشر الكتاب استقبالا طيبا. ـ واشرافك فنيا على مشروع «كتاب في جريدة»؟ ـ هذا مشروع عربي لكتاب عربي، وكانت خطتي أن أربط وأمزج بين الكتاب العرب والرسامين العرب، قد يتطلب بعض الموضوعات قضية خاصة لا يدركها الا رسام من أهل البلد، وقد وجدت أن مهنة رسم الكتب لم تتبلور، مع الاعتراف بدور فنانين مثل حسن فؤاد ومنير كنعان في الخمسينيات، وبعدهم جمال قطب الذي رسم روايات نجيب محفوظ. أردت أن أقدم رؤية جديدة في هذا المشروع.. أن استعين برسومات غير معدة خاصة للكتاب، أي ابتعد عن الترجمة الحرفية للعمل.. رأيى أن كل الرسومات التي حاولت ترجمة الأعمال الأدبية أقل من مستوى المؤلف.. ولهذا عملت على جمع أكبر عدد من الرسومات لفنانين عرب لاختار من بينها، كما لجأت الى حل آخر هو استخدام التراث من محفوظات كما فعلت مع كتاب الجاحظ، أو رسوم شعبية كما فعلت مع رواية لابراهيم اصلان حيث استخدمت رسوم الجدران، وفي كتاب قنديل أم هاشم ليحيى حقي استخدمت رسوما ونقوشا على الزجاج تجسد جو القصة، في كتاب مختارات من نهج البلاغة لعلي بن أبي طالب استخدمت خطوطا مرسومة من القرن الثامن عشر، لأن هناك عددا كبيرا من هذه الرسوم التراثية. حاوره في القاهرة: فوزي سليمان