قد يتصور البعض ان فن الكاريكاتير هو مجرد وسيلة للترفيه والتسلية ولكن الواقع يعكس شيئاً مختلفاً تماما عن ذلك، إذ ان فن الكاريكاتير أبعد ما يكون عن هذا التصور. فهو فن يعطي صورة تجسد ملامح الواقع ويبرز مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بصورة مبسطة ومشوقة يسهل فهمها واستيعاب ما تعبر عنه عبر مختلف الثقافات. حول فن الكاريكاتير وابعاده المختلفة حاورنا الفنانة العمانية بدرية بنت خلفان الرحبي التي برز مؤخراً لها العديد من الأعمال في فن الكاريكاتير، خصوصاً منها ما يعالج القضايا الاجتماعية والسياسية ونشرت أعمالها في العديد من الصحف العمانية، منها صحيفة «الوطن» التي مازالت تتواصل عبر صفحاتها وخصوصا في المجال السياسي الذي قد يغيب احيانا عن الفنان الخليجي. وتؤكد بدرية الرحبي في حوارها ان فنان الكاريكاتير بابداعه الخاص يستطيع ان يستخدم تقنيات مختلفة لرسم الكاريكاتير، ولكن هذا وحده لا يكفي ما لم تكن هناك أفكار ناضجة تبدأ بالرسوم وتتطور مع التقنية، وتاليا الحوار. ـ ما هو الدور الحقيقي لفن الكاريكاتير من وجهة نظرك؟ ـ الكاريكاتير يعتبر مجالا من مجالات الابداع التي يستخدمها الفنان للتعبير عن أفكاره المختلفة سواء كانت مشكلات اجتماعية أو قضايا سياسية، وهو بذلك يعتبر الأنجح لإيصال الفكرة بطريقة سهلة وسريعة لكافة شرائح المجتمع بتعدد ثقافاتهم ولغاتهم. ـ هل الكاريكاتير يعتبر أداة ترفيه أكثر مما هو فن يعالج قضايا المجتمع؟ ـ قد يكون الكاريكاتير أداة للترفيه من وجهة نظر البعض نظراً لاحتوائه على فكرة ساخرة تثير الضحك، ولكن نجد في المقابل ان هذا الفن يحمل في طياته فكرة مختزلة تعبر عن معاناة امة وشعب وإنسان في مختلف مجالات الحياة. ـ هل تأثر فن الكاريكاتير بالتقنيات المعرفية الحديثة؟ ـ الانفجار المعرفي الذي بدأ في القرن الماضي خدم الانسانية في مختلف مجالاتها ولاسيما الفن، والكاريكاتير يعتبر مجالا من هذه المجالات الفنية التي خدمتها التقنية حيث يستطيع الفنان ان يستخدم تقنيات مختلفة لرسم الكاريكاتير، ولكن هذا كله لا يخدم فنان الكاريكاتير ما لم توجد لديه أفكار ناضجة يبدأها في الرسوم المبدئية الأولى للفكرة ثم يطورها بالتقنية، إذ لا تنفع التقنية وحدها بدون عقل يدبرها، فأنا أعتقد ان فنان الكاريكاتير بابداعه الخاص يستطيع ان يسخر التقنية في تنمية ابداعه وأفكاره والعكس صحيح. ـ ما رأيك لو أقيم اتحاد عالمي أو جمعية لفناني الكاريكاتير لطرح آرائهم وتبادل الأفكار فيما بينهم؟ ـ من المهم أن يصل فنان الكاريكاتير الخليجي إلى العالمية، ولكن أعتقد أن الأهم أن يجد الفنان الخليجي طرقاً مختلفة يستطيع من خلالها التعارف والتعامل مع زملائه الخليجيين. إذ لا ننسى اننا على المستوى التشكيلي الذي بدأ منذ فترة طويلة لا توجد نقابات أو اتحادات فنية ترعى إبداعاتهم فكيف بفن الكاريكاتير الذي ظهر حديثاً، ولكن في المقابل نجد ان انشاء مواقع خاصة لفن الكاريكاتير في الانترنت قد يصل بالفنان الخليجي تلقائياً إلى العالمية ونتمنى ان تجد هذه الفكرة من يتبناها. ـ ما مدى تقييمك للفنانين العرب والخليجيين وما وصلوا اليه في هذا المجال مما سبقهم الغرب إليه؟ ـ لا نستطيع أن نقيم فناً بأكمله عالمياً قد يكونوا سبقونا ولكن قد نجد أن تقنية ما قد يستخدمها الفنان الغربي والعربي معاً، ولكن نجد في المقابل ان الفكرة التي يتناولها هذا الكاريكاتير تختلف من مجمع لآخر، فلكل مجتمع ظروفه الخاصة، وأستطيع ان أقول اننا بالتقنية التي تعلمناها منهم استطعنا ان نبرر قضايانا القومية والاسلامية الخاصة بنا، التي جعلت منه فناً مهما ومميزاً. ـ ما أهم الصعوبات التي تواجهك كرسامة كاريكاتير؟ ـ هناك الكثير من القضايا الاجتماعية التي عانى منها المجتمع منذ فترة طويلة مثل الزواج المبكر وغلاء المهور والأمية.. بالاضافة إلى القضايا التي ظهرت مع المدنية الحديثة مثل الحوادث المرورية والمخدرات والعنوسة والديون.. وبما ان هذه القضايا أصبحت تؤرق المجتمع كان لابد لفنان الكاريكاتير ان يسعى جاهداً إلى طرح هذه القضايا وتناولها من كافة جوانبها لابرازها ومعالجتها، لذا فإن الصعوبة تكمن في كيفية تلخيص مثل هذه القضايا في فكرة مبسطة بأسلوب ساخر يستطيع ان يفهمها أغلب شرائح المجتمع. ـ هل أصبحت هناك مساحة حقيقية للفنان الخليجي في فن الكاريكاتير؟ ـ اعتقد ان في السنوات الأخيرة ظهرت مجموعة من الأسماء الخليجية التي استطاعت ان تجد لها مكانا بين فناني الكاريكاتير في الوطن العربي، والمستقبل مبشر بالخير. ـ أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من قضايا كيف تعامل الكاريكاتير السياسي مع هذه الأحداث؟ ـ أحداث 11 سبتمبر جعلت من فناني الكاريكاتير في أغلب الصحف العالمية همهم الكبير، حيث تناولوها من كافة الجوانب وماخلفته من قضايا اقتصادية وسياسية واجتماعية مختلفة، فأصبح شغلهم الشاغل انعكاس هذه الأحداث على مجتمعاتهم وما تمخضت عنه من قضايا داخلية متنوعة. من جانبه يؤكد مصمم الجرافيك محمد عبدالمنعم عيد في حواره ان فن الكاريكاتير يعتبر الطريق الأسهل والاقصر لترجمة وفهم ما يدور من حولنا، ويضيف: ـ مما لاشك فيه ان فن الكاريكاتير يعد مدرسة مستقلة في نقد الواقع، ومساعدة المشاهد على فهم ابعاده بأسلوب ساخر. وقد يؤثر رسم واحد في فئة ما، أكثر من تأثير صفحة كاملة في صحيفة أو برامج يوم كامل في تلفاز، حيث ان العصر الذي نعيشه الآن، لا وقت فيه لدى الكثير ليقرأ أعمدة طوالاً في صحيفة ليعرف تفاصيل قضية ما.. ويستسهل الطريق الأقصر! ـ كيف اعتبرته الطريق الأسهل والأقصر؟ ـ يعتبر الطريق الأقصر في رأيي المتواضع لمن له القدرة على ترجمة ما يدور حولنا بفهم وسهولة وسرعة. ورسام الكاريكاتير الواعي أحد هؤلاء، حيث يعد سلاحا حادا موجها ضد الظلم والاعوجاج ويخافه الكثيرون، فهو يمثل ضمير الأمة وكبرياء الذين يحاولون السير على النهج السليم. ـ ما هي أقرب الأعمال في فن الكاريكاتير اليك من خلال متابعاتك المتواصلة لهذا الفن؟ ـ لقد تابعت جانبا من أعمال الفنان ناجي العلي (رحمه الله) فكان خير من عبّر عن الضمير العربي والاسلامي للقضية الأم في عالمنا، وكانت أعماله كطلقات في معركة تثير الاعداء وتحمس المجاهدين، وتبصّر غير الفاهمين، بسهولة متناهية يفهمها الطفل والكبير. وكانت له شخصيته المميزة على مستوى العالم العربي قل مثيله، بل لا بديل عنه حتى اليوم يسد الفراغ الذي تركه.. وحتى رحيله لم يكن عاديا، حيث اغتالته ايدي الطغيان الحاقدة على اظهار الحق، ولما له من التأثير العظيم على الشارع العربي في أعماله الجريئة. ـ ما هي نظرتك المستقبلية لفن الكاريكاتير العربي؟ ـ في هذا العصر كل ما أتمناه كمهتم بهذا الفن، أن يخرج من بيننا من يسير على دربه ويكمل الطريق، فنحن في أمسّ الحاجة الى مثل هؤلاء، ليرفعوا من شأن عروبتنا واسلامنا، ويؤثروا في الناس، عسى ان يخرجنا الله من سباتنا، ويكون لنا دور في رفعة أمتنا، ولعل رسما في صحيفة أو على صفحات الانترنت يفعل ما عجزت عنه الاسلحة في التأثير على وجدان الانسان العربي الذي لايزال الخير فيه الى قيام الساعة. مسقط ـ علي البادي:



