الكاريكاتير ليس فناً للترف أو التسلية والمتعة، إنما هو فنّ تجسيد الواقع وإبراز جوانبه الخافية، بصورة لافتة بحيث تستبطن معها المعالجة، أي الانتقال من صورة ما هو كائن الى صورة ما ينبغي ان يكون. ولعلّ الكاريكاتير السياسي المثل الأقرب بين أنواعه الذي يعبّر عن عمق الفنان ورهافة احساسه واستيعابه للواقع، ثم التعبير عنه بأفق ينطلق من تجربة الفنان التي تمتزج فيها الرؤية مع المبررات الفنية. فالفنان هنا لا يطرح شعارات عبر الصورة والتخطيط، إنما هو يكشف واقعاً ولا نقول ينقله، لأن فنان الكاريكاتير أبعد ما يكون عن التصوير الفوتوغرافي او النقل الحرفي. انه ذلك الفنان الذي يلتقط ومضته السريعة بذكاء خارق ويوظفها توظيفاً فنياً ليجسّد من خلالها رؤيته في المعالجة. وليس سهلاً ذلك العمل الذي ينهض به رسام الكاريكاتير، ويكفيك منه ان رسالته تقتضي ان يعطيك تعبيراً مركزاً وواضحاً في أصغر مساحة متاحة، فضلاً عن امتناع اللغة وأبجدياتها عن الإسهام بشكل كافٍ في إماطة اللثام عن الرسالة المتضمنة، ومن هنا تجد أن المبدعين في هذا المجال قلة، ولكن هذه القلة مبدعة حقاً، لأن أي واحد منهم يغنيك عن صفحات تتابع قراءتها سطراً سطراً، في رسم ناطق يجسّد أبعاد القضية ويثير فيك دهشة الاختصار غير المخلّ بالموضوع. ولا يقتصر الكاريكاتير على كشف الواقع ومعالجته عبر العمل الفني، بل لعلّ من رسالته البعد الرؤيوي في العمل بمعنى «التنبؤ» بما سيحصل بعد دراسة الواقع ومعطياته واستشراف المستقبل. ان فن الكاريكاتير بدأ يفرض نفسه على الساحة الصحفية، ويحقق حضوره في الصحافة العربية أكثر من ذي قبل، وهذا هو الواقع الصحيح، اذ أنه الوليد الطبيعي للصحافة الذي ينبغي ان يتربى في أحضانها. ولعلّ صحفنا العربية في كل أقطار الوطن العربي بدأت منذ فترة برعاية الرواد والواعدين في هذا المجال على حد سواء، وهو أمر تستحق عليه صحافتنا كل التقدير. صباح نجم عبدالله ـ كاتب صحافي عماني