رحلة عمر .. بدأت في القاهرة .. وامتدت احيانا الى بيروت .. واستقرت دهرا في دولة الامارات. رحلة كاريكاتير .. بدأت خربشاته الاولى مع بداية ثورة 52 في مصر، فعاصرت برسومها وأفكارها نهاية عصر وبداية عصر، وعلى مدى عشرين عاما هي عمر الثورة التي بدأت مع الزعيم ولفظت انفاسها مع أنفاسه، كان الكاريكاتير وسيلتي لمعايشة وتأريخ أزهى أيام مصر وأزهى أيام العرب، ومع نكسة الارتداد (وهي النكسة الحقيقية وليست ما حدث في يونيو 67) بدا الجو خانقا .. وبدا الاستمرار في هذا المناخ صعبا . والتوقف عن التعبير والمعايشة اصعب، ومن هنا كانت فكرة الخروج الى عالم اوسع وأرحب واكتشاف عوالم اخرى تنتمي الى نفس الوطن العربي الكبير .. وتعيش نفس نبضه وقضاياه، فالانسلاخ عن الارض العربية مهما كانت هزائمها او انتصاراتها امر لا اطيقه ولا ارضاه .. لا لنفسي ولا لغيري، مهما كانت الاسباب والحجج، ومن لايعيش مع وطنه في ضرائه لا يستحق ان يعيش معه في سرائه، ورسام الكاريكاتير كالمحارب، قد ينتقل من موقع الى موقع، وقد يتقدم شبرا او يتأخر شبرا، ولكنه أبدا لايفر من ارض المعركة .. وأبدا لا يسلم سلاحه .. ريشته وفكرته .. ! في دولة الامارات العربية كان المستقر، وكانت دولة الاتحاد تبدأ الأيام الأولى لمسيرة الوحدة، وفي الشارقة كانت البداية حيث بدأت الخطوات الاولى للاتصال بالاخوة الذين رافقوا مولد ومسيرة جريدة (الاتحاد) والذين رحبوا بالكاريكاتير الذي كانت الجريدة الوليدة تفتقده، وكان التعاون بيننا يتم أول الامر بالمراسلة عن طريق مكتب الاتحاد في دبي، ثم وعندما بدأت فكرة تطوير الجريدة وزيادة صفحاتها لمواكبة تطور الحياة في الامارات من ناحية، وللدخول الى عالم الصحافة الحديثة بكل امكاناتها وتحدياتها من ناحية اخرى، كان لابد لي من التواجد اليومي مع كتيبة التحرير التي كان يتقدمها الاستاذ خالد محمد أحمد والمرحوم الاستاذ مصطفى شردي، خاصة بعد ان اصبح الكاريكاتير عنصرا يوميا يتابع احداث العالم خليجيا وعربيا ودوليا يوما بيوم .. وكان ذلك مع بدايات عام 78، .. ومن هنا وكما يقول عبدالحليم حافظ .. (كانت البداية).! كانت المفاجأة الاولى .. والسارة .. في عملي بالاتحاد ان الاتجاه الفكري والسياسي والقومي الذي كان سائدا في رؤية الجريدة والعاملين بها، كان نفس الاتجاه الفكري والسياسي والقومي الذي أومن به وأحارب من أجله. كانت لنا جميعا نفس الآمال العربية ونفس الطموحات القومية، وكنا جميعا رغم تعدد جنسياتنا العربية لانحس بالفرق بين المصري والسوري .. او بين السوداني والفلسطيني .. او بين العراقي واللبناني، ثم كنا جميعا لانحس فارقا بين عرب المشرق وعرب المغرب وعرب الخليج، ومن هنا .. ومن هذا التوافق الفكري والقومي كان نجاح الجريدة، وكان النجاح المرتقب لصحف اخرى دخلت الساحة واحدة بعد الاخرى، حاملة نفس المباديء .. ونفس الرؤى .. ونفس الاتجاهات، ولايفرقها عن بعضها الا اسلوب التعبير عن هذه الرؤى والاتجاهات، مع بعض الاختلاف في وجهات النظر الذي لايفسد للود الصحفي قضية .. والذي لابد منه للاحاطة بالقضايا من جميع الاتجاهات. والشهادة لله .. أنه وفي اطار هذا التوافق القومي والفكري، وباستثناء حالات فردية، كانت الفرصة في الجريدة مهيأة لألوان من التعبير الكاريكاتيري الحر .. بل والجريء في معظم الاحيان، ولم يكن اختلاف وجهات النظر احيانا يفسد للكاريكاتير قضية، ولهذا كانت العلاقة دائما قوية وحية بين الكاريكاتير وقارئه .. وكان التواصل مستمرا بين الرأي والرأي الآخر أيا كان .. ! سنوات طويلة في عمر الزمن .. ولكنها قصيرة في عمر تجربتي الصحفية بدولة الامارات التي لا اقول عنها أنها وطني الثاني، لأنها وكل الارض العربية وطني الاول .. والوحيد . حامد نجيب