اذا كان الكاريكاتير اذكى فنون السخرية، فإن سرقته للافكار ادهاها واغباها! ولم يخل التعبير من هذا الداء شأن ما هو حاصل في مختلف العطاءات الابداعية عربياً وعالمياً. البعض وبدبلوماسية مفرطة ولطافة كاريكاتيرية يسمى السرقة الادبية والفكرية تشابها او اقتباسا او توارد افكار ولهذا مراتب عدة، ابرزها سبع في نظر الباحث والناقد صقر ابو فخر الذي يحددها على النحو التالي في ما يتعلق بموضوعات الكاريكاتير وتنفيذها. ـ التوارد: واكثر ما يكون ذلك في البلد الواحد، حيث ان ما يجرى فيه من وقائع يهم الجميع، ويهتمون به. ـ المشابهة: رسم الديكتاتور باللباس العسكري، والعربي بالكوفيه والعقال، والفدائي بالثياب المرقطة، واليهودي بالنجمة السداسية وما شابه، وبهذا المعنى فانه لايعتبر سرقة رسم عكازين كرمز الى الشيخوخة مثلا او مقص للاشارة الى الرقيب، وما شابه. ـ الاقتباس: يقول ابو فخر ان «ثمة تمييزا جديداً بين الاقتباس والسرقة» فليس من السرقة بشيء اقتباس الحكمة الهندية القديمة المعروفة وتصويرها: «لا اسمع، لا ارى، لا اتكلم» او تصوير المثل الشعبي العربي القائل: «عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة». ـ الاختطاف: رسم فكرة متناولة في السابق باسلوب خاص ورشيق ومحبب ومقبول، فمثل هذا الامر لا يحدث ردة فعل سلبية من القراء او الجمهور ضد «الخاطف». ـ التضمين: اي استعادة فكرة او جملة وتضمينها في رسم مختلف. ـ «السرقة الحاذقة»: نوع من التغيير والتحويل النوعي في شكل الصورة كما في عناصرها. 7 ـ السرقة المكشوفة: وتتم عبر نقل العناصر الثلاثة المكونة للكاريكاتير الى اخره وهي: الفكرة، الكلمة، والصورة. ويخلص ابو فخر بعد تعداد الانواع السبعة تلك الى خلاصة يقول فيها: «ان بعض الرسوم الكاريكاتيرية، حتى لو اخذنا في الاعتبار جميع المؤثرات والاسباب التخفيفية، تصدمنا بكثرة التشابه فيها، بحيث لا يمكن اعتبارها الا نوعا فظاً من الانتحال والسرقة، والمؤسف ان هذه السرقات صارت شائعة والاغارة باتت فاشية، فعمت الفجاجة، والسذاجة معظم الصحف العربية، ودهم الانتحال وذائقة القراء العرب. ايام زمان ويتعدى الاسى والاسف عند ابو فخر تلك الحدود، لتشمل واقع الكاريكاتير في الصحافة العربية، وهو الذي بات حاليا في اسوأ مراتبه بعد ان حقق قفزات متطورة حتى الامس القريب. يقول: «شكل غياب المجلات المصورة الساخرة والفكاهية احد ابرز مظاهر الاضطراب في الثقافة العربية، فلا توجد الان في العالم العربي اية مجلة ضاحكة ذات قيمة. حتى ان مجلة «روز اليوسف» المصرية، الشهيرة التي كانت لا تنشر الصور بتاتاً وتكتفي بالكاريكاتير فقط، تخلت عن هذا التقليد لمصلحة نشر الصورة. ونلاحظ في ذلك السياق التراجع المدقع في الكاريكاتير الاعلامي العربي، وهو الذي شهد في المئة سنة الاخيرة ولادة حوالي مئة جريدة ومجلة فكاهية ضاحكة وساخرة، أولهنا وأشهرها صحيفة «ابونضارة» التي اصدرها يعقوب صنوع في مصر عام 1877 واخرها مجلة «الدومري» لعلي فرزات في دمشق عام 2000. لقد خسر الاعلام العربي نبضه الكاريكاتيري الذي كان قد ظهر للمرة الاولى (حسب ابو فخر) في الصحافة العربية في 21 مارس 1877 عندما اصدر يعقوب صنوع (1839 ـ 1912) في القاهرة، اول جريدة ساخرة مصورة باسم «ابو نضارة زرقا» وابرزت هذه المطبوعة جيلا من الكاريكاتيريين المصريين منهم: رخاء، عبدالسميع، صاروخان (ارمني) صلاح الليثي، زهدي ورفقي التركي، ثم صلاح جاهين، بهجت عثمان، جورج البهجوري، احمد عز العرب، محيي الدين اللباد، مصطفى حسين، احمد حجازي، رجائي ونيس، ناجي كامل، ايهاب شاكر، رؤوف عياد، ونبيل السلمي. اما في سوريا فقد صدرت اول صحيفة ساخرة باسم «حط بالخرج» لمحمد عارف الهبل في الثاني من ابريل عام 1909. ثم برز من الكاريكاتيريين السوريين توفيق طارق، علي الارناؤوط، عبدالوهاب ابو السعود، خالد العسلي، عبداللطيف المارديني، سميركحالة، ممتاز البحرة، علي فرزات، يوسف عبدلكي، عبدالهادي الشماع، ياسين الخليل، سعد حاجو، موفق قات، وحميد قاروط. ويتوقف ابو فخر عندما اصدره نجيب جانا (سوري) في بيروت وهو اول صحيفة ساخرة في 17 سبتمبر 1910، بعنوان «حمارة بلدنا»، وفي مصادر اخرى فان اول صحيفة هزلية في بيروت كانت «هبت» التي اصدرها خليل كاملة عام 1908. ثم اصدر توفيق جانا (الارجح شقيق نجيب جانا) ثلاث صحف ساخرة بالتتابع وهي: «البغلة» في (4-7-1913)، «حارة الجبل» (18-8-1913)، و«جراب الكردي» في (20 ابريل 1914). لكن الكاريكاتير ظهر بامتياز لبناني باصدار يوسف مكرزل مجلة «الدبور» في اليوم الاول من العام 1923، ليؤسس بذلك لجيل من الرسامين لاحقا، منهم: خليل الاشقر، ديران، ستافرو جبرا، بيار صادق، جان مشعلاني، ناجي العلي (فلسطين) وايلي صليبا. ويعتبر عزت خورشيد اول رسام كاريكاتير في لبنان، وبعد الدبور، برزت مجلة ساخرة في بيروت منها: ابو دلامة (لمحمد شهاب 1927)، «ابو الرياح» (عزيز عوض 1927)، «الصياد» (سعيد فريحة 1943)، «الاربعون حرامي» (اسكندر رياشي 1960)، «جحا» (فريد الكفوري)، و«شاش باش» (نمر الصيداني). تلك بعض المحطات في العصر الذهبي للكاريكاتير في الصحافة العربية، وصولا الى المحطة القاحلة والقاحطة القائمة حاليا على صعيد الريشة الاعلامية العربية الساخرة من المحيط الى الخليج فقط!