ربما تبدو الحياة في محيط حقل للألغام والتعايش اليومي مع الخطر أسهل كثيرا من محاولة الكتابة عنه وتوصيفه بما يحمله ذلك من اجترار لمعاناة ذاتية أو اكتشاف أبعاد للخطر لم تكن مطروحة لدروب الوعي من قبل.. هكذا تبدو لي فكرة الكتابة عن الكاريكاتير الآن. «إنها مهنة خطرة» هكذا جاءت كلمات الصديق يحيى قلاش سكرتيرعام نقابة الصحفيين وهو يزورني بعد منتصف إحدى ليالي الاحتجاز بمديرية أمن القاهرة ردا على تساؤلي.. هل يتطلب الافراج عن رسام كاريكاتير كل هذه الاجراءات المعقدة؟ يعد الكاريكاتير أحد أركان الوسيط الصحفي المكتوب إن لم يكن اكثرها تأثيرا على الاطلاق. فعلى المستوى الطبقي هو فن الفقراء ومتاعهم الوحيد من الفن التشكيلي الذي لا يملكون ترف المجازفة بدخول قاعات عرضه المترفة، ناهيك عن اقتنائه. اما امتلاك الكاريكاتير فلا يكلف أكثر من ثمن المطبوعة التي تنشره، كذلك يتجاوز الكاريكاتير حاجز التعليم وينفذ برسالته الى غير القادرين على القراءة والكتابة عندما ينجح في تغليب التعبير البصري للرسم على الشروحات اللفظية. وهكذا فإن الكاريكاتير يحتل مكانة الخبز الطازج على إفطار البسطاء، وهو إما أن يقدم اليهم معجونا بالتحريض والوعي والثورة أو مغموسا بالتضليل والتعمية، لذلك كان الرسام الكبير بهجت عثمان يرى إن خطيئة رسام الكاريكاتير وإقدامه على تزييف وعي الجماهير لا تغتفر بقدر الفرصة التي تتاح له للانتشار والتأثير.. ولأن الصراع يدور منذ الأزل بين حكام يرون أنهم يقدمون أقصى ما لديهم من أجل رفعة وتقدم وسعادة رعاياهم إلا أن هؤلاء الرعايا لا يتفهمون ولا يعرفون الطريقة المثلى للتمتع بالمتاح في حكمة وفطنة أنظمتهم، وبين رعية لا تفتأ تلجأ لسلاح السخرية وتختزن في ذاكرتها الجمعية مثالب تمتد من الحجاج ولا تنتهي بقراقوش.. وبين هذا وذاك ينقسم الرسامون الى فصيلين أحدهما يركز على المبالغة في الملامح الشكلية للبشر والاغراق في تعقب صفاتهم الشخصية المفردة وتقديمها كسبب لكل بلايا الحياة وهذا يندرج ببساطة تحت عنوان السخرية في الناس وحتى اذا اضطر الى التعرض لمسئول متنفذ يكتفي بالتركيز على الجانب الشكلاني لصورته دون تحميله أوزار سياسة ما، وهذا الفصيل يقع ببساطة فريسة لمدرسة صناع النكتة حيث يستخدم الرسام تكنيكه الحرفي فقط في التعبير عن أفكار صاغها الآخرون سلفا مما قد يورطه في تبني الفكرة ونقيضها في وقت لاحق وفق تبدل الاهواء السياسية.. أما الفصيل الآخر فيبدأ أولى خطوات القبض على الجمر عندما يقرر الانحياز للبسطاء والسخرية من التسلط والقهر والفساد.. إنه الكاريكاتير في قمة تجلياته كذخيرة للمستضعفين في معاركهم من أجل حياة أفضل كفن للتثوير وليس التخدير. وقد يفخر أحد الكتاب في مواجهة واقع قمعي أنه استطاع تمرير فكرة ما بين سطور مقالته تلميحا لا تصريحا، إلا أن هذا الترف المهني لا يتمتع به للأسف رسام الكاريكاتير فهو مطالب بتلخيص موقفه ببساطة وبصراحة وبوضوح أو يحمل ريشته ويرحل، لذلك يمكن القول أن الكاريكاتير هو الترمومتر الصادق لحال حرية الصحافة في مكان ما، ومدى نظرة السلطة الى الكاريكاتير السياسي كخلاف مشروع في وجهات النظر أو الانزلاق الى تجريمه واعتباره نوعا من السب والقذف والتشهير. ومن يطالع رسوم الرائد العظيم عبدالسميع على أغلفة روزاليوسف أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي وهي تصور علاقة القصر والاحتلال بزعماء الأحزاب وفي مقدمتهم مصطفى النحاس الملقب بزعيم الأمة آنذاك ورئيس حزب الأغلبية بمقاييس عصره.. يرسمه عبدالسميع منكبا على حذاء الملك فاروق ليقبله أو يحمل صندوق الاصباغ ليلمعه.. هذه الرسوم بلا شك شهادة بسعة أفق لسياسي هذا العصر ندر أن نجدها ونحن نخطو عتبات القرن ال21 على امتداد الساحة العربية، ففي ذات المدرسة «روزاليوسف» والتي شكلت منصة اطلاق للصواريخ بالنسبة لفن الكاريكاتير عبر تاريخها ومواكبتها لسنوات المد القومي ومع اصدارها لصباح الخير برئاسة تحرير الفنان صلاح جاهين، وربما تعد المرة الأولى وربما تصبح الأخيرة التي تسند فيها المسئولية الكاملة عن مطبوعة صحفية لرسام كاريكاتير، نجد أن كوكبة من أعز رسامي الدار: الليثي وبهجت وحجازي وبهجوري واللباد وايهاب يضطرون الى التوقف عن الرسم السياسي ويغيرون المهنة وفق التعبير الاداري ويضطر بعضهم للهجرة وذلك عندما جنح النظام الى مسالمة العدو الصهيوني.. وهكذا فإن فلسطين حاضرة دوما كقضية الأمة المحورية في ضمير رسامي الكاريكاتير، وعلى مذبح الصراع من أجل الثورة وفلسطين يسقط شهيدنا ناجي العلي لأن رسومه تبشر بفلسطين أكثر اتساعا مما يقدرون وثورة أكثر طهارة مما يدعون.. حدث هذا القمع لفن الكاريكاتير وباجراءات في مجملها طارئة واستثنائية في زمن لم يسقط فيه الحكام لفظيا على الأقل خيار العمل المسلح لأجل استعادة كرامة الأمة، أما الآن وفي عهد ما يعرف بخيار السلام الاستراتيجي يصبح ضروريا استدعاء نصوص قانونية أكل الدهر عليها وشرب لمحاكمة وإدانة رسام تجرأ على تشخيص وانتقاد سياسات لمسئول يجاهر علنا بأهمية التعاون مع اسرائيل في مجال تخصصه.. وهكذا تتسع دائرة المحرمات والذوات المقدسة أمام رسامي الكاريكاتير ويضيق هامش الحرية المتاحة ليصبح البديل امامهم هو التراجع لمدرسة كليلة ودمنة حيث ممارسة النقد والسخرية عبر نماذج هيكلية في عالم الطير والحيوان حيث يمكن مهاجمة الفساد دون تشخيص للصوص وإدانة التعذيب دون إشارة للجلاد ورفض التطبيع مع الصهاينة دون تعقب للطابور الخامس الذي يتسلل الينا من تحت الأظافر.. إلا أن الكاريكاتير كالطائر الأسطوري: العنقاء ينهض من تحت الرماد ويبدع أشكالا للمقاومة تزعج الأعداء، وها هو كتيب صغير للكاريكاتير أعده اتحاد المحامين العرب ووزعه في مؤتمر دوربن لمواجهة العنصرية يفضح الصهاينة ومن يوالونهم ويكشف زيف ادعاءاتهم لدرجة تقديم شكوى ضد اتحاد المحامين العرب لدى الأمم المتحدة تطالب بسحب صفة مراقب من الاتحاد، وتضمنت الشكوى تحديد أربعة رسوم تتناول الشخصية الصهيونية كان لكاتب المقال شرف إعداد اثنين منها.. بقلم: عصام حنفي ـ كاتب ورسام كاريكاتير مصري
