تشكل تلك التحديات التي يواجهها فن الكاريكاتير عامة والعربي منه خاصة، محطة سيتمكن الفنانون من تجاوزها رغم دقتها وصعوباتها والوانها الداكنة والقاتمة، خاصة وان ذلك الفن عرف عبر تاريخه الكثير من الظروف المماثلة، لكنه بقي هو واستمر، وزالت هي وباتت مجرد سطور في كتب التاريخ وبعض زوايا ذاكرة الشعوب. وهذا يعكس الاصالة المتجذرة للكاريكاتير كفن مركب من عنصري التشكيل والكوميديا او السخرية، كما يقول الباحث والكاتب السوري الدكتور ممدوح حماده في كتابه الصادرعن «دار عشتروت للنشر» ـ دمشق ـ تحت عنوان: «فن الكاريكاتير: من جدران الكهوف الى أعمدة الصحافة». فهو يعتبر ان لفن الكاريكاتير جذوره القديمة الضاربة في اعماق التاريخ الى درجة تدفع بعضهم الى القول انه ولد مع ولادة الانسان الذي كان يصور عن جدران مغارته، وعلى الصخور حياة الحيوانات المحيطة وحياته الشخصية. ولعل ابرز ما تم العثور عليه هو تلك الرسوم المنفذة على الصخور والتي عثر عليها بكميات كبيرة في الصحراء الجزائرية ومنها لاشخاص ممشوقي القامات لهم ذقون طويلة ويرتدون جلود وحوش مغلقة عند الصدور.. كذلك رسوم لثيران مقيدة واخرى لنساء يمشطن شعور بعضهن البعض او لصيد الغزلان او اقتسام لحم حمار الوحش.. والتي تشكل مع بعضها بعضا صورة مكتملة لحياة رعاة القطعان في البراري السودانية حتى عصرنا الراهن. وعثر في فترات وعصور لاحقة ومختلفة على الكثير من الرسوم في الامم والافكار والنواحي العربية خاصة في شبه الجزيرة العربية وسوريا ومصر وبلاد ما بين النهرين. ولعل الحضارة المصرية هي الاغنى والاكثر تطوراً في مجال الرسم الساخر، اذ انها تمتاز عن باقي الحضارات بأن الرسوم التي تعود لها تستمد مواضيعها في الحياة وليس في الاسطورة وتضفي عليها طابعاً فلسفياً. لقد شكلت تلك الرسوم وتطور اشكالها على مر التاريخ البدايات لبروز الفن الكاريكاتيري العربي، لكن وبعكس ما هو حاصل في حضارات اخرى، فانه من المستحيل تحديد اسم رسام عربي واحد خلال تلك المراحل، على عكس ما يتم تحديده بالنسبة للادباء والشعراء مثلاً. وربما يعود السبب الى عدم وجود رسامين عرب آنذاك، او الى ندرة ساحقة في اعدادهم مثلاً، او بروز رسامين في فترات متباعدة بحيث تنسى الاجيال اللاحقة ما قام به الاوائل. والمفارقة الظاهرة تتمثل في الرسوم التي تزين معظم المؤلفات الادبية العربية مثل «الف ليلة وليلة» و«مقامات الحريري» وغيرهما لكن الخطاطين الذين يقومون بتخطيط هذه الاعمال هم انفسهم الذين يزينونها بالرسوم. ومنهم مثلاً: يحيى بن محمود الواسطي في «مقامات الحريري». ولم تتوقف الرسوم العربية على تصوير المؤلفات الادبية بل وايضا الحياة الاجتماعية ايام فتح الاندلس مثلاً، حيث حياة القصور واستقبال النساء في «الحرملك». ومن الظواهر العربية ايضا ان الرسم كان يكتب بواسطة الشعر والادب ايضا، فهذا ابن الروخي يرسم في ثلاثة ابيات شعرية شخصا طويل الانف بقوله: إذا كان انفك هكذا فالفيل عندك أفطس واذا جلست على الطريق ولا اخالك تجلس قيل السلام عليكما فتجيب انت ويخرس ويصور ابو الطيب المتنبي فتاة شابة كانت تتباهى بجمالها احدى القبائل فيقول: بانوا بخرعوبة لها كفل يكاد عند القيام يقعدها وضمن تلك الاطر تطور الرسم العربي، وتحقق التشكيل الى ان بلغ حاضرا في احد جوانبه الاساسية عبر الكاريكاتير. ويجمع الرسامون والنقاد على القول بأن القسم الاكبر من تاريخ ذلك التطور كان مهملاً، ومازال. والادهى ان الامر يبدو وكأنه يتكرر على طريقة «التاريخ يعيد نفسه» فيلحظ هؤلاء شبه غياب مطبق للتوثيق الكاريكاتيري خاصة في المكتبة العربية. ولعل من ابرز المهام الاستراتيجية للملتقى العالمي الثاني للكاريكاتير في دبي (وما شابهه) محاولة معالجة تلك الثغرة القاتلة في تاريخ الابداع العربي والاسلامي عامة. وليد زهر الدين