بيان الكتب: هذا هو الجزء الثالث من ملحمة الفردوس المفقود للشاعر الإنجليزي جون ملتون وهو من شعراء القرن السابع عشر الكبار، ترجم هذا الجزء الدكتور محمد عناني أستاذ الأدب، وهو يضم الكتب الثلاثة من 7 ـ 9 من الملحمة وكان الدكتور عناني قد ترجم قبل ذلك كتابين يضمان الأجزاء من 1 ـ 6، ولم يبق من هذه الملحمة غير الكتب الثلاثة الأخيرة ويقول الدكتور عناني في تصديره لهذا الجزء أنه ينوي ترجمتهم قريبا، وتروي الملحمة قصة الخلق وشئون الكون الكبير من خلال توظيف الأساطير وإستلهام ربات الفنون وبخاصة ربة الشعر وهو ما لجأ إليه ملتون على عادة شعراء عصر النهضة الأوروبية الذين كانوا يصرون على إستلهام ربة واحدة، بدلا من ربات الفنون التسع . وكانت « يورانيا » هي المفضلة عند ملتون بسبب إسمها ويقول «فاولر » أهم شراح ملتون إن الشاعر بذلك يؤكد الوحدة الإلهية وينكر التعدد الوثني . ومن الملاحظ أن ملتون قد لجأ إلى الكتب المقدسة واستلهم رموزها ووظفها في الفردوس المفقود، كما استخدم سبعة طيور ورمز بها إلى فضائل محددة وظل يلفت النظر مرارا وتكرارا إلى تلك الصفات الرمزية من هذه الطيور العقاب باعتبارها سيدة الطيور وربما كانت ترمز إلى كرم الإنسان والجلال البشري والسمو الفكري، أما الكركي فهو رمز للإجتهاد واليقظة ويأتي البلبل الذي يذكره ملتون في مواقع كثيرة من الملحمة ويصفة بأنه أعذب الطيور لحنا وشجنا وترمز الأوز إلى نقاء الروح . ويشير الدكتور عناني إلى أن ملتون قد نظم ملحمته نظما كميا يعتمد على عدد محدد من التفعيلات في كل سطر أو كل بيت وتتكون كل تفعيلة من مقطعين فقط دون قافية من أي لون ولذلك فهو يسمى بالشعر المرسل الذي استعمله شكسبير في كتابه معظم أعماله الدرامية، ويشير إلى أن الملحمة الشعرية ليست كتابا علميا يقدم حقائق جافة أو معلومات جديدة بل هي قصة منظومة تقدم رؤية معينة من وجهة نظر دينية تخضع لعوامل العصر الذي كتبت فيه، فحديث ملتون مثلا عن خلق العالم، وهو ما يرويه على لسان ملك يدعي روفائيل يمثل ما أستوعبه الشاعر أولا من الكتاب المقدس وثانيا من الأفكار التي شاعت في عصره، وهو القرن السابع عشر الذي شهد مولد العلم الطبيعي سواء كانت أفكارا تتعلق بالأجرام السماوية أو بالطبيعة أو بالنظام الحاكم في بريطانيا أيضا وحديث ملتون عن علاقة الرجل بالمرأة - من خلال تحليله لعلاقة آدم وحواء لا يقتصر على وجهة نظر الكتاب المقدس بل يتضمن وجهة نظر العصر التي تتجلى فيه الأفكار الشائعة وما انتهى إلى الشاعر من التراث الأدبي الطويل الذي سبقه . ويشير الدكتور عنان أيضا إلى نقطة هامة تتعلق بقراءة نص القرن السابع عشر، وقراءة نص ملتون تحديدا بما فيه من مظاهر لغوية بالغة الخصوصية أهمها الإيجاز بالحذف والمعروف أن النص الذي يحتاج في فهمه إلى الحدس ومجرى السياق أصعب في قراءته من النص الذي لا يحتاج إلى ذلك ومن هذه المظاهر أيضا استخدام بعض الألفاظ في معناها اللاتيني القديم إلى جانب معناها الإنجليزي الجديد مما يتضمن تورية بدرجات متفاوتة من العمق