بيان الكتب: يعرض كتاب الصين.. التجربة والتحدي للمؤلف شوقي جلال من واقع الدراسة والاحصاءات والمشاهدات ملحمة الصين في التاريخ وقدرتها الاعجازية على الانتقال من غيبوبة الأفيون الى ثورة التحديث الشاملة. كلما اتجهت جنوبا ازددت علما وحكمة هذا هو المثل الاوروبي السائر عندما كانت أوروبا في العصر الوسيط، ومن هنا فمع بدايات النهضة نهلت أوروبا بنهم من علوم وحكمة الشرقين الأقصى والأدنى. نهض الغرب وانحسر الشرق وتجلى الغرب الأوروبي آنذاك عن شعار عصر التنوير الذي يقرر الاخوة والمساواة والحرية للإنسان والانسانية. وبدأ الغرب يعيش عقدة الاستعلاء، فأشاع نظرية عن المركزية الأوروبية، وتقضى هذه النظرية بأن الغرب هو المركز.. مركز القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ومراكز الابداع والتجديد، وهو الحضارة والحداثة، بل وصل الامر عند أحد مفكريهم بأنه المحطة النهائية في مسار التطور الحضاري للمجتمعات مع انحسار حضارة الشرقين الأقصى والادنى واصبح الشرق مهيضا ضعيفا وفريسة لعقدة الدونية بعد أن صدق أكذوبة الغرب وتزييفه للتاريخ. ومع مطلع القرن العشرين بدأت الولايات المتحدة ترى نفسها وريثة أوروبا وان المستقبل لها.وحشدت اعلامها ومؤسساتها المختلفة لضمان اطراد مشاعر الدونية لدى الشرق بعامة، ولضمان اسباب هيمنتها، والسعى حثيثا الى أمركة العالم أو احتوائه تحت سطوتها وكان أفضل المعبرين عن هذا الهدف هو الرئيس الأمريكي الأسبق تيودور روزفلت 1858 - 1919 إذ قال أمركة العالم هو مصير قدر أمتنا. ومن هذا الوعاء التربوي العنصري أفرز جنجريتش زعيم الأغلبية الجمهورية في الكونجرس مقولته في 2/3/1995: العنصر الأمريكي هو الاسمى والأرقى ومن ثم الأحق بالهيمنة على العالم. وعلى مدى النصف الثاني من القرن العشرين شهد العالم تحولات درامية علمية وسياسية وجيوبوليتكية وتكنولوجية وثقافية غيرت من المشهد العالمي. صعد نجم الولايات المتحدة الأمريكية ووقف الغرب الاوروبي حليفا لها، وسقط النظام السوفييتي ولواحقه من الكتلة الشيوعية ومع مطلع العقد الأخير من القرن العشرين أصبحت أمريكا الوحيدة على القرن. وشهد الشرق الأقصى تحولات جذرية مقابلة ومناهضة تجعل منه أو من أحد بلدانه القطب المحتمل الصاعد واقترنت هذه التحولات بأزمة في الغرب، في الفكر والثقافة وفي تحول مراكز الانتاج. وباتت تؤرقه هواجس عن احتمالات انحسار التفرد والنفوذ والهيمنة، ولنتأمل كلمة كلينتون في الانتخابات «أعرف أن منافستنا في المستقبل ستكون مع ألمانيا وبقية اوروبا واليابان وبقية بلدان اسيا واعرف اننا بصدد أن نخسر زعامة أمريكا للعالم لأننا نخسر الحلم الأمريكي هنا في الداخل». وفي الفصل الأول من الكتاب يروي الكاتب عن زيارته للصين لأول مرة في عام 1949، وزيارته الثانية 1989. ولكن مخاض التحول كان اليما قاسيا، ذلك لأن الثورة لم يكن طريقها للتنمية والتطوير سهلا معبدا، اذ واجهت صعابا جمة. واجهت عداء من الغرب الذي فرض حصارا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا على الصين. ولعل اشد الاخطار والمآسي تمثلها أحداث الثورة الثقافية التي امتدت عشر سنوات. اذ باسم الثورة الثقافية شرعت قوى اليسار الطفولي في تدمير تراث الأمة وتاريخها. ولكن الشعب الصيني استطاع ان ينتصر في النهاية ويلعق جراحه ليبدأ عام 1978 ثورة التصحيح ويستأنف مسيرة التنمية. وتشير الاحصاءات الى أن اجمالي الناتج المحلي الصيني عام 1952 بلغ 67.9 مليار يوان وأصبح عام 1989 قدره 593 مليار يوان وبلغ في عام 1998 ماقدره 7955.3 مليار يوان ونجد تقرير البنك الدولي لعام 1997 يضع الصين في المرتبة السابقة بعد أمريكا واليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا. وتشير احصاءات انتاج الحبوب الى ان الانتاج في عام 1989 بلغ 400 مليون طن وفي عام 1999 زاد عن 490 مليون طن، وبذا اصبحت الصين هي الأولى في العالم من حيث انتاج الحبوب. وتشير احصاءات الخدمات الى ان نصيب الخدمات عام 1978 بلغ حوالي 23.7% من اجمالي الناتج المحلي. وفي عام 1998 بلغ حوالي 32.8% من اجمالي الناتج المحلي. وتشير احصاءات اللحوم الى ان الانتاج في عام 1952 بلغ 3.39 ملايين طن. وفي عام 1997 بلغ 40.9 مليون طن. وفي عام 1997 بلغ نصيب الفرد من انتاج البيض عام 1997، 33 كجم، كما تشير احصاءات الفاكهة الى ان نصيب الفرد في العام نفسه 41كجم. وتصاعد الانتاج الصناعي منذ عام 1952 بصورة مطردة بنسبة 13.6% وزادت القيمة المضافة من الانتاج الصناعي من 1952 حتى 1998 حوالي 158 مثلا وأضحت الصناعة تمثل الآن 46.2% من العائد المالي السنوي للبلاد. وفي مجال الزراعة زادت مساحة الاراضي المروية من 19.69 مليون هكتار عام 1952، أصبحت عام 1997 ماقدره 51.24 مليون هكتار. وارتفع مستوى معيشة الفرد في السنة بعد ان كان عام 1952 حوالي 80 يوانا أصبح عام 1998 2973 يوانا. وزادت حصة التجارة الخارجية الصينية بعد ان كانت عام 1950 حوالي 1.13 مليار دولار اصبحت عام 1998 حوالي 323.9 مليار دولار. وجملة القول ان الصين اليوم ترى ان الاصلاح الاقتصادي رهن الانفتاح على العالم والاعتماد على العلم والتكنولوجيا كقوى انتاجية. ويجب أن يتضافر مع هذا التطور الحادث على أرض الصين مرونة وقدرة ابداعية على صوغ اطار فكري جديد متلائم مع التطورات الحادثة بل ودافع لها، وهكذا استطاعت الصين بفضل قياداتها المرنة المتطورة وحزبها صاحب الخبرة النضالية والثقافية أن تدرك واقع التحولات المحلية والعالمية. ونجح النظام الصيني فيما أخفق فيه الاتحاد السوفييتي. وهكذا حققت الصين بفضل سياسة الاصلاح والانفتاح واستراتيجية التطوير المتكامل انجازات باهرة في مجالات التعليم والزراعة والصناعة والعلوم والتكنولوجيا. وكانت القيادة في الصين قد رأت أن النظام التعليمي هو بمثابة حجر الزاوية للنهوض بالأمة في جميع مجالات المجتمع وعن ذلك يقول المؤلف في الفصل الثالث فالثورة العلمية والتكنولوجية والنهضة الزراعية والصناعية كل هذا لن تقوم له قائمة الا على انسان صيني جديد عصري العقل والروح والأداء، جرت تنشئته اجتماعيا وثقافيا على نحو ملائم لحضارة العصر، وتلقى تعليما ملائما تأسيسا على ثورة في نظام التعليم تعيد صياغة الإنسان الصيني. ففي عام 1949 لم يكن في الصين سوى 50 ألف شخص يعملون في الدوائر العلمية من بينهم 500 عالم فقط موزعين على 40 وحدة علمية فقيرة ومتخلفة وفي عام 1995 انعقد المؤتمر الوطني للعلوم والتكنولوجيا بهدف وضع استراتيجية هدفها بحلول عام 2010 أن يتحقق الدمج العضوي بين العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد وتتشكل أجهزة البحوث العلمية والتكنولوجية في الصين من: 1ـ أكاديمية العلوم الصينية وتتبعها 123 دائرة علمية وضمت عام 1998 أكثر من 60 ألف عالم ومتخصص، ويحمل من بينهم صفة الأكاديمي 610 علماء من بينهم 23 عالما أجنبيا. 2ـ معاهد الأبحاث العلمية التابعة لدوائر الدولة والحكومات المحلية. 3ـ الأجهزة العلمية التابعة للجامعات. 4ـ الأجهزة العلمية التابعة لدوائر الدفاع الوطني. 5ـ الأجهزة العلمية التابعة للمؤسسات والمصانع. 6ـ الجمعية الصينية للعلوم والتكنولوجيا وتضم أكثر من 160 منظمة علمية وأكاديمية تشكل هذه المؤسسات معا منظمة مترابطة ومتكاملة. وهكذا أدركت الصين مع ثورة التصحيح - كما يقول المؤلف في الفصل الرابع - دلالة ثورة ثقافة المعلومات ودورها في تشكيل الاساس المادي للمجتمع واعادة بناء الإنسان/ المجتمع في اتساق مع حضارة العصر لتتوفر له الامكانات المادية والمعنوية الملائمة للفعل الحضاري المنافس. وأدركت الصين دلالة التناقض بين الذات والشبكة أي ماتقضيه ثورة ثقافة المعلومات من علاقات شبكة كوكبية. وفي سبيل توطين العلم والثقافة والتنوير وأساليب الادارة شرعت الصين بعد ثورة التصحيح في اقامة مناطق صناعية جديدة بلغ عددها 53 منطقة حتى عام 2000 وتميزت في قطاعات المعلومات الالكترونية والهندسية والوراثية وموارد الطاقة الجديدة وغيرها. وتحولت هذه المناطق الى قواعد لتطوير ثقافة عالية جديدة سيكون لها دور نشط في اعادة هيكلة الاقتصاد للوصول الى الوضع الأمثل مستقبلا. وتحقق هذه المناطق عائدات مهمة من النقد الأجنبي مثال ذلك أن المناطق الـ 53 حققت عائدا قدره 656 مليار يوان عام 1998 بما يزيد بنسبة 35.7% عن عام 1997. كما ان الصين بعد ثورة التصحيح تبنت سياسة فتح أبواب الصين للاستثمار الاجنبي في ظل استراتيجية تنموية واضحة المعالم وبمرونة كافية، وهكذا اصبحت المشروعات الممولة من خارج الصين قوة دفع لتطوير التجارة الخارجية. مثال ذلك ان صادرات هذه المشروعات زادت فيما بين عامي 1980 و1990 من 0.1% الى 12.6% من اجمالي انتاج البلاد وبحلول عام 1999 زادت الضرائب المدفوعة من هذه المشروعات بنسبة 33.7% وهو مايساوي 16% تقريبا من اجمالي هذه المشروعات 174.5 مليار دولار أي حوالي 48.35% من الاجمالي القومي وبلغ عدد العاملين في هذه المشروعات حتى عام 1999 حوالي 20 مليونا أي مايساوي 10% من العاملين الصينيين في الحضر. وحتى مايو 2000 أقيم ما مجموعه 349537 مشروعا بتمويل أجنبي لحساب مستثمرين من 180 بلدا وأهم عشرة بلاد ومناطق لها أضخم استثمارات في الصين هي هونج كونج - الولايات المتحدة الأمريكية - اليابان - تايون - سنغافورة - كوريا الجنوبية - بريطانيا - ألمانيا - ماكاو. ويفيد تقرير البنك الدولي بان الصين اصبحت بالفعل ثالث أضخم اقتصاد في العالم بعد أمريكا واليابان. وهكذا ينكشف لنا ان النجاح الاقتصادي لأي بلد هو معرفة ما اذا كان بالامكان ان يتنبأ بدقة باتجاه التقدم العلمي والتقاني والتنامي الاقتصادي العالمي، وما اذا كان بالامكان تحديد القطاعات الصناعية الرئيسية التي يدير تطويرها ومن ثم ينتعش الاقتصاد القومي عموما. أمين اسكندر