بيان الكتب: على مدى أكثر من عشرين عاما كانت وكالة المخابرات الأمريكية تنظم وتدير جبهة ثقافية عريضة في معركة ضارية بدعوى حرية التعبير وبتعريفها للحرب الباردة، بأنها معركة من أجل الاستيلاء على عقول البشر وبعد أن سكت هدير المدافع وأزيز الطائرات ودوي القصف أخرجت الترسانة أثقالها الثقافية: الصحف والمجلات والاذاعات والمؤتمرات ومعارض الفن التشكيلي والمهرجانات الفنية والمنح والجوائز.. الخ وتكونت شبكة محكمة من البشر الذين يعملون بالتوازي مع ال«CIA» لتمحو من الأذهان فكرة أن أمريكا صحراء ثقافية وتزرع فيها فكرة جديدة مؤداها أن العالم في حاجة الى سلام أمريكي والى عصر تنوير جديد وأن ذلك كله سيكون اسمه «القرن الأمريكي». راديكاليون سابقون ومثقفون يساريون من الذين تحطم إيمانهم بالماركسية والشيوعية ومؤسسات وهمية وتمويل سري ضخم وحملة اقناع هائلة في حرب دعاية ضاربة تخطط لها وتديرها منظمة الحرية الثقافية التي كانت بمثابة وزارة غير رسمية للثقافة الأمريكية أو لتكون الزمار الذي تدفع له ال«CIA» ثمن ما تطلبه منه من ألحان. هنا تضيء الباحثة البريطانية الشابة ف.س.سوندرز «36 سنة» في كتابها الحرب الباردة الثقافية «المخابرات المركزية الأمريكية وعالم الفنون والآداب» والذي صدر عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة بترجمة طلعت الشايب هذا الكتاب الذي حرصت مؤلفته على التأكيد أنه فقط لأجل الحقيقة والتاريخ يتعرض لعمليات التغلغل والتسلل الأمريكي عبر الرواية والفيلم وقطعة الموسيقى والمسرحية والقصيدة والتفاصيل التي يزدحم بها التفسير بمنتهى البساطة كيف تخلخلت أنظمة عملاقة وتداعت هياكلها وكأنها عروس من القش.. ليصبح القرن الأمريكي أمريكيا وليعيش العالم السلام على الطريقة الأمريكية! لقد استغرق تحويل هذين الشعارين الى واقع معاش أكثر من خمسين عاما، ففي يوليو 1947 أنشأت الحكومة الأمريكية ال«CIA» وكان الهدف هو ايجاد جهاز مسئول يتولى الجانب الثقافي في الحرب الباردة وكان أول أعمال الجهاز تكوين جبهة ثقافية يعمل من خلالها ليمهد الطريق أمام المصالح الأمريكية سالكونسوريتونس هو الاسم الذي أطلق على هذا الجهاز الذي اعتمد على فقرة بسيطة للغاية.. هو أن يلتقط ضحايا القهر الستاليني عبر الدعوة لكتابة مقال أو مسرحية أو المحاضرة في ندوة. إنشاء المراكز الثقافية الأمريكية كان وراءها سياسة نشر الصورة الأمريكية بالصورة والموسيقى. كانت العناصر التي تعمل في مثل هذا النشاط من صفوة الأمريكان وكان عليهم في البداية تضييق الحصار على الأمريكان اليساريين وكان المهم أن يبدأوا بالأكثر شهرة مثل شارلي شابلن ومارلون براندو. قوافل المخابرات المركزية الأمريكية التي كانت تطوف بالعالم لنشر الذوق الأمريكي واعادة الصياغة حتى لبعض الأوبرات العالمية، كل ذلك أدوات استمرت حتى تأسست عام 1950 منظمة ثقافية جديدة باسم كونجرس الحرية الثقافية تحولت عام 1967 الى الاتحاد الدولي للحرية الثقافية وقامت هذه المنظمة بإنشاء فروع لها في 35 دولة تم اختيارها بعناية وأصدرت أكثر من عشرين مجلة ونظمت مئات وربما آلاف المعارض وحفلات الموسيقى. تولت منظمة الحرية الثقافية نشر أنشطة جهاز المخابرات المركزية الذي يستهدف فرض النموذج الأمريكي ولعب في رؤوس المثقفين السوفييت بهدف تأليبهم وصدرت مجلات بعينها لهذا الغرض كتب فيها أسماء مشهورة مثل: برتراند راسل. ويشير الكتاب الى أن همنجواي أعظم روائي أمريكي كان يخضع لمتابعة ادارة التحقيقات الأمريكية F.B.I لدرجة اصابته بالاكتئاب وعندما ذهب لعيادة نفسية قبيل انتحاره طلب أن يسجل نفسه تحت اسم مغاير لكن الطبيب اتصل بادارة التحقيقات ليأخذ تصريحا بذلك، وكانت المنظمة نفسها - الحرية الثقافية - وراء عدم فوز شيلي الشهير نيرودا بجائزة نوبل لعام 1964 ولم يفز بها إلا عام 1971 حين كان سفيرا في فرنسا لحكومة الليندي لكن المخابرات المركزية قتلته بعد الفوز بعامين. وفي منتصف الستينيات من القرن العشرين والحرب الباردة في عنفوانها كان لنادي القلم الدولي 76 PEN فرعا في 55 دولة وبذلت المخابرات الأمريكية كل ما تستطيع من جهد لتحويله الى منبر لخدمة المصالح الأمريكية وأكثر من هذا فإن متحف الفن الحديث في نيويورك خضع للمخابرات حيث يعرض أعمالا متحررة من القواعد الفنية المتعارف عليها باعتبار أن التحرر والوقوف الى جانب التعبير التجريدي يعد رمزا للديمقراطية. والحق أن التغير في الثقافة هو ما يراهن عليه النظام العالمي الجديد المعروف بالجلوبالية الذي أعلنه الرئيس الأمريكي بوش الأب أثناء حرب الخليج الثانية 1991 وأداته الرئيسية منظمة التجارة العالمية التي أنشئت في يناير 1990 والتي أضيف لبرنامجها مبدأ الحرية الثقافية أي حرية الانسان في أي مكان في تعاطي ما يريده وما يرغبه من ألوان الثقافة دون حظر رقابي من حكومته والهدف تحويل العالم كله الى النموذج الأمريكي دون احساس بالدونية. وقد بلغ تدخل المخابرات الأمريكية في الشأن الثقافي حتى مع حلفائها الأوروبيين مدى جعل أكبر الأسماء الثقافية كقطع الشطرنج فهناك أسماء سوف يشعر القارئ بالاسى حين يدرك تماسها مع ال«CIA» وهناك تحولات فكرية لأسماء كبيرة ربما كان يندهش لها المثقف في شرقنا لحظتها!! هناك مثلث من الأسماء كان بمثابة الهيكل الذي أسس لأكبر وأضخم شبكة تجسس بالثقافة: نيكولاس نابوكوف ابن عم الكاتب فلاديمير نابوكوف وهو مهاجر روسي كان يعمل في برلين قبل أن يهاجر لأمريكا ويشتغل موسيقيا ومايكل جوسلسون ضابط أمريكي من أصل روسي وهذان شكلا ثنائيا استخباريا ثقافيا متجانسا رغم اختلاف الطبائع ثم ميلفن جوناه والملقب بأبي الحرب الباردة الثقافية هذا المثلث سوف يتابع القارئ تدرجاته العلمية وأسلحته الفتاكة ثقافيا عبر عشرين مجلة وآلاف الندوات والمؤتمرات والرحلات التي توقع بالكتاب وسوف يمولون بملايين الدولارات كتبا وافلاما ومسرحيات وتشاركهم مؤسسات فورد وروكفلر.وكان جان كوكتو يحذر أمريكا من أنه لا المال ولا السلاح سوف ينقذها وأن هناك ما هو أقوى من دولارات مشروع مارشال لتدجين أوروبا هناك القلة المفكرة وهي القلة المفكرة التي تحولت الى الزمار الذي يقبض وتستحي عينيه منذ إنشاء الوكالة الأمريكية بقرار الأمن القومي الأمريكي في يوليو 1947 والتي امتلكت شركات طيران واذاعات وصحفا وعقارات وشركات تأمين حتى ظن الناس أنها تهيمن على المال والاعلام والثقافة والاقتصاد. ورثت الوكالة المركزية مكتب الخدمات الاستراتيجية الذي أنشئ عام 1941 بعد بيرل هاربور وألغاه الرئيس ترومان لأنه لا يريد جهازا يشبه الجستابو في مرحلة السلم لكن النخبة الأمريكية جعلت من الجستابو جهازا هاويا فقد جندت من ايليا تولستوي حفيد تولستوي وأنطوان دي سانت اكزوبيري وحتى أرنست همنجواي!! ولعدم الاطالة في سرد التفاصيل التي توضحها المؤلفة وحصلت عليها بجهد جهيد لابد من الاشارة لبعض اللقطات لسيناريو طال لأكثر من خمسين عاما ففي السينما لم تكن المخابرات الأمريكية تكتفي باقتراح أفكار وأفلام فبعد اجتماعات سرية تقرر أن تكون الثيمة الرئيسية التي تروج لها هوليوود هي فكرة الحرية الأمريكية ودوافعها النبيلة لانقاذ الشعوب وعونها للفكر الحر وتمت الاجتماعات بين ممثلي هوليوود المخلصين في عدائهم لليسار مثل جون واين وجون فورد وتقرر أن يتم ادخال الشعار السياسي في سلسلة أفلام بعناية شديدة تحت اشراف الوكالة القومية للاعلام الأمني. كانت مهمة هوليوود أن تثبت كيف أنها تستطيع أن تنزع صفة طيب عن شعب أو دولة وتضع مكانها صفة شرير.. والكتاب يحكي كيف كان التدخل المخابراتي يصل لحد حركة الممثل ورمشة عين الممثلة ورفعة الحاجب وحتى القبلة السينمائية! وكان هناك 135 مركزا اعلاميا في 87 دولة توزع أفلام المخابرات المدعومة بأموال ال«CIA» والتي تتحكم في كل مفردة فلا شيء متروك للصدفة ولن تترك أعمال تشير لحقيقة أمريكا وبحسب تعبير أحد مسئولي الحرب الباردة لا مزيد من عناقيد الغضب. فكانت السينما الأمريكية وما زالت سينما تفصيل، فبعد وفاة الروائي جورج أوريل صاحب مزرعة الحيوانات عام 1950 اتصلوا بأرملته ليحولوا مزرعة الحيوانات لفيلم كارتون يوزع في أنحاء العالم وقام بمراجعة السيناريو هيئة الاستراتيجية النفسية وتم تغيير النهاية وفي رواية العالم سنة 1984 وجدت ال«CIA» عملا وظفته بعناية حتى وإن أفسدت النص الأصلي وتلاعبت بأوريل وعملت نهايتين للفيلم واحدة للجمهور في أمريكا وواحدة لخارج الحدود!! وكان التزييف في كل المراحل الفيلمية بحيث أصبح الفيلم في واد والرواية في واد لكن يبدو أن ما فعلته المخابرات المركزية بروايتي أوريل كان وثيق الصلة بماضي أوريل مع ال«CIA» فقد سلم أوريل الى ادارة البحث العلمي قائمة ب35 اسما متهمين بالتعاطف مع الشيوعية بل أنه كان دوما يحتفظ الى جواره بدفتر استخباراتي يكتب فيه تقارير عن المدى الذي يمكن أن يصل اليه أعداؤنا في الخيانة ووصلت أسماء الدفتر سنة 1949 الى 625 اسما ومن الأسماء التي راقبها وكتب فيها تقريرا جون شتاينبك. لكن السؤال الذي يطرح نفسه.. ما الذي يجعل كاتبا بحجم أوريل مجرد مراقب على كاتب آخر هو شتاينبك؟! لقد فشلت محاولات الدفاع عن أوريل بعد موته بخمسين عاما فالعمل غير الشريف لا يصبح شريفا لمجرد أن مرتكبة هو جورج أوريل. وسوف نقرأ في هذا العمل عن لارس. أليوت وجان بول سارتر وقد يستدعي ما نقرأه الى الذهن أسئلة حول دوائر وأنماط وآليات مستمرة وكلها تدين بالفكرة للمخابرات المركزية مثلا حين يكتب صحفي أو روائي عملا لا يساوي ثمن الورق أو الحبر المكتوب به وتشتريه جهة تقول أنها ثقافية بمبالغ غير عادية أو حين تدعو جهة كانت لرحلة في بلاد ما أو تدعوه لحفل شرفي أو تمنحه درجة فخرية أو حتى تعزمه على العشاء كل فرد ومكانته هذه كلها أساليب يروي عنها الكتاب بالاسم والواقعة وسوف تكتشف عبقرية هذه المخابرات المركزية التي جعلت شعار كل واحد وله مدخل شعارا ثقافيا استخباراتيا منذ أكثر من خمسين عاما!! بمعنى اذا كان هناك من يرتضي المال فليحصل على المال والبرستيج وهكذا تتم دعوة أرنست همنجواي وآرثر ميللر وغيرهما لحفل تنصيب كينيدي تحت شعار اقامة علاقة منتجة بالفنانين والكتاب. اسلام الشيخ