عندما التقت صديقات ناتاشا في جامعة كييف في الثمانينيات من القرن الماضي، كن مفعمات بالامل حيال حقبة ما بعد البرسترويكا. وخلال جلسات الوقت المتأخر من الليل، في المقاهي المحلية، كن يناقشن احلامهن المتعلقة بالرحلات الساحرة والاعمال الناجحة والحرية في ادارة حياتهن الخاصة. ولكن بالنسبة للكثيرات منهن، فإن السنوات الاثنتي عشرة الماضية منذ انهيار الشيوعية كانت سنوات صعبة. فلودا، التي لاتريد شأن صديقاتها ان تذكر اسم عائلتها، سافرت الى الخارج وتزوجت ايطالياً يكبرها بخمسة عشر عاماً، لتكتشف انه لم يكن يريدها زوجة له وانما خادمة تقوم على رعايته. اما ايرينا فتزوجت «اوكرانياً من الجيل الجديد» كان يقود مرسيدس ويشتري لها ملابس من كريستيان ديور، ولكنه حرمها من العمل او رؤية اصدقائها القدامى. اما لينا وجوليا فقد اسستا «تجارة شنطة» حيث تسافران الى تركيا بحقائب فارغة لكي تملآنها بسلع رخيصة تقومان ببيعها في الوطن. واثناء وجودهما في الخارج، تعملان بالرذيلة من اجل كسب المزيد من المال. وتعمل داريا (33 عاماً)، التي تحمل درجة الدكتوراه في الفيزياء كمخمنة عقارات، حيث الاجر منخفض والفرص ضئيلة. وهي الان تبحث جاهدة عن زوج يؤمن لها منزلاً خاصاً بها. وتقول بهذا الصدد: «لا يمكنك ان تسمّيني امرأة. فأنا مازلت اعيش مع والدي. وليس لدي زوج ولا اطفال. اي نوع من النساء تلك؟». اما ناتاشا نفسها، فقد كان حظها افضل. فبصفتها مديرة لشركة استشارات فرنسية في كييف، فانها تملك شقتها الخاصة وتسافر الى خارج البلاد. ولكنها عندما تزور مسقط رأسها كانيف، فانها تلاقي الشفقة من قبل الناس ونها امرأة عزباء بلا اولاد بدلاً من ان تلاقي الاعجاب على نجاحها. وهي تتوق للعودة الى لندن او امريكا، حيث درست السياسة الاجتماعية، لكي تهرب من ضغوط الاضطرابات الاقتصادية والتشدد فيما يتعلق بتطبيق التقاليد. وتقول بهذا الشأن: «مازال لدي امل، ولكنني لا ارى اي بارقة امل في عيون النساء من ابناء جيلي. وانا اسميهن «المعذبات». لم يكن من المفروض ان تسير الامور على هذا النحو. فقد كان من المفترض ان يجلب سقوط جدار برلين الحرية السياسية والازياء الغربية ووظائف في القطاع الخاص وروحاً جديرة من المغامرة في مجال نشاط الاعمال للملايين من النساء في اوروبا الشرقية ووسط اوروبا. والى درجة معينة، فإن هذا ما حدث. ولكن وكما تظهر حلقة اصدقاء ناتاشا، فإن ذلك الحدث جلب معه ايضاً صعاباً غير متوقعة وتناقضات مزعجة والكثير من خيبة الامل. وعندما ماتت الشيوعية، ماتت معها طقوس المساواة بين الجنسين. واليوم، تهدد توجهات اوروبا الشرقية المتعلقة بالنظام الابوي المنزلي والتعدد الديني حرية المرأة. وحتى ان بعض النساء يتساءلن ما اذا كن بحال افضل في ظل النظام القديم. وتقول تمارا بويكو (45 عاماً)، التي تدربت كمهندسة ولكنها تكسب الان 137 دولاراً بالشهر ـ وهو راتب جيد نسبياً ـ حيث تقوم بطلاء الابواب المعدنية كجزء من طاقم صيانة مدينة موسكو: «الامور باتت اكثر سوءاً منذ انهيار الشيوعية. فهناك عمل اكثر ورواتب اقل». وبمناسبة «يوم المرأة العالمي» الاخير، تم تكريم النساء الروسيات بالزهور والانخاب وبيوم عطلة. ولكن المؤسف ان هذا التكريم لا يتم الا مرة في العام. وتتحمل النساء في اوروبا الشرقية الواقعات بين سندان الاضطرابات الاقتصادية ومطرقة النزعة التقليدية الدينية والثقافية المتنامية ـ يتحملن العبء الاكبر لعملية تحوّل المنطقة الى النظام الرأسمالي. فعلى امتداد سنوات التسعينيات، فقدن وظائفهن والمزايا التي يتمتعن بها وحصصهن في الحكومة ومكانتهن. وقد تضاءل التمويل الحكومي لرعاية الطفولة ودعم العجزة والمرضى، تاركاً النساء لرعاية الاطفال والآباء العجزة. وعملت المنافسة الشرسة من السوق الحرة على زيادة الضغط على الموازنة بين العمل والحياة المنزلية. ووجدت دراسة مسحية اجريت في عام 1998 ان النساء في اوروبا الشرقية سجلن متوسط ساعات عمل بين العمل المدفوعه الاجر والواجبات المنزلية المجانية يبلغ 70 ساعة في الاسبوع، وهو ما يزيد بحوالي 15 ساعة عن نظيراتهن في اوروبا الغربية. (خلال الحقبة السوفييتية كان الفرق ساعتين فقط). وقد فضلت الاقتصادات الجديدة الشجاعة، التي انبثقت من كييف الى قيرجيرستان الرجل على المرأة. واظهرت الدراسات ان النساء كن ابطأ من الرجال في الانتقال من وظائف القطاع العام الى وظائف القطاع الخاص ذات الاجور الافضل. وفي الدول الـ 27 في المنطقة، فقدت النساء وظائفاً مدفوعة الأجر أكثر مما فقد الرجل منذ عام 1989، فمن بين 12 مليون روسي الذين فقدوا وظائفهم بين عامي 1991 و 1999، كان هناك 8 ملايين من النساء. واجبرت البطالة والارتفاع الخيالي في تكاليف المعيشة المرأة على تقبل اعمال مهنية او العمل بالرذيلة لاعالة اسرتها. واصبحت تجارة الرقيق الابيض في اوروبا الشرقية، وهي جريمة لم تكن موجودة قبل عقد من الان، منتشرة بشكل كبير لدرجة انها تدر ملايين الدولارات وتضم اكثر من نصف مليون امرأة. ولكن هذه الصورة القاتمة لا تنطبق على جميع النساء في اوروبا الشرقية، فهناك بعض النساء اللواتي تحسنت ظروفهن المعيشية وبتن في وضع افضل ولكن من خلال الزواج بأجانب او الاقتران برجال اعمال من داخل الوطن يستطيعون ان يوفروا لهن حياة افضل وان كان ذلك على حساب بعض الحقوق الاساسية للمرأة وعلى رأسها كرامتها. ضرار عمير