حين يذكر الجاحظ وعلمه وفضله، فلابد ان يذكر «ابن قتيبة» لما بين العالمين من تشابه في غزارة الانتاج، وعمق المعرفة، والتأثير الكبير اضافة الى انهما عاشا في زمنين متقاربين. ابن قتيبة هو عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، الذي ولد سنة 213 هـ في بغداد، وفي هذه المدينة كانت نشأته وحياة التلقي حتى اذا ماشب وبلغ مبلغ الرجال وادرك الثلاثين او جاوزها بقليل، رحل الى « دينور» حيث ابن خاقان، وزير المتوكل فهو لم يترك بغداد الا بعد ان اكمل الاخذ عن شيوخه في الادب واللغة والفقه والحديث والشعر. وكما آخذ «ابن قتيبة» فقط اعطى وانتج بذلك قرابة ثلاثمائة كتاب رغم انه لم يعمر طويلا فقد كانت حياته ثلاثا وستين سنة، مليئة بالعلم والمعرفة والانتاج، فقد توفي في بغداد سنة 276 هـ على ارجح الروايات. ومن الامور التي تدعو الى الاعجاب ان ابن قتيبة على كثرة ما ألف من كتب نفيسة، لم يكن متفرغا للكتابة والتأليف بل اشتغل بالقضاء فترة من حياته في مدينة «دينور» التي نسب اليها. اما كتابه الشعر والشعراء، فقد قدم ابن قتيبة للشعر العربي والمهتمين به، خدمات جليلة بكتابه هذا، الذي نال تقديرا وذيوعا كبيرين. يقدم ابن قتيبة في كتابه هذا مئتين واثنين من الشعراء مرتبين ترتيبا زمنيا، فهو يبدأ «بامريء القيس» وينتهي «بعلي بن جبلة» المعروف بالعكوك. وعلى عادة العلماء الكبار يقدم المؤلف منهجا لكتابه في المقدمة فيقول انه كتاب عن الشعراء المشهورين الذين يعرفهم جل اهل الادب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب، ويقول ايضا: انه اخبر فيه عن ازمانهم واقدارهم واحوالهم في اشعارهم، وقبائلهم واسماء ابنائهم، ومن كان يعرف باللقب او بالكنية منهم، وعما يستحسن من اخبارهم. كما يسجل «ابن قتيبة» على شعرائه ما اخذ عليهم من الغلط والخطأ في الفاظهم ومعانيهم، ويذكر ما سبق اليه المتقدمون فأخذه عنهم المتأخرون. كل ذلك يذكر ابن قتيبة مضيفا اليه اقسام الشعر وطبقاته ولم يذكر الا الشعراء الذين عرفوا بكونهم شعراء، بحيث غلب عليهم الشعر دون غيره من فنون القول، كما انه يزن الشعراء بميزان سليم، هو جودة شعر الشاعر، لا يشفع له انه متقدم ولاينال من قدرته انه متأخر، وهو في ذلك يخالف من يرى الجودة في الشعر لتقدم قائله وابن قتيبة لايذكر الشاعر جزافا، ولايثبت القصائد او المقطوعات خبط عشواء، وانما هو يضع لنفسه مبدأ يسير عليه، فهو يذكر من رفعه الله بالمديح، ومن رفعه بالهجاء ويتحدث عما اودعته العرب من الاخبار النافعة والانساب الصحيحة، والحكم المساوية بحكم الفلاسفة، ليظهر ابن قتيبة عالما جليلا. ويقدم ابن قتيبة دراسة جيدة بمقياس الجودة على زمانه في نقد الشعر،و وذلك في مستهل كتابه فيذكر: انه تدبر الشعر فوجده اربعة اضرب: ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه، وضرب منه حسن لفظه وحلا، فإذا انت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى وضرب منه جاد معناه وقصرت الفاظه عنه، وضرب منه تأخر معناه وتأخر لفظه، ويضرب مثالا بل امثلة على كل ضرب منها. وقاريء الكتاب سيدرك عبقرية ابن قتيبة ونظرته النقدية التي لم تتطور فيما بعد لتشكل نقدا عربيا، وكان يمكن ان يكون رافدا للنقد العالمي الحديث. إعداد ـ محمد سطام الفهد