بيان الكتب: عمل مؤلف هذا الكتاب «روبرت بير» لسنوات طويلة كاحد عناصر وكالة الاستخبارات الامريكية «سي. آي. ايه» امضاها في العراق ودوشنبي والرباط وبيروت والخرطوم ونيودلهي.. وحاز عام 1997 على وسام مهنة الاستخبارات.. وهو يعيش حالياً متنقلاً بين الولايات المتحدة واوروبا. وكانت المدة التي امضاها في مختلف مناطق الشرق الاوسط وجواره حوالي ربع قرن من الزمن. هذا الكتاب «لا نرى الشر» يخص تجربة مؤلفه، وضابط الاستخبارات الامريكية السابق، في مختلف المهمات التي تم تكليفه بها.. كما يخص «قصته» كأحد جنود الظل مع جهاز الـ «سي. آي. ايه» الشهير، كما يخص اليات عمل هذا الجهاز كما عاشها المؤلف ـ ضابط الاستخبارات. ان «روبرت بير» يبدأ «حكايته» من النهاية اي من واقع استدعاء رئيسه له كي يمثل للتحقيق بخصوص اتهامه بمحاولة اغتيال الرئيس العراقي «صدام حسين» لقد كان يعمل في المناطق الكردية الواقعة في شمال العراق، لحساب وكالة الاستخبارات الامريكية.. وكان قد عاد الى واشنطن لتقديم تقريره حول العمل الذي قام به في اطار مهمته هناك. لكنه وجد ان مفاجأة مزدوجة تنتظره.. وكانت دهشته مضاعفة عندما وجد نفسه متهماً بمحاولة اغتيال الرئيس العراقي صدام حسين.. وايضا عندما قام عناصر من مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي «اف. بي. آي» هم الذين يحققون معه وليس في الوكالة التي كان يعمل لحسابها. كان هذا يعني بنظره انتهاء المهمة وانه مدعو كي «يودع نهائياً» المهمات التي عمل بها لسنوات طويلة. اذ «يبقى المرء بريئاً في وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية حتى اللحظة التي يتم التحقيق معه بها»، كما يقول المؤلف.. اي ان «التحقيق» يعني بصورة ما «الادانة» بالابتعاد عن «مسرح العمليات». ويعود «روبرت بير» بنوع من الاستذكار «الفلاش باك» الى بدايات علاقته مع المخابرات المركزية الامريكية. كان ذلك اثناء رحلة الى اوروبا قام بها وهو في سن التاسعة بصحبة امه حيث ذهب الى سويسرا بعد انفصال والدته عن ابيه.. ويومها التقى اناساً كانوا يعملون ـ كما يبدو ـ في اطار النشاطات الاستخبارية. وبعد عدة سنوات وعدم الانتظام كثيراً في الدراسة قررت امه الحاقه باحدى المدارس العسكرية.. وهناك اقترح عليه احد اصدقائه التقدم للعمل في اجهزة وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية.. وهذا ما حدث بعد عدة اختبارات اجتازها كلها بنجاح. كانت اولى المهمات التي تم تكليف «روبرت بير» بها هي الذهاب الى الهند للعمل ضد مخططات اجهزة الاستخبارات الهندية التي كان في مقدمة واجباتها رقابة عملاء وكالة المخابرات المركزية الامريكية. وقد كانت الهند، بنظر المؤلف، من أعقد واصعب الاماكن التي يمكن العمل بها، وذلك اولاً لسبب «تقني» اذ ان الجميع يرتدون تقريباً الملابس نفسها وانواع السيارات محدودة للغاية مما كان يزيد من صعوبة قيام عملاء المخابرات الاجانب بمهامهم. ولكن من جهة اخرى كانت الهند هي افضل مكان لجمع المعلومات عن السلاح السوفييتي الذي كانت الهند تشتري كافة انواعه واحدثها مما شكل حينئذ افضل مصادر تزويد الولايات المتحدة بآخر تطورات تقنيات السلاح السوفييتية.. هذا فضلا عن ان واشنطن كانت تُبدي اهتماما استثنائيا انذاك بالبرامج النووية للهند. اضف الى هذا كانت الهند هي احدى الدول المؤسسة لمجموعة بلدان حركة عدم الانحياز التي كان يتزعمها كل من نهرو وعبدالناصر وتيتو. ولهذا السبب كانت دلهي تزخر بمختلف انواع الدبلوماسيين ومن جميع الجنسيات الى جانب الاف الدبلوماسيين والفنيين والعسكريين السوفييت. ان هذا الكم الكبير من النماذج المختلفة سهّل الى حد كبير عملية العثور على من يمكن تجنيدهم للعمل لحساب وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. وكانت «مدراس» هي المدينة الاولى التي باشر فيها المؤلف عمله.. كانت التجربة الاولى والاخطاء الاولى ايضا مثل محاولة تجنيد احد العسكريين الهنود لحسابه بغية تزويده بالمعلومات الخاصة بالنزاع الهندي ـ الباكستاني الذي كان يبدو بأنه ربما قد يتحول الى نزاع عسكري بأية لحظة. ومن خلال عدة تجارب «أتقن» الضابط المبتديء آليات تجنيد العملاء بالاعتماد على معرفة احتياجاتهم من المال او على اساس تحقيق رغبات اخرى لديهم.. باختصار كانت القاعدة الاساسية هي «معرفة نقاط ضعفهم واستغلالها». استمرت تجربة الهند ثلاث سنوات انتقل الضابط المؤلف بعدها الى منطقة «اختصاصه» اللاحق، اي منطقة الشرق الاوسط والتي لم يكن يعرف آنذاك الكثير عنها. كانت محطته الاولى هي مدينة بيروت التي وصلها في شهر ابريل من عام 1983 بعد فترة من خمود الحرب الاهلية اللبنانية والاجتياح الاسرائيلي للبنان. ان المؤلف يتعرض في هذا السياق لحادث تفجير السفارة الامريكية في بيروت والتي كانت بمثابة افظع العمليات «الارهابية» ضد الولايات المتحدة الامريكية لاسيما وان وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية كانت قد فقدت فيها عدداً من عناصرها. ويعتبر المؤلف بان مسألة تفجير السفارة الامريكية في بيروت كانت بمثابة اكبر مصادر القلق بالنسبة له، ولوكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. اذ وعلى الرغم من ان التحقيق لم ينته من وجهة النظر الرسمية، فانه قد انتهى فعلياً. اذ ليس هناك اي دليل حاسم على هوية مدبري تلك العملية. ويشير المؤلف في هذا السياق ايضا الى عملية تدبير موت احد المشتبه بهم اثناء التحقيق مما اثار ازمة بين المكلفين بالتحقيق من امريكيين ولبنانيين. وانتهى الامر الى اتهام اعداء لبنان «بتدبير العملية». وتفاقم تعقيد الوضع بسبب الهجوم الذي تم تدبيره ضد قيادة البحرية الامريكية في لبنان مما ردّ عليه الرئيس الامريكي انذاك رونالد ريجان بسحب جميع الجنود الامريكيين من الاراضي اللبنانية و«ترك لبنان لمصيره». ان المؤلف ـ ضابط الاستخبارات السابق ـ يؤكد بانه قد قام بجميع المحاولات الممكنة من اجل كشف «طلاسم» عمليات الهجوم ضد الامريكيين في لبنان واختطاف بعضهم.. لكنه لم يتوصل الى أية نتيجة وافية كافية بل انتهى الأمر بنقله الى السودان. لم تستمر اقامة المؤلف في الخرطوم سوى اربعة اشهر عاد بعدها للولايات المتحدة الامريكية للعمل في ادارة مكافحة الارهاب حيث كانت هناك حملة كبيرة ضد جماعات الاخوان المسلمين النشيطة في مصر وسوريا. ان المؤلف يسترجع في هذا السياق بعض الاحداث والعمليات التي نسبت انذاك للاخوان المسلمين في الشرق الاوسط. و«يغمز» في هذا السياق ايضا بما يسميه علاقات الرئيس الفلسطيني مع بعض قادة الاخوان المسلمين اثناء اقامته في مصر وبعد انتقاله الى الكويت، ويرى المؤلف بان الرئيس عرفات كان يرى بهؤلاء سنداً له في قضيته السياسية لتحرير فلسطين. ويتحدث المؤلف في احد فصول هذا الكتاب بشكل مسهب عن «محطته العراقية» وحيث يؤكد بان حرب الخليج الاخيرة في مطلع عام 1991 كانت ترمي الى طرد قوات الرئيس العراقي من الكويت ومعاقبته ولكن دون ان تصل الامور الى حد الاطاحة به.. اذ كانت هناك خشية عامة من «الفراغ» الذي يمكن ان ينشأ في حالة غيابه عن السلطة في العراق. كما يشير المؤلف في هذا السياق ايضا الى التزام الامريكيين «الصمت» حيال نداءات «الاستغاثة» الصادرة عن اولئك الذين تمرّدوا ضد الرئيس العراقي صدام حسين خلال شهر مارس من عام 1991 وعندما كان في حالة ضعف بسبب الهجومات التي كانت قوات التحالف الدولي تشنها ضده دون هوادة. ويؤكد المؤلف بان الفكرة التي كانت سائدة انذاك تتمثل في قيام وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية باستكمال اهداف حرب الخليج بحيث تتم ازاحة الرئيس العراقي عن موقعه.. ووقف التقاتل بين مختلف الاجنحة الكردية المتنازعة.. ويعتبر المؤلف في هذا السياق بأنهم اكبر اقلية في عموم منطقة الشرق الاوسط، لكنها اقلية «بلا وطن»، على حد تعبيره. لكنهم يعانون من صراعات ومنافسات داخلية، لاسيما في ظل غياب سلطة مركزية وحيث ان العديدين منهم يتطلعون الى «شغل الفراغ» و«تولي السلطة». ويؤكد المؤلف ايضا في هذا السياق بان جميع عناصر وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية الذين كانوا يعملون بالمنطقة ويعيشون بالقرب من مواقع القتال ـ ومؤلف هذا الكتاب واحد منهم ـ انما كانوا معرّضين لاخطار كبيرة.. كما انهم كانوا يعانون باستمرار من خطر «الاختطاف» الذي كان يتهددهم بأية لحظة. ويعتبر «روبرت بير» بان اخطر اللحظات التي تعرض لها اثناء عمله الاستخباري المديد في الشرق الاوسط، قد تمثّلت خلال احتشاد قوات عراقية وايرانية وتركية على الحدود حيث كان يقوم هو وثلاثة من زملائه بالعمل بينما بدت الاعمال العسكرية على وشك الوقوع اذ اتخذت جميع القوى المتواجدة وضعية التأهب للقتال. ولم يكن القتل هو الخطر الوحيد الذي يحيق بهم وانما امكانية اختطافهم من اي طرف من الاطراف لـ «المساومة» بهم فيما بعد، هكذا حاولوا الهرب والابتعاد عن اكثر الاماكن امانا بالنسبة لهم حتى تلك اللحظة وكذلك افضل الاماكن من اجل تجنيد عسكريين عراقيين لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. ويفتح المؤلف ضمن هذا السياق قوسين ليؤكد بان احدى المهمات الاساسية التي كان يسعى برفقة عدد ضئيل من رفاقه، لتحقيقها كانت معرفة اماكن تواجد صواريخ «سكود» في المنطقة وكذلك معرفة ما يمكن ان يمتلك عليه العراق من اسلحة الدمار الشامل. ويسرد المؤلف بالتفصيل في معرض الحديث عن مهمته في شمال العراق علاقته مع عدد من الفصائل الكردية واعداد خطة للتخلص من الرئيس صدام حسين. لكن تلك الخطة المرسومة منيت بفشل كبير على ارض الواقع مما استدعى عودة المؤلف ـ ضابط الاستخبارات السابق الى الولايات المتحدة الامريكية للتحقيق معه ـ كما اشرنا في البداية ـ بتهمة محاولة اغتيال الرئيس العراقي من قبل بعض محققي مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي. ان المؤلف يعود في الصفحات الاخيرة من الكتاب الى ما كان قد افتتح به عمله، اي قضية اتهامه بمحاولة اغتيال الرئيس العراقي صدام حسين ويؤكد من جديد بان تلك القضية كلها من «اختلاق» احد المعارضين المشهورين للنظام القائم في بغداد. وحيث ان الادارة الامريكية اخذت تلك الرواية وتعاملت معها على اساس انها تعبر عن حقيقة ما جرى، بينما ان الامر ومن وجهة نظر المؤلف، كان مجرد كذبة كبيرة، لذلك لم يكن يخشى ابداً تعرضه للتحقيق لان الحقيقة لابد وان تظهر. وبالفعل قضت سلطات التحقيق بعدم وجود اية ادلّة على الاتهامات الموجهة له وقضت بتبرئته، هو وفريقه منها. لكن هذا كان يعني بالوقت نفسه نهاية احتمال ايفاده الى مهمات اخرى خارج الولايات المتحدة الامريكية لفترة زمنية طويلة جدا على الأقل وعدم حصوله على اية ترقية. وعلى اية حال لقد تم نقله الى وظيفة اعتبرها المؤلف بمثابة «ركلة» الى أعلى كي يهتم بمسائل شبه ادارية حتى وان كان راتبه لم ينقص. لقد عاش المؤلف عملية التحقيق معه واقصائه عن طبيعة العمل الذي احبه وقضى فيه معظم سنوات شبابه بمثابة «حالة عدمية» تم دفعه اليها.. لاسيما وانه كان، وكما يعترف، يعرف عن جبهة تحرير فلسطين القيادة العامة اكثر مما يعرفه عن قضايا بلده امريكا كما كان يعرف الاوضاع في السعودية اكثر من المامه بأحوال الكونجرس الامريكي.. لقد كان باختصار يجهل بأحوال المجتمع الامريكي الذي ابتعد عنه لعشرات السنوات التي امضاها في خارج الولايات المتحدة بينما كان يتابع اوضاع بلدان مثل طاجيكستان والسودان والباكستان وغيرها باهتمام العارف الخبير. اما بالنسبة لاعتداءات 11 سبتمبر 2001 التي ادّت الى تدمير برجي مركز التجارة العالمية في نيويورك.. فان المؤلف يشكك بامكانية ان يتم ذات يوم الكشف عن «طلاسم» هذه العملية. لكنه يؤكد بالوقت نفسه على ضرورة متابعة جهود محاربة الارهاب وخاصة الارهاب الجديد الذي لا يمتلك طائرات او قوات نظامية او اهداف محددة يمكن ضربها، لذلك فانه يتعين معرفة نوايا مدبري العمليات الارهابية قبل تنفيذها.. والسبيل الوحيد من اجل هذا هو جمع المعلومات من قبل «محترفي» المهمة المجرّبين في هذا الميدان