بيان الكتب:اندريه جراتشيف، مؤلف هذا الكتاب، هو احد المعاونين السابقين لميخائيل جورباتشوف عندما كان عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي (السابق) ثم في الكرملين. يعيش جراشيف الان بين موسكو وباريس، حيث اصبح احد الاخصائيين المعتمدين في تحليل السياسة الروسية، سبق له وكتب العديد من الدراسات والمؤلفات من بينها كتاب «هل مات ستالين؟» الذي كان «بيان الكتب» قد قدّمه في احد اعداده السابقة. «جورباتشوف.. اللغز» يستدعي الى الذهن مباشرة سؤالاً بسيطاً، من هو جورباتشوف؟ الاجابة التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب تتلخص في القول: «انه الرجل الذي غيّر العالم، عندما قام بتغيير التوجه الذي كانت بلاده قد تبنته منذ عقود طويلة». لكن هذه الاجابة، ورغم ما تبدو عليه من وضوح، لا تلقى الاجماع. ان البعض يرون في هذا الرجل «حفّار قبر» امبراطورية عظيمة و«دافن» حلم الشيوعية. ويراه اخرون بمثابة «باني» نموذج جديد من الاشتراكية، يمكن ان تلخصه الجملة القائلة: «الاشتراكية ذات الوجه الانساني» اي المنافية للنموذج الستاليني الذي عرفه الاتحاد السوفييتي «السابق» خلال القسم الاكبر من حياته. ولكن ومهما اختلفت الآراء حول ميخائيل جورباتشوف، فلاشك بان هذا الرجل قد ترك بصماته على مسيرة التاريخ الانساني خلال السنوات الأخيرة من القرن العشرين. واذا كان مؤلف هذا الكتاب يحلل النهج «الجورباتشوفي» في المسيرة السياسية السوفييتية، فإنه يركز في الواقع على محاولة الكشف عن بعض خفايا اللغز الذي دفع بهذا «الرجل الريفي الصغير القامة» والمولود في احدى المناطق الروسية المتخلفة، الى مقدمة المسرح السياسي في بلاده اولا ثم على الصعيد العالمي ليصبح احد رجال الدولة العظام في عصره وحيث لا يتردد بعض المراقبين والمحللين الدوليين في مقارنته بساسة كبار عرفهم القرن العشرون من امثال جون كندي وونستون تشرشل وشارل ديجول. ثم ما الذي حوّل هذا الرجل الذي يشهد جميع رفاقه في الحزب على انه كان عنصراً منضبطاً تماماً «في الاطار التنظيمي، الى رجل ديمقراطي النزعة والى معارض للنظام الشمولي «التوتاليتاري» الذي كان قد تربّى في كنفه. ان مؤلف هذا الكتاب الذي عرف جورباتشوف عن قرب خلال مسيرتهما الحزبية والسياسية المشتركة يرسم في الواقع مسار هذا الرجل الاستثنائي، مهما كانت الزاوية التي يتم النظر منها اليه ـ منذ بدايات حياته في سهوب روسيا الجنوبية وحتى الكرملين، ومن جامعة موسكو وزواجه من «رايسا» حتى انقلاب شهر اغسطس من عام 1991 ثم انهيار الاتحاد السوفييتي الذي اراد جورباتشوف في واقع الامر، المحافظة عليه حتى النهاية، ومن خلال هذا كله يقدّم «اندريه جراتشيف» شخصية «جورباتشوف» من كل جوانبها، وبكل ما فيها من نقاط ضعف وقوة وبكل ما عرفته مسيرته من لحظات خوف وقلق وما اقترفه من اخطاء في حساباته السياسية والاستراتيجية.. ولكن ايضاً بكل ما تحلّى به من تصميم على تغيير بلاده كي تندمج من جديد مع «نهر التاريخ الانساني». توزع مواد هذا الكتاب بين احد عشر فصلاً على اساسه التسلسل التاريخي لأهم المنعطفات التي عرفتها حياة ميخائيل جورباتشوف. ويفتتح المؤلف كتابه بجملة قالها الرئيس الامريكي الأسبق رونالد ريغان عندما استقبل ميخائيل جورباتشوف، للمرة الاولى، في البيت الابيض عام 1987. تقول الجملة: «ليس هناك تاريخ وانما سير حياة». ما عناه صاحب هذه الجملة الفيلسوف الامريكي «رالف امرسون» هو بصيغة ما، ضرورة دراسة التاريخ على ضوء الافعال والأعمال الكبرى التي قام بها اولئك الذين صنعوا التاريخ، فالبشر هم الذين يصنعون التاريخ. واذا كان من السهولة بمكان تصنيف التاريخ حسب تسلسل القياصرة والملوك والرؤساء والامناء العامين للاحزاب السياسية فإنه لابد من فهم واقع ان للتاريخ «تصنيفه» الخاص والذي قد لا يتفق تماماً مع هذا التسلسل الزمني «الميكانيكي».. ولا أحد يستطيع ان يحدد مسبقاً اولئك الذين سوف يخلّدهم التاريخ ان المنطق الذي دفع مؤلف هذا الكتاب كي يعتبر ميخائيل جورباتشوف «بطله» بمثابة احد عظماء عصره، بل وكل العصور، لا يستند ابداً ـ اي المنطق ـ على واقع انه كان على رأس الاتحاد السوفييتي لمدة ست سنوات ونصف كأمين عام للحزب الشيوعي السوفييتي اولاً ثم كرئيس، وانما يعتمد على محاولة فهم وتحليل الطريقة التي استخدم فيها السلطات الكبيرة التي كان يمتلكها. شخصية «جورباتشوف» كما يقدمها مؤلف هذا الكتاب، انما هي شخصية مثيرة للجدل، وليس فقط، بسبب ما كان قد «تجرأ» على فعله وانما وربما خاصة بسبب ما «لم يتجرأ» على فعله، ولهذين السببين المتناقضين كان ميخائيل جورباتشوف «رجل» مرحلة حاسمة من تاريخ الانسانية الحديث، اي حقبة نهاية القرن العشرين. ولعل من ابرز الاسباب الذي جعلته بمثابة الشخصية الرئيسية في عصره كون انه قد وضع حداً نهائياً لحالة من النزاع والحرب الباردة التي سادت العلاقات الدولية لعقود طويلة في ظل الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكري الغرب «الرأسمالي» والشرق «الاشتراكي». ما يتفق عليه الجميع، ومهما كانت مواقعهم الايديولوجية، وآراؤهم المؤيدة او المناهضة، بما فعله جورباتشوف، هو انه قد كان وراء «طي» صفحة مهمة من التاريخ الانساني الحديث وفتح آفاقاً جديدة لحقبة تاريخية ليست «العولمة» سوى احدى تعبيراتها الاساسية. ان المؤلف ومن خلال تعرضه لسيرة حياة «ميخائيل جورباتشوف» يحاول ان يجيب عن بعض الاسئلة الاساسية ذات الطابع النظري والخاصة بمعرفة الاسباب والمواصفات التي تجعل من «فرد عادي» شخصية تاريخية مرموقة، اذ لم يكن في طفولة ميخائيل ـ ميشا ـ أية دلالة خاصة على انه سيكون ذا «شأن خاص». ولم يكن هناك من العلامات الفارقة التي تميزه سوى «البقعة الحمراء الشهيرة على جبهته»، ويقول جورباتشوف نفسه عن طفولته بانه كان يحلم بـ «عمل شيء ما يثير دهشة ابيه وامه وشباب القرية الآخرين». وبكل الحالات يرى اندريه جراتشيف في صديقه ميخائيل مزيجاً من «الكفاءة والحيوية والطموح والتعطش الى السلطة والتعلق ببعض المباديء والحزم الاخلاقي... وفهم الحياة وملكة الاستماع وخفة التعبير ورغبة التعبير عن آمال الجماهير وتطلعاتها». واذا كان المؤلف يؤكد بان جورباتشوف كان في الواقع يمتلك منذ سن الشباب شيئا من هذه المواصفات الا انه لم يكن هناك ما يسمح بـ «التنبؤ» بالمستقبل الذي وصل اليه على المستوى الوطني او على المستوى العالمي. وانه سيقوم بتنفيذ «مهمة تاريخية» تتمثل في وضع حد نهائي لمنظومة كانت تسيطر على حوالي نصف المعمورة وفي وقت لم تكن تظهر على هذه المنظومة اية علامات خارجية على انها تعاني من الانهاك والشيخوخة، وبأن «اشجار الحور الباسقة» هي على وشك السقوط، بل على العكس بدت «المغامرة الافغانية» عام 1979، ونصب صواريخ موجهة ضد اعداء الاتحاد السوفييتي الحقيقيين او الوهميين، بمثابة محاولة التأكيد للعالم الخارجي بان النظام قوي ومتماسك بينما كان الامر في الحقيقة محاولة لـ «ذر الرماد في العيون» واختفاء الضعف والشيخوخة خلف «قناع» من القوة. لكن بالمقابل كان العارفون بحقيقة الامور، ومن بينهم جورباتشوف نفسه، يخشون بأن تؤدي عملية التفسخ الى قدر كبير من التخريب والعنف بسبب واقع تكدس «الغضب» داخل المجتمع الروسي. وينقل المؤلف عن «الفيزيائي» الكبير «ليف لاندو» قوله: «اذا جرى انهيار النظام السوفييتي دون نشوب حرب عالمية ثالثة فان ذلك سيكون بمثابة معجزة». ان «المعجزة قد تحققت اذن. والدولة التي كانت تبدو اكبر من ان تنهار قد تداعت مثل قصر من الورق والنظام الشمولي التوتاليتاري قد انتحر امام نظر العالم الذي كان يتطلع مشدوهاً لما يجري». ان الأهمية الاستثنائية لما فعله «ميخائيل جورباتشوف» الذي كان اخر امين عام للحزب الشيوعي السوفييتي والرجل الذي وصل الى السلطة في شهر مارس من عام 1985، تمثلت اي الاهمية الاستثنائية في قدرته على ان ينزع بقدر كبير من الهدوء فتيل قنبلة في بلاد تقارب مساحتها ثلث اليابسة وحيث كان البلاشفة قد اقاموا فيها نظاماً على اساس صراع الطبقات ودكتاتورية الطبقة العاملة البروليتاريا»، لكن ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب ايضا هو ان هدف جورباتشوف عند وصوله الى السلطة كان مختلفاً تماماً عمّا عرفته مجريات الامور فيما بعد.. لكنه عرف كيف يلعب الدور المركزي في توجيه السفينة الروسية التي وجد نفسه قبطانها وسط عاصفة «مكظومة» كان يمكن ان تؤدي بكل شيء. وينقل المؤلف عن المعلق الشهير في صحيفة «داي زيت كريستون برترام» قوله: «دون توفر البراعة التكتيكية لجورباتشوف وموهبته ان يمسك الامور بيده ويستعيد مواقعه مرّات ومرات على قمة الامواج الصاخبة وتوجيهها في الاتجاه الصحيح، فهل كان يمكن ان تنهار الامبراطورية السوفييتية بهذا القدر من اليسر؟». لقد ادرك جورباتشوف منذ سنوات شبابه بان الاحادية الايديولوجية ليست قدراً محتوماً، اذ كانت تتواجد داخل اطار اسرته عدة تيارات.. كما ان والده حارب في جبهة القتال ضد الالمان اثناء الحرب العالمية الثانية.. وفي ساحة قريبة هناك قائمة باسماء الذين استشهدوا فداء للوطن تضم سبعة اشخاص يحملون اسم «جورباتشوف» كما عرف ميخائيل اثناء طفولته كل اشكال الذكريات التي يحتفظ بها ملايين الاطفال من ابناء الارياف. لكنه كان يتميز بولعه بالقراءة اذ كان يقرأ كل ما يقع بين يديه. وذات مرة اختفى لمدة ثلاثة ايام متتالية مما اصاب والدته بذعر وقلق شديدين الى ان تم «اكتشافه» في المرآب وهو يقرأ احدى الروايات. وكان يهوى بشكل خاص الفيزياء والرياضيات والأدب حيث حفظ عدة قصائد لبوشكين وماياكونسكي لايزال يرددها حتى اليوم. لقد كان اول طالب من «بريفيلنوي» قريته ومسقط رأسه حيث رأى النور يوم 2 مارس من عام 1931 ـ يتم قبوله في جامعة موسكو. وفي تلك الجامعة وقع في غرام احدى زميلاته وشارك في التمثيل على خشبة مسرح. يقول المؤلف بهذا الخصوص: «من الصعب معرفة ما الذي كان يستهويه اكثر من المسرح: امكانية تقمص دور جديد ام تغيير القناع، ام مجرد التمثيل، ام شد انتباه الجمهور وتصفيقه، بكل الاحوال يبدو ان ميخائيل جورباتشوف قد فكّر لفترة من الزمن احتراف التمثيل كمهنة لحياته. لقد اصبح دون شك ممثلاً كبيراً ولكن على المسرح السياسي يقول اندريه جراتشيف. كان جورباتشوف قد اصبح بسن مبكرة عضواً بارزاً في منظمة الشبيبة الشيوعية، وحصل في سن السابعة عشرة على وسام العلم الاحمر لنشاطاته. لكنه ظل بالوقت نفسه يعمل الى جانب ابيه في الحقل خلال الصيف، ويبدو انه تعلّم من هذا الاب الشيء الكثير كما يذكر ميخائيل جورباتشوف في «مذكراته» التي نشرها قبل سنوات.. بينما لا يكاد يذكر اي شيء عن والدته في هذه المذكّرات. بل انه يشير في مواقع كثيرة الى تقلبها خاصة في علاقتها مع زوجته «رايسا» فالاثنتان كانتا تريدان شد انتباه رجل واحد هو «ميخائيل». ان مؤلف هذا الكتاب يسهب طويلاً في الحديث عن سنوات طفولة وشباب ميخائيل جورباتشوف لانه يجد فيها الكثير مما يمكن ان يفسر مسيرته اللاحقة، لاسيما انه كان «مفرقاً» حاسماً في حياة ذلك الشاب، اذ وعند نهاية دراسته الثانوية عام 1950، وجد نفسه امام وضع لخصه والده بالجملة التالية: «اذا تم قبولك في الجامعة فسوف نساعدك كما نستطيع.. واذا لم يتم قبولك فإننا سنعمل معاً على الحصّادة مثل العادة. لكن الشاب دخل الجامعة، وهذا ما وصفه الصحفي الامريكي الشهير «هيدريك سميث» في كتاب له عن سيرة حياة جورباتشوف ايضا بجملة تقول: «كان ذلك شبيهاً بقبول احد ابناء حي هارلم في جامعة هارفارد». وعندما استقال ميخائيل جورباتشوف من رئاسة الاتحاد السوفييتي المنهار وجاءت اللحظة التي وجد ان لديه متسعاً من الوقت كي ينظر الى الوراء، كتب في مذكراته: «من اجل الانطلاق بمسيرة الاصلاحات كان لابد من ان اعيش كما عشت وان ارى ما رأيت، وان اكون ابن اسرة عرفت مأساة الحياة التعاونية الزراعية واشكال القمع الستاليني، عام 1937، وان ادخل الى جامعة موسكو». ان المؤلف يولي اهمية كبيرة ايضا للدور الذي لعبته «رايسا»، الزوجة، في حياة ومسيرة ميخائيل جورباتشوف وكان قد تعرف عليها في الجامعة بعد علاقة مع ابنة احد الاساتذة التي بدأت بعملية «جعله حضارياً» عبر ارتياد المسارح والحفلات الموسيقية والمعارض الفنية.. ثم مع احدى اجمل فتيات الجامعة والتي كانت قد اختارت هذا «الجبلي» على جميع اولئك الذين كانوا يحومون حولها.. والتي كان يمكن ان يستمر بالحياة معها لو لم يلتق بـ «رايسا» التي وصفها بالقول انها كانت «نصف التفاحة الاخر». كانت رايسا تدرس الفلسفة وتصغره بعام في السن وانما تسبقه بعام في الدراسة.. ولم تكن تكتفي ابداً بالمناهج الدراسية المقررة كي تقدم امتحاناتها، وانما كانت تصر على دراسة النصوص الفلسفية الاصلية لهيجل وكانط ونيتشة وغيرهم.. بل وكانت اسماء مثل سارتر وهايدغر وهوبس مألوفة لديها منذ الطفولة. كانت رايسا منعطفاً كبيراً في حياة ميخائيل جورباتشوف وكان المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1956، والذي انتقد فيه خروتشوف الستالينية منعطفاً اخر.. ثم تضافرت الظروف والاحداث كي تجعل من ذلك الذي كان يمكن ان يصبح سائق آلة زراعية لحصاد القمح.. الرجل الذي حوّل مجرى التاريخ»